الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۰۶/۰۶ چاپ
 

أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع (المحاضرة1)

ما هو أهم عوامل سقوط الإنسان وزوال الإيمان؟/ الجميع مُبتلى بالكِبْر والحسد، لكن لماذا لا تُسقط هاتان الرذيلتان الجميع؟/ أيّ واحدة من الفضائل هي المُنجية؟

الهويّة:

  • الزمان: 30/ذو الحجة/1441 - 20/آب/2020
    الموضوع: أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع
    المكان: طهران، موكب "ميثاق با شهدا" (العهد مع الشهداء)

 

الوظيفة المهمة لمثل هذه المجالس هي "معرفة ما له الأولوية في هذا العصر"

  • أعرِضُ في البدء بضع نقاط كمقدمة حول المحاضرة في هذا النمط من المجالس. أوّلاً لا ينبغي لمثل هذه المجالس أن تؤدي مجرّدَ دورٍ تعليمي أو تربوي. بالطبع من الجميل أن نتعلّم فيها، وأن نسمع المواعظ ونتنبّه أيضاً، بل أن نخطو - بعبارة أخرى - خطوة باتجاه تهذيب أنفسنا. غير أنّ للمباحث المطروحة في هذه المجالس وظيفةً أخرى ليست تعليمية أو تربوية بالمعنى الحرفي للكلمة.
  • ليست وظيفةُ المواضيع المطروحة في مثل هذه المحافل مجرّدَ تركِ أثر روحي مطلوب، أو التأثير في فكر الإنسان بإضافة شيء إلى معلوماته. على أننا لا ننفي "ضرورة أن تكون هذه المجالس معلِّمة ومُزَكّية"، لكن قد تبدو هاتان الوظيفتان ثانويّتَين أمام الوظيفة الأخرى لهذه المباحث، ألا وهي أنّ علينا أن نقف في هذه المجالس على ما له الأولوية في عصرنا، وأن نعرف الفضيلة التي علينا الآن بالذات أن نهتم بها من بين سائر الفضائل.
  • الوظيفة المهمة لهذه المجالس هي معرفة الأولويات؛ وهو أنه: الدورُ الآن لأي شيء؟ وأي الرذائل - سواء في أنفسنا أو في المجتمع - من المهم، في الوقت الحاضر، أن نحاربها ونزيلها؟ وأيُّ واحدة من الفضائل علينا، اليوم، أن نضعها ضمن أولويّاتنا؟

 

هذه المجالس مجالس عقلية أكثر مما هي علمية وعاطفية

  • بعبارة أخرى: هذه المجالس هي مجالس عقلية أكثر مما هي مجالس علمية أو مجالس قلبية (أي عاطفية). وماذا يصنع العقل؟ إنه لا يحدد ما هو الخير وما هو الشر، فهذه وظيفة العلم، بل يُخبرنا بأنه: أيّ الشرور شرٌّ من غيره؟ وأنّ الدور الآن لمحاربة أيِّ شَرّ؟
  • أتعلمون أي فاجعة ستحصل لو خلتْ مجالسُنا من العقلانية ولم يَجرِ فيها غير العلم؟ لربما ستُقطع رؤوسُنا بالعِلم! وماذا سيحصل لو انتعشت في مجالسنا "الحالُ المعنوية" وغاب عنها العقل؟ سيحصل أننا سنبكي اليوم حول موضوع ليس هو موضوعَ الساعة! وسنحزن اليوم على أمرٍ ليس الدورُ دورَه!
  • عدوُّ الإنسان، في بعض المواطن، هو الجهل، لكن من السهل هزيمة هذا العدو، ولا سيما في الوقت الحاضر. وعدو الإنسان، في مواطن أخرى، هو قسوة القلب، لكن يمكن أن يُدحَر هذا العدو ببساطة أيضاً. ولهذا فإننا نريد في هذه المجالس أن نُنَمّي عقولنا، مفترضين أن المتلَقّين هم من أهل العلم والأفئدة.

 

غيرُ العالِم بزمانه تكثر أخطاؤه

  • ما هي وظيفة العقل؟ إنه يوجّه القلب ليُنفق جهدَه في موضوع هو اليوم ضروري. في الخبر: «الْعَالِمُ‏ بِزَمَانِهِ لَا تَهْجُمُ‏ عَلَيْهِ‏ اللَّوَابِس» (الكافي/ ج1/ ص61)؛ فالعالِم بمجريات زمانه، وأنه: "دورُ ماذا الآن؟ و: في أي زمان أنا أعيش اليوم؟" لا تهجم عليه الأخطاء؛ يعني أنّ غيرَ العالِم بزمانه تكثُر أخطاؤه.
  • من وظائف هذه المجالس هي إخبارُنا بأنه: "دورُ ماذا الآن؟ وفي أي زمان نحن نعيش؟" وبعبارة أخرى: ليس من وظائف هذه المجالس أن نعرف "وقت ماذا الآن؟" وحسب، بل أن نتبيَّن الأحسَنَ من بين الفضائل، والأسوأ من بين الرذائل.

 

أكثر معارف الإنسان أصالةً هي تلك التي تمَكّنُه من تحديد الأولويات وتزوّده بـ"الحكمة"/ أيامُ محرَّم الحرام أيامُ حكمة

  • وإنّ أكثر معارف الإنسان أصالةً هي تلك التي تُمَكّن صاحبها من تحديد هذه الأولويات؛ وهذا ما يسمى بـ"الفرقان"، أو "البصيرة"، أو "الحكمة". وإنّ أيامَ محرَّم الحرام أيامُ حكمة. وقد بشّرَ النبي(ص) مَن يحب أهل بيته(ع) بأن الله سيعطيه الحكمة: «مَنْ أَرَادَ الْحِكْمَةَ فَلْيُحِبَّ أَهْلَ بَيْتِي» (مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة(ع)/ ص84). و: «مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَحَقَّقَ حُبَّنَا فِي قَلْبِهِ جَرَى يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ عَلَى لِسَانِه» (المحاسن/ ج1/ ص61).
  • إنكم، في شهر مُحرّم الحرام، في ذروة محبة أهل بيت رسول الله(ص)؛ إذاً فإنكم، في هذا الشهر، في أعلى درجات الحكمة؛ وإذاً فلتضعوا، في شهر محرم هذا، الخُطّة الكاملة لعامكم. فإنّ ليلةَ عاشوراء تُعَد "ليلةَ قَدْرِ" عقولنا؛ إنها الليلة التي تنضج فيها عقولُنا أكثر من أي وقت آخر، لأننا فيها نستغرق في حب الحسين(ع) أكثر من أي زمان آخر.
  • هذه المجالس مجالس إنماء العقل. وأريد هذا العام أن أعالج في هذا المجلس موضوعاً ذا طابع استراتيجي، وأطلب إليكم التأمّل فيه والحُكم فيما إذا كان هذا الوقت مناسباً لمثل هذا الكلام؟ ما هي أهم متطلباتنا في الوقت الحاضر؟ ومن هو عدوّنا الأول اليوم؟ ...الخ.

 

الرد على شبهة أنه: لا يمكن لعدّة مواضيع أن تكون جميعاً "الأهمّ" في آن واحد!

  • المقدمة الأخرى التي أود تقديمها هي أنه ثمة شبهة تتولّد عند البعض في كل عام أتحدّثُ في هذه المجالس وهي أنه: "في كل عام نسمع في هذه المجالس موضوعاً يتم طرحه على أنه الموضوع الأهم، ثم نأتي في العام التالي فنجد أنفسنا، من جديد، أمام موضوع آخر على أنه الموضوع الأهمّ!"
  • يتّهمني البعض بالإغواء والتحايل، وأنني أحاول إقناعهم عبر العمليات النفسية بأن "هذا الموضوع هو الأهم!" فكيف يُعقَل أن يُطرح كل عام موضوعٌ جديد على أنه الموضوع الأهم، في حين أنه لا بد للموضوع الأهم، في النهاية، أن يكون واحداً، لا متعدداً؟!

 

من الممكن النظر إلى الحقيقة الواحدة من زوايا مختلفة

  • والحق أن هذه الشبهة في محلها، لكن لا بد أن نلتفت إلى أنه من الممكن النظر إلى الحقيقة الواحدة من زوايا مختلفة، الأمر الذي سيُمَكّنُنا من تقديم صوَر شتى لها. فمن الميسور، على سبيل المثال، النظر إلى فيل من زوايا مختلفة؛ فإن نظرتَ إليه من الأعلى رأيتَه صخرة ضخمة ثقيلة مُلقاة على الأرض، وإن نظرتَ إليه من الأسفل وجدتَه صخرة معلّقة بالسماء.
  • وإنه ليتسنّى النظر إلى الحقائق ذات الطابع المعنوي من زوايا شتى. ولو قلّبتُم الأحاديث الشريفة لشاهدتم أن هذا الأمر قد تكرر فيها كثيراً؛ فقد تسمع مئات المرات عن كلام المعصوم(ع) أن "أفضل الأعمال هو كيت وكيت"؛ فتارةً يقول لك: "إنْ حويتَ ثلاثاً كنتَ سعيداً..." وتارة أخرى: "إن اتّصفتَ بخصلتين كنت سعيداً..." والحال أن هاتين الخصلتين تختلفان عن تلك الثلاث! وهذا نظرٌ إلى حقيقة واحدة من زوايا عدة؛ إنه ميثاقُ حقيقةٍ يمكن النظر إليه من زوايا مختلفة.
  • بالطبع قد يخطئ المرء – كما يخطئ الكثيرون - في عرض لائحة بأهمّ الأمور، لكنك إذا اتخذتَ الدين دليلاً، وتمتّعتَ بشمولية الرؤية، وامتلكتَ الحكمة فلن تخطئ في تحديد الأهم، حتى وإن كان لديك قائمة طويلة للأمور المهمة؛ إذ سترى، إذا فسّرتَها، أنها جميعاً تُفصح عن حقيقة واحدة، وأن بينها انسجاماً كبيراً.
  • فإني إنْ تناولتُ كل عام موضوعاً هو، من زاوية ما، الأهمّ فأنا ملتفتٌ إلى المواضيع المهمة المطروحة خلال الأعوام الماضية؛ فلا يُشطَب على أيٍّ منها، وليس ثمة بينها من تعارض. إنها روعة الحقيقة التي تظهر لك بهذه الصورة إذا نظرتَ إليها من زوايا عدة.

 

ما هو أهم عوامل سقوط الإنسان وزوال الإيمان؟

  • وأود هذا العام التحدث عن أهم عوامل سقوط الإنسان وأهم أسباب زوال الإيمان. وبمعزل عن أن هذا العامل هو - بحد ذاته - الأهم حقّاً فإنه موضوعُ الساعة، وهو الاحتياج الأهم لمجتمعنا المعاصر أيضاً، وهو الأهم في الحياة الفردية لكل واحد منا كذلك.
  • وبالمناسبة، إننا حين نفحص نبضَ الزمان نجد أننا اليوم بأمس الحاجة إلى هذا العامل، وأن الصراع بين الحق والباطل في مجتمعنا الديني الهائج الآخذِ بالتطور يدور حول هذا الموضوع بالذات. ثمّة حربٌ ضروسٌ اشتعلتْ، وستولّد صخباً ضارياً جداً عما قريب. فإن أحببتم أن تكونوا من جُندِ معسكر الحق فيها فعليكم أن تعرفوا مسرح المعركة.

 

ما هو أهم صراع بين الحق والباطل اليوم؟

  • أظن أن أكثرنا غافل عن هذه "الساحة الأهم في الصراع" ولا يعرف: على ماذا يدور النزاع؟ لقد كذَب الكذّابون في المجتمع كذبات عظيمة وكثيرة للتشويش على نقطة الصراع هذه، لأنه ما إن تُعرَف نقطة الصراع حتى تميل الغالبية الساحقة من الناس إلى الحق.
  • ونريد في هذا الحديث، في الواقع، أن نتناول أهمّ نزاعات الساعة. فبمعزل عن أننا نود أن نتناول أهم صراع بين الحق والباطل يجري اليوم في مجتمعنا – والمرتبط، بالطبع، بالمجتمع الدولي أيضاً – نريد معرفة أحد أهمّها أيضاً.

 

الجهل ليس أهم عوامل سقوط الإنسان، فكثير من أهل العلم قد سقطوا!

  • ولنطرح بدايةً حول موضوع البحث بضعة أسئلة: "ما هو أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع؟" وبعبارة أخرى: "ما هو أهم عوامل سقوط الإنسان؟ وما هو أهم ما يحفظ الإنسان من السقوط؟"
  • فإن قلتم: إن أهم عوامل سقوط الإنسان هو الجهل، فلا أوافقكم الرأي! لأن الجهل يزول بكل سهولة. فليسوا قِلَّةً أهل العلم الذين سقطوا! ولم يكن أهل العلم قِلّة في مجتمع كان مصيره السقوط!

 

ليس للكثير من الفضائل الأخلاقية قدرةُ حفظِ صاحبها من السقوط

  • ولتنسَوا، في هذه السلسلة من المحاضرات، الكثير من الفضائل الأخلاقية لأنها تَعدَم قدرة حفظ الإنسان من السقوط. فإنّ خيّرين كُثُراً قد سقطوا. وفي صدر الإسلام سقط مُعظم من كانوا مع رسول الله(ص) وحضروا درسَه! بل بلغوا في سقوطهم مبلغاً أودَى بهم إلى قتل الحسين(ع)! لم يكن هؤلاء من يأجوج ومأجوج، بل أناسٌ عاديّون، قد نَعِموا بأنفاس النبي(ص)! إذاً علينا أن نتبيَّن المشكلة الأساسية التي كانت عند هؤلاء فسقطوا!
  • ولو سألتَه(ص): يا رسول الله، ما بال هؤلاء سقطوا وقد كانوا بصحبتك لسنوات؟ لأجاب: "لقد غرستُ فيهم فضائل جَمّة، لكنّي مهما حاولتُ أن أغرسَ فيهم تلك الفضيلة التي كان ينبغي أن تُغرَس، لم أفلح!" ما هي هذه الفضيلة؟ لا شك أنها ليست الصلاة.
  • يقال أحياناً: "لقد استشهد الإمام الحسين(ع) من أجل الصلاة"، وهنا يجب أن نسأل: ما المراد من هذا الكلام؟ فإبليس كان يصلي، وشِمْرُ بن ذي الجوشن أيضاً كان يصلي! قد يقال: "استُشهد(ع) من أجل الصلاة الحقيقية". إذاً خبّرونا، أوّلاً، ما هي هذه الصلاة الحقيقة؟ وعلى ماذا يقوم أداؤها؟ ثم قولوا: لقد استشهد الحسين(ع) من أجل هذه الصلاة!

 

الكثير من الفضائل لا يُنجي صاحبه، فأيُّ واحدة من الفضائل تنجي إذاً؟

  • أيُّ واحدة من الفضائل تُنجي صاحبها؟ الكثير من الفضائل لا ينجي الإنسان، كما أن الكثير من الرذائل لا يُهلكه. وإنّ وجود الرذائل في كيان الإنسان مسألة طبيعية جداً؛ فهذا أمير المؤمنين(ع) يُروى عنه قولُه: «أَكْرِهْ نَفْسَكَ عَلَى الْفَضَائِلِ فَإِنَّ الرَّذَائِلَ أَنْتَ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا» (غرر الحكم/2477)؛ فمن الطبيعي أن تكون مُبتلىً بالكثير من الرذائل، أو أن تُبتلَى بها؛ هذا ليس بالأمر السيئ.
  • التحلي بالكثير من الفضائل هو الآخر ليس بإنجاز، كما أن استبدال الفضائل ببعض الرذائل ليس بالأمر الشاق. فهناك من أدخَلوا، بمساعدة الدين والأخلاق، بعضَ الإصلاحات على أنفسهم وغيّروا سلوكهم لكنهم، في نهاية المطاف، سقطوا وكان مصيرهم النار!
  • هناك فضيلة تختبئ وراء هذه الفضائل، وقلّما يُثار الكلام عنها، والتي يختلج قلبُ المرء وترتعش يدُه إن أراد الدنُوّ منها. وثمة أيضاً رذيلة قلّما يُتحدّث عنها، مع أنها موجودة عند الكثيرين، لكنهم يحسبون أنها طبيعية، بل ويجب المحافظة عليها أيضاً!
  • إذا كان الإنسان مؤمناً، وكان يمارس معظم العبادات، وكان يحترم أكثر القوانين فما الخطر الذي قد يتهدّده بالسقوط، يا ترى، إلى درجة يمكن معها القول: "يا ليته كان سيّئاً ولا أن يحيق به هذا الخطر؟!"

 

قد يسقط الإنسان المؤمن أو المجتمع لنفس السبب الذي سقط من أجله آدم(ع)

  • لماذا هبطَ، أو سقطَ، نبي الله آدم(ع) من الجنة؟ نحنُ كثيراً ما نتذرّع بأن السبب في كوننا سيئين هو أن "ظروفنا غير مواتية!" ألا وإنّ ظروف جدّنا آدم(ع) لم تكن غير مواتية، بل كانت مواتية جداً. ظروف السيدة حوّاء أيضاً لم تكن سيئة، بل كانت جيدة للغاية. لماذا يعرض الله تبارك وتعالى مشهدَ قصة آدم وحواء(ع) أمام أنظارنا؟ يفعل ذلك لكي لا نقول نحن غداً: "لم تكن ظروفُنا مساعدة، ولذلك أمسينا سيئين!" لربما أراد الله أن يقول لنا (بهذه القصة): "دقّق جيداً.. انظر لماذا أُخرج آدم(ع) من الجنة وسقط؟ مع أنّ أوضاعه كانت جيدة!"
  • للسبب ذاته الذي سقط آدم(ع) من أجله يسقط المجتمع، وللسبب ذاته يصل الإنسان المؤمن إلى آخر إيمانه.
  • لا بد للإنسان أن يُمتحَن فيظهَر معدنه في هذا الامتحان. لكن بأي شيء يُمتحَن الإنسان فيسقط بسببه؟ ما الذي علينا أن نحترس منه في مثل هذه الامتحانات؟ وإذا لم تكن الصلاة لتُنجينا من السقوط في تلك الرذيلة، فلماذا نُصلّي إذاً، وما الجدوى من الصلاة؟ فإبليس هو الآخر لم تُنجِه صلاتُه من السقوط في هذه الرذيلة!

 

الجميع مُبتلى بالكِبْر والحسد، لكن مَن ذا الذي يؤدّي الكِبْر والحسد إلى سقوطه؟

  • قد تَخطُر صفةُ التكبر أو الحسد على بالكم. أجل، لقد هلك إبليس نتيجة كِبْره وحسده. لكنّ الحسد لا يُهلك الجميع؛ فهو وباء، ويصيب الكل تقريباً. وفي الحديث أن الأنبياء أيضاً يُبتلون بالحسد، وقد شرح الإمام الخميني(ره) هذه الرواية: «ثَلَاثَةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ: التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ، وَالطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ، إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَه» (الكافي/ ج8/ ص108)، بأن المؤمنين الذين يدخلون الجنة يشربون على بابها من عينٍ تُذهِب ما بقي فيهم من الحسد.
  • الحسد، إذاً، موجود في الجميع. ما يتوجّب علينا هو أن نرى مَن ذا الذي سيُهلكُه الحسد؟ التكبّر هو الآخر موجود عند الكل، وهو لا يزول بسهولة. لكنه ثمة رذيلة أو خطر إذا لم تلتفت إليه يتفاقَم تكبّرُك، فيُهلكُك. وإنّ هناك ضرباً من المراقبة إن التزمتَ به لاستطعتَ أنت إجهاض الكِبْر والحسد في نفسك. وإنّه ثمة فضيلة إن أنت امتلكتَها تصبح صلاتُك حيّة بهيجة جميلة، وإنْ غابت عنك فما زال إيمانُك غير مُمَحَّص، أو إنك ستفقدُ إيمانك إذا وُضعَ على المحك.

 

لماذا يفقد البعضُ إيمانه؟

  • الإيمان بـ«وجود الله تعالى» ليس إنجازاً أبداً؛ فلقد خُلقتْ بُنيةُ فكرِ الإنسان وروحه بحيث لو رجع إلى نفسه قليلاً لعرفَ أن الله موجود. فالإيمان بالله إذاً ليس بإنجاز. إذاً الإيمان بأي شيء فيما يتصل بالله هو إنجاز؟ علينا أن نتحدث حول هذا الموضوع بالذات.
  • الإيمان بالله موجود في أعماقنا. لكن ثمة الكثير ممّن كانوا يحملون هذا الإيمان ثم فقدوه! فقدوه بسبب ماذا؟ لا تقولوا: "بسبب الكِبْر"! فكثيرون هم المبتلون بالكِبْر، لكن السؤال هو: لماذا يُهلك الكِبرُ بعضَ الناس ولا يُهلك البعضَ الآخر؟ أين مَكمَن الخلل عند أولئك الذين أهلكهم الكِبْر؟ وأين عليَّ أن أتأهّبَ كي لا يُهلكني الكبر؟

 

تبويب البحث من ثلاث زوايا مختلفة

  • إذاً تحدّثنا مرّةً من زاوية الامتحان وقلنا: إنه لا بد أن نُمَحَّص ليتّضح إن كانت حقيقةُ هذه الفضائل موجودة فينا أم لا؟ وفي أيِّ شيء إذا امتُحِن الإنسان يسقط؟ وحول ماذا يكون هذا الامتحان الأساسي؟
  • وتحدّثنا ثانيةً من زاوية الرذائل، فقلنا، على سبيل المثال: إن التكبر والحسد هما الرذيلتان الأساسيتان اللتان أهلكتا إبليس. لكن هذه الرذائل موجودة في الجميع، وهي لا تُهلك كل من يحملها! فما الذي ينبغي للإنسان أن يملكه كي لا يسقط بسبب هذه الرذائل؟
  • ثم إننا تحدثنا ثالثةً من زاوية الإيمان وقلنا: إن الإيمان بالله عزّ وجلّ ليس إنجازاً، كما أن الإيمان بالمعاد، وكذا الإيمان بأولياء الله، ليس بإنجاز أيضاً!

 

لماذا لا يصبح البعض ولائيين؟ ما هي مشكلتهم الأساسية؟

  • لربما قلتَ: إن الولائية هي أصل القضية. أجل، وأنا أوافقك على أن الولائية هي أصل القضية. لكن لماذا لا يصبح البعض ولائيين؟ ما هو المرض أو المشكلة الأساسية التي يعانون منها؟ ما الذي جعلَ آخرَ الزمان أوانَ تمحيص الشيعة كي يُغربَلوا ويُنبَذَ المنافقون منهم؟! بل ما معنى "المنافق الشيعي"؟ المنافق، في زمن من الأزمنة، كان الرافض لعلي بن أبي طالب(ع)، فأيّ معنى للنفاق يا ترى عند مَن يُقرّ بإمامة اثني عشر إماماً؟
  • رُوي عن الإمام الرضا(ع) قوله في بعض هؤلاء الشيعة: «إِنَّ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مَوَدَّتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ فِتْنَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنَ الدَّجَّال» (وسائل الشيعة/ ج16/ ص179). إنهم يحبون الإمام الحسين(ع) لكنهم يُشعلون، قبل الظهور، فتنةً هي أشد من فتنة الدجال. بل لربما سفحوا على صاحب الزمان(عج) الدموع، لكنهم سيقفون في وجهه إذا ظهر! فما هو الشيء الذي ينكره هؤلاء؟
  • ما هو القاسم المشترك بين ذاك الذي أنكر زعامة رسول الله(ص) في صدر الإسلام، وذاك الذي رفض إمامة أمير المؤمنين علي(ع) من بعده، وهذا الذي سينكر بعد الظهور، مع كل ما يدّعيه من التشيّع، قيادةَ ولي الله الأعظم(عج)؟ ثمة شيء يجعل تكبّر هؤلاء يطفو على السطح. فما هو ذلك الشيء الذي يكون مزرعة ظهور التكبّر، لكنه حقيقةٌ أخرى غير التكبر؟
  • ما هو الموضوع الذي يجب أن نختبر إيماننا به؟ ما هو الموضوع الذي يشكل العامل الأساسي لقبول ولاية ولي الله أو رفضها، وهو – بالمناسبة – موضوع عصرنا أيضاً؟
  • نريد في هذه الحلقات أن نتجاوز قليلاً بعض ما سبق أن سمعناه من الكلام. وفي الحلقات القادمة سيتبيّن المراد من هذه الأسئلة أكثر عندما أقدّم الإجابة عليها ونتجاذب أطراف الحديث حول هذه الإجابة.

تعليق