الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۸/۱۱/۰۳ چاپ
 

لا نخشَ غيرَ الله ـ 1

إذا ما تلوّثت حياتنا بالخوف، سيفوز بأصوات الناس من يخوّف الناس من الحرب/ يبدو أن التنظير للخوف أصبح إحدى رسالات بعض أهل العلم في الحوزة والجامعة!/ تتمثل أحد أركان محبوبية القائد سليماني في شجاعته

الهويّة:

  • المكان: جامعة طهران

  • الزمان: أيام الفاطمية

  • التاريخ: 11 جمادى الأولى 1441

التخويف من أهم مكائد إبليس. فمن خاف ضَعُف وفَقَد قواه الفكرية، ثم يستعجل وإنّ استعجاله سيُشقيه ويورّطه في غير قليل من الذنوب. ولذلك من الممكن أن نعتبر الخوف صفةً رئيسة تحرم الإنسان من كلّ شيء!

إليكم أهمّ المقاطع من المجلس الأول من سلسلة محاضرات علي‌رضا بناهيان في جامعة طهران تحت عنوان «لا تخشَ غيرَ الله»:

إن لم يخف الإنسان في محلّه خاف في غير محلّه!

  • إن موضوع بحثنا في هذه الجلسات هو الخوف؛ لا الخوف من الله بالطبع، بل الخوف الطبيعي الذي يحيط بالإنسان، أي الخوف من غير الله، كالخوف من العدوّ أو الخوف من أي بلاء قد ينزل بالإنسان.
  • الخوف موجود في وجود الإنسان بشكل طبيعي. ولكن إن لم يستخدم الإنسان هذا الخوف في محلّه، أي في الخوف من الله، سيستخدمه في غير محلّه، أي سيخاف من غير الله. الشجاعة فضيلة بارزة يُثني عليها جميع الثقافات.
  • الخوف بشكل مطلق هو من علامات الضعف ومن بواعث الضعف كذلك. الكل يعلم أن الخوف ليس بشيء حسن، ولكن عندما يبدأ الإنسان بتبرير الخوف، فذلك منطلق جميع المصائب. والأمرّ من ذلك هو أن يبدأ الناس بالتنظير للخوف. فهنا تكون الويلات والطامّة الكبرى على أبناء البشر. إن تبرير الخوف والأكثر من ذلك التنظير له يُشقيان الإنسان. وإلّا فإن خاف الإنسان من بعض الأشياء ثمّ اعترف بذلك بصراحة، فكأنه قد فتح على نفسه باب النجاة ولن يكون سببا لانحراف المجتمع.

يبدو أن إحدى رسالات بعض أهل العلم في الحوزة والجامعة هو التنظير للخوف!

  • إذا قال امرء: «أنا أخاف من الموت، أنا أخاف من الفقر، أنا أخاف من العدوّ، أنا أخاف من الخسارة...» فإن مثل هذا الإنسان عارف بنفسه ولا يبرّر خوفه. أما الذي يخاف ويبرّر خوفه ويقول مثلا: «لا؛ لیس هذا من باب الخوف، بل...» أو يحتجّ بذرائع لتبرير خوفه، فإن ذلك سيئ جدّا.
  • التنظير للخوف أسوأ بكثير من تبرير الخوف. كأنّ إحدى رسالات بعض أهل العلم في الحوزة والجامعة هو التنظير للخوف! أولئك الذين يريدون أن ينظّروا للخوف في الحوزة، فإنهم يرتكبون هذه الجريمة بأدبيات ونصوص دينيّة. أمّا الذين يريدون أن ينظّروا للخوف في الجامعة، فينطلقون في عمليّات التنظير للخوف بأدبيات غير دينية، مثل الأدبيات التجريبية والعلوم الاجتماعية والحقوقيّة وأمثالها.

التخويف من أهم مكائد إبليس

  • قبل أن نتحدّث حول الخوف وتعقيداته ودوره المدمّر في حياة البشر وفي حياتنا فردا فردا، نقف عند آية من القرآن تدلّ على أن الخوف من أهم مكائد إبليس.
  • عندما نتحدّث عن الذنوب والسيئات، ماذا يتبادر إلى ذهننا في بادئ الأمر؟ الشهوات! كذلك عندما نتحدث عن وساوس إبليس، أول ما يتبادر إلى أذهاننا الشهوات. ولكن القرآن يبيّن أن عمليّات وسوسة إبليس تنطلق من التخويف. فإنه تعالى يقول: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاء) [البقرة/268] يعني أن الشيطان يخوّف الإنسان من الفقر ـ أي من الحرمان بشكل عام الذي هو أعم من الحرمان المالي ـ وبعد ذلك يجرّه إلى الفحشاء.

على أساس الآية القرآنية، الأولويّة الأولى عند إبليس هي التخويف

  • الأولويّة الأولى عند إبليس من بين شتّى الأساليب التي يمارسها هي أن يخوّف الناس. فإذا ما خاف الإنسان، جرّه بعد ذلك إلى القضايا الأخرى كالشهوات. فعلى أساس هذه الآية الكريمة، يمكننا القول نوعا ما أن من يستطيع أن يقاوم هذا الكيد من مكائد إبليس ولا يرتعب، فإنّه قد يقدر على مقاومة باقي الوساوس أيضا. كيف يتورّط الناس في الشهوات ولماذا؟ لأنهم يخافون من أن تفوتهم فرصة الالتذاذ. فيقعون في الذنوب. فترى عنصر الخوف ماثلا في مجال الشهوات إيضا. فلو استطاع الإنسان أن يجرّد نفسه من الخوف فإنه قد لا يتورّط بكثير من الشهوات.
  • إذا خاف المرء ضَعُف، ومن ثَمّ يفقد قواه الفكريّة، ثم تتبلور فيه صفة هي موجودة في الإنسان بطبيعته وهي «العجلة»؛ أي سيستعجل فيدفعه الاستعجال إلى الشقاء ويتورّط بكثير من الذنوب.

الخوف صفةً رئيسة تحرم الإنسان من كلّ شيء!

  • يمكننا أن نعتبر الخوف صفة وحالة رئيسة لدى الإنسان، ليُحرَم من كلّ شيء! كذلك يمكن أن نعتبر الشجاعة صفة وفضيلة رئيسة، لنيل كلّ شيء! طبعا لابدّ أن نفهم الخوفَ والشجاعةَ بمعناهما العميق والواسع.
  • ليست الشجاعة عدم الخوف في ساحة القتال فقط. ليست الشجاعة مجرّد أن يقف الإنسان أمام رمي الرصاص دون فرار. الشجاعة تعني أن يحظى الإنسان بقلب قوي ولا يحسب أنّه يفقد فُرَصَه ونِعَمَه! من المهمّ جدّا أن لا يتوهّم الإنسان أنه سيفقد فرصة أو نعمة. بمجرّد أن يلقّن الإنسان نفسه أن "لن يفقد هذه النعمة" سينجو من الخوف.

نحن نعيش مع الخوف وننظّم حوافزنا بالخوف

  • فلنتحدث قليلا «عن تلوّث حياتنا بالخوف». إثر تربية الآباء والأمهات وتحت تربية معلّمينا وتعليمهم، أصبحنا نعيش مع الخوف ولعلّنا نستطيع القول بأن هذه هي الحالة الغالبة. يعني ننظّم حوافزنا بالخوف. فعلى سبيل المثال ندرس ونحصل على الشهادة خشيةَ الإملاق أو خشيةَ البطالة!
  • تصوّروا ماذا يحدث إن جرّدنا أنفسنا عن حوافز الخوف؟ سيصبح العالم عالما آخر لم نجرّبه بعد! فعلى سبيل المثال إن كتبتم لفيلم أو مسلسل قصةَ «مدينة لا أحد فيها يعاني من حوافز الخوف» فتنبأوا كيف تكون القصة؟ من المؤكد أن حواراتهم وروحيّاتهم ستكون مختلفة جدّا عمّا نحن عليه الآن.

لا يحق لأحد غير الله أن يخوّف الناس

  • كم من أمّ تقول لولدها: «ادرس وإلّا تصبح إنسانا فاشلا!» يعني تخوّف الطفل منذ البداية. أو تقول مثلا: «اسکت وإلّا يأتي الواوي ويأكلك!» فإنها تزرع الخوف في ضمير الطفل بكل سهولة.
  • التخويف عمليّة فنيّة ودقيقة جدّا ولا يحقّ لأحد غير الله أن يخوّف الناس. فإنه تعالى عندما يخوّف الإنسان يخوّفه عبر عمليات خاصّة؛ مثلا يخوّفه بعذاب ليس حاضرا ولا يُدرى متى يصيب الإنسان. إنه تعالى يتحدث عن شدّة هذا العذاب فقط، ولكنّه بعيد جدّا.
  • إنما يحقّ لله فقط أن يخوّف عبده، لأنه ملاذ عباده، فعندما يخوّفهم، نفس هذا التخويف مدعاة لسلامة روحهم.
  • لا يحقّ لأحد أن يخوّف أحدا. فقد جاء في الحديث الشريف: «شَرُّ النَّاسِ مَنْ یَتَّقِیهِ النَّاسُ مَخَافَةَ شَرِّهِ» [غررالحکم/5749] «مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسَانَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ» [الكافي/ج2/ص327] فإذا كان زوجك أو ابنك يفعلان فعلا خوفاً منك، فهذا أمر سيئ جدّا.
  • «روي أَنَّ عَلِیَّ بْنَ الْحُسَیْنِ(ع) دَعَا مَمْلُوکَهُ مَرَّتَیْنِ فَلَمْ یُجِبْهُ ثُمَّ أَجَابَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ لَهُ یَا بُنَيَّ أَمَا سَمِعْتَ صَوْتِي قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا بَالُكَ لَمْ تُجِبْنِي قَالَ أَمِنْتُكَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَمْلُوكي یَأْمَنِّي» [الإرشاد للمفيد/ج2/ص147]

إذا ما تلوّثت حياتنا بالخوف، سيفوز بأصوات الناس من يخوّف الناس من الحرب

  • عادةً ما تكون حياتنا مصحوبة بالخوف. فإن القوانين الإدارية وضوابط المدارس والجامعات والتي قد انتهت إلى الحوزات، تجعلك لا تغيب مخافة الطرد من المدرسة. أو تخاف أن تقع في تلك المشكلة إن لم تدرس. وإن خفت فقد انتهى الأمر ولا يمكن إصلاحه، أي سيفسد المناخ أساسا ولا يعود يصلح لرشدك.
  • إن حياتنا وللأسف قد تلوّثت بالخوف. حتى انتهى بنا الأمر بحيث من يرعب الناس من الحرب يفوز بأصواتهم في الانتخابات. فيُدلون بأصواتهم لصالحه وإن كان دجّالا خبيثا.

الولاية طريقة في إدارة المجتمع بحيث لا تتخذ الإرعاب وسيلة للسيطرة على الناس

  • ماذا تفعل الولاية أو الحكومة الولائيّة؟ الولاية طريقة في إدارة المجتمع بحيث لا تتخذ الإرعاب وسيلة للسيطرة على الناس؛ لأنه إذا كان لا بدّ للناس من الخوف، فيجب أن يخافوا الله وعقابه. وبطبيعة الحال، يَصلَف البعض في مثل هذه الحكومة لأنهم يأمنون شرّ الوليّ! كما ترى صلافة بعضهم أدت إلى أن يحرقوا باب بيت الزهراء(س). على الرغم من كونهم كانوا يعلمون مدى شجاعة علي(ع) وأنه إذا غضب فلا يسع أهل المدينة بأجمعهم أن يبارزوه، لم يخافوا منه، إذ كانوا يعلمون جيّدا أنه لا ينهض ولا يشهر السيف إلا وفق قواعد وضوابط لم تتوفّر يومذاك، ولا ناصر له. لذلك تجرأوا عليه وارتكبوا ما طاب لهم من الظلم والإجرام.

الخوف ناموس عالم الخلق، فلا يجوز لأحد أن يخشى غير الله أو يخوّف الناس من عنده

  • الخوف، ناموس عالم الخلق، فلا يجوز لأحد أن يخشى غير الله أو يخوّف الناس من عنده. لقد جاء في الحديث الشريف: « یُسَلِّمُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ وَ إِذَا دَخَلَ یَضْرِبُ بِنَعْلَیْهِ وَ یَتَنَحْنَحُ وَ یَصْنَعُ ذَلِکَ حَتَّى یُؤْذِنَهُمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ حَتَّى لَا یَرَى شَیْئاً یَکْرَهُهُ»[جامع الأخبار/ص89]
  • إذا ما خلت حياتنا من خشية ما سوى الله، فإنها ستصبح حياة أخرى! بينما إذا غمرها الخوف، فتغدو كالمستنقع المُنتِن! أتعلمون إلى ماذا ستؤول؟ سيكون منحاها منحى العصابة التي قتلت الحسين(ع) إذ أرعبوهم من جيش يزيد! فلا تتصوّروا أنهم ومن أجل أن يدفعوا الناس إلى قتل الحسين(ع) أخذوا يذمّون الإمام الحسين(ع) ليلَ نهارَ أو يسبّحون بحمد يزيد! فلو سئل قتلة الحسين(ع) أن: «من الأفضل الحسين(ع) أم يزيد؟» لقالوا: أوفي فضل الحسين(ع) شك! فلماذا قتلوه بأمر يزيد؟ لأنهم كانوا يخافون من يزيد ولا يخافون من الإمام الحسين(ع)!
  • ترى اليوم بعض النوّاب في المجلس، يخافون التصادم مع أمريكا، ويبرّرون خوفهم وينظّرون له.
  • هل سمعتم أن «الطيور على أشكالها تقعُ» كذلك الجبناء على أشكالها تقع. فالجبان يدلي بصوته لصالح مرشّح جبان وينتخب الجبان. ويقول: إنه قد تكلم بما في قلبي!

كيف تكون الحياة بلا خوف؟

  • كيف تكون الحياة بلا خوف؟ فعلى سبيل المثال، إنكم ترتّبون البيت وتقولون: «نخشى أن يأتينا ضيفٌ!» طيّب فحاولوا أن تقلعوا هذا الخوف من قلوبكم، بحيث تتيقنوا أن لا يذهب ماء وجهكم أمام هذا الضيف ولا ذرّة ولا تَقِلّ محبوبيتكم عند هذا الضيف. فالآن انهضوا ورتّبوا البيت من دون أيّ خوف. هنا قد يقول البعض: «ولكن بعد هذا الشعور لم يعد يبقى لي دافع لترتيب البيت!» رتّب بيتك حبّا للجمال لا خوفا من ذهاب ماء الوجه! فهناك شتّان بين الحافزين.
  • إن جرّدنا حياتنا من دوافع الخوف، ستصبح حياتنا حياةً أخرى. مثلا ادرسوا، ولكن لا خشيةً من الفقر! حصّلوا على الشهادة، ولكن لا خشيةَ الحرمان من العمل! هكذا سوف تكون حياة الناس في زمن الإمام صاحب العصر والزمان(عج). سيقول للناس مثلا: من افتقر فأنا كفيله. فلن يحتاج الناس إلى التأمين يومئذ. إذ سيقول: «لا تخف، متى ما عازك شيء فأنا أكفلك. فامض في حياتك وخض الغمرات، وإن واجهت مشكلة فأنا أجبرها» إنّ حكمة التأمين في الواقع، أو إحدى الخلفيات التنظيرية للتأمين هو الخوف.

ما الذي يجنيه الجبان في هذه الدنيا؟

  • ما الذي يجنيه الجبان في هذه الدنيا؟ تقول الرواية: «مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ فَقَدْ حَظَرَ عَلَى نَفْسِهِ الرِّزْقَ» [الكافي/ج5/ص90] و «لَا یُؤَاجِرْ نَفْسَهُ وَ لَکِنْ یَسْتَرْزِقُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ یَتَّجِرُ فَإِنَّهُ إِذَا آجَرَ نَفْسَهُ حَظَرَ عَلَى نَفْسِهِ الرِّزْقَ» [الكافي/ج5/ص90]
  • ما الفرق بین الوظيفة والتجارة؟ التجارة لا تخلو من المغامرة بالطبع، إذ قد تخسر رأسمالك، وقد تلقى تجارتك رونقا فيتضاعف رأسمالك. لعلّك تلقى زبائن ولعلّك لم تلقَ. ولكنّ كثيرا من الناس يتحرّجون من مغامرات التجارة خوفا، ويفضلّون التعيين في إدارة أو مؤسسة ما. كذلك ترى كثيرا من الآباء والأمهات يسألون الخطيب عن شغله، وأنه هل توظّف في مكان أم لا؟!
  • لماذا أكثر الناس يبحثون عن التوظيف؟ معظمهم يريد أن يريح باله من مخاوف الفقر. طبعا هذا هو حال الأكثرية، وهناك من لا يصدق عليه هذا الكلام.

لا يدخل الله في قلب الإنسان الجبان!

  • إن لم تخشَ غيرَ الله ولم تقم بعمل بدافع الخوف، تحظَ بحياة مختلفة وتنعم بقوّة القلب. بعدما يقوى قلبك تشعر بقلبك وتجده ويدخل الله في قلبك. فلا يدخل الله في قلب الإنسان الجبان! لذلك أول صفة يحظى بها العرفاء هي الشجاعة. فإن العارف على أشدّ الدرجات من قوّة القلب!
  • أحدهم هو نبي الله إبراهيم(ع) إذ لم يعتره خوف حين ما أرادوا أن يرموه في نار نمرود. وحتى عندما أراد جبرئيل أن ينقذه وسأله: «هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، وَ أَمَّا إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَعَم‏» [تفسير القمي/ج2/ص73] فأصبح إبراهيم(ع) خليل الله ونال ذاك المقام الرفيع. وأصبحت مكّة موطن تعظيم آثار إبراهيم(ع).

أوّل ما يمتحن به الله أو أكثره هو امتحان الخوف

  • إن الله يمتحننا بالخوف. فقد قال: (وَ لَنَبْلُوَنَّکُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَرات‏...) [البقرة/155] أوّل ما يمتحن به الله أو أكثره هو امتحان الخوف. ثم يأتي دور الجوع ونقص الأموال وسائر البلايا. أكثر القضايا التي تخافونها هي ليست إلا امتحاناً لعدم الخوف. فمجرّد عدم خوفكم هو نجاح في الامتحان. فقل إلهي لا أخاف.
  • إن لم نقدر على اكتساب فضيلة الشجاعة، فلنسعَ لتنزيه أنفسنا من حقارة الخوف وذلّه كحد أدنى. إنّ معظم حياتنا وللأسف قد امتزجت بالخوف، يعني أن الحافز لكثير من أفعالنا في الحياة هو الخوف. بحيث لولا الخوف لما قمنا بشيء، وذلك من شدّة تعوّدنا على أن نمارس أفعالنا كلّها بدافع الخوف!

طبيعة معظم تعاليمنا الدينية هي أن تقضي على خوفنا

  • معظم تعاليمنا الدينية بصدد القضاء على خوفنا من غير الله؛ وذلك عبر مفاهيم شتّى كالتوكّل وغيره.
  • إذا ألقيت نظرة إلى القرآن رأيت أن الله يخاطبك وكأنك غير مسؤول عمّا يجري في العالم وأن الأمور كلّها بيد الله. حيث يقول تعالى: (یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدی مَنْ یَشاءُ) [النحل/93] (وَ اللَّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ) [النور/38] و (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلکِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَ لکِنَّ اللَّهَ رَمى) [الأنفال/17] أو يقول: (وَ لَا تَقُولَنَّ لِشَىْ‏ءٍ إِنىّ‏ِ فَاعِلٌ ذَالِکَ غَدًا* إِلَّا أَن یَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف/23،24] بعدما عرفت أن الأمور ليست بيدك وليست بيد أحد غير الله، لا يبقى دليل للخوف، فلا تخف! ممَّ تخاف؟!
  • يقول آية الله بهجت(ره): لا يخاف طفل من جوع غده، إذ يقول: ماما موجودة وبابا موجود، لذلك يستطيع أن يسرح في لعبه ومرحه بكلّ سهولة ويستمتعَ بحياته.
  • إذا خاف طفل على رزقه، تحطّمت روحه. وأصبح كثير منّا الآن كالطفل المحطّم، ولو اعتبرنا المجتمع كبارا عقلاء. ولكن العقل ليس هذا، إذ أنّ العقل لا يرعب الإنسان! أجل إن عَطِبَ عقلُ امرءٍ وكان سطحيّا لا ينظر إلّا إلى المدى القريب ولا يرى المستقبل، فإنّه يصبح جباناً. بينما إذا رأى عقلُ الإنسان نطاقاً أوسع، فإنه لن يخاف من شيء.

أحد أركان محبوبية القائد سليماني شجاعته

  • بودّي أن أشير إلى نقطة عن القائد سليماني. لقد ضاق صدري في هذه الأيام. إذ قد كثر الحديث عنه بالطبع، ولكنّه لا يزال في غربة كبيرة.
  • لقد سمعنا بعد استشهاد القائد سليماني من الإذاعة والتلفزيون وباقي وسائل الإعلام في هذه الأيام عن أخلاصه كثيرا. لماذا هزّ العالم وسخّر كلّ هذه القلوب؟ الكل يجيب بسبب إخلاصه. لا شك في صحّة هذا الجواب، ولكن هل كلّ من يُخلِص عملَه يصبح محبوبا إلى هذه الدرجة؟! كلا!
  • ممّا لا شكّ فيه إن من أركان محبوبيّته وهذا الزلزال الذي أحدثه في العالم هو أخلاصه، ولكن الركن الآخر شجاعته. لقد عرض هذا المقطع كثيرا حيث كان القائد سليماني يمشي على الساتر بكلّ ارتياح؛ وكأن يسهل عليه التفكير هناك، وذلك على الرغم من خطر الإصابة. وهناك مقطع آخر يحاول فيه القائد أن يجتاز الساتر ليرى ما خلفه، ولكن يحيط به رفاقه ويمسكونه لئلّا يتقدّم أكثر ولا يستهدفه العدو. ترى ركن الشجاعة هذا مؤثرا في محبوبية الشهيد حججي أيضا. فقد رأى الناس في ملامحه ونظراته الأخيرة شجاعة وعدم خوف. إن هذه الشجاعة هي التي قد حسمت الأمر وقلّبت القلوب.

الله يعلم كم من مجاهد شجاع ربّته فاطمة الزهراء(س)!

  • إنما تنال الشهادة بالشجاعة. لابدّ أن نعمل دراسات على شهدائنا ويجب أن تُعَدّ وثائقيّات عن أمّهات الشهداء لنرى كيف كنّ يربّين أولادهنّ بحيث تبلورت عندهم هذه الشجاعة؟ من المؤكد أن هذه الأم كانت تتصف بشيء من الشجاعة ولعلّها كانت تقول لابنها في بعض الأحيان: «لا تخف»! أو أنها جسّدت لابنها شجاعتها وعدم خوفها، فلولا ذلك لما نال ابنها مقام الشهادة.

  • الله يعلم كم من مجاهد شجاع ربّته فاطمة الزهراء(س)، في جبهات القتال! أيها الإخوة! في ميسوركم جميعا أن تحيَون بنمط تتكفل فاطمة الزهراء(س) بتربيتكم وتتخذكم أولادا لها، إذ أنها أمّكم المعنويّة، فإن أصبحتم على معرفة من هذه الحقيقة، اتخذتكم أولادا لها. حسبكم أن تطرقوا بابها وتتوسّلوا بها كالابن الذي فقد أمّه..

  •  لقد عشنا هذه الأيام المريرة ورأينا كيف كان الشعب متذمّرا وغضبانا ومستاءً، بل أصبح لا يكاد يستطيع أن يمارس أعماله العاديّة. وإذا سألت أحدهم قال: «لقد طعنوا بطلَنا»! فكيف بكم لو كانوا قد طعنوا أمّكم! فاعرفوا أي ألم تجرّعه الإمام الحسن(ع) والإمام الحسين(ع) في المدينة!

  • ترى شعبنا بعد استشهاد القائد سليماني يطالب بأخذ الثأر والانتقام، ولكنّكم تعرفون أن لا أحد في بيت علي(ع) كان يستطيع أن يطلب الثأر؟ لقد خرج شعبنا وسيّر مسيرات وتظاهرات وشيّع أجساد الشهداء بتشييع رهيب، ولكن دفنت فاطمة الزهراء(س) في جوف الليل خفية. حتى أن أمير المؤمنين(ع) أوصى أطفاله أن يضعوا أكمامهم على فمهم لكي لا يعلو صوت بكائهم. إن أبناء فاطمة الزهراء(س) قد كتموا بكاءهم في صدورهم وهكذا تسنّى لنا أن نبكي عليها بصوت عال بعد مضي 1400 عام...

تعليق