الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

15/10/16 چاپ
 

حب الحسين وعلاقته بالفطرة (3)

بين يديك عزيزي القارئ هو ملخص الجلسة الثالثة من سلسلة محاضرات سماحة الأستاذ الشيخ بناهيان في العشرة الأولى من محرم في عام 1434هـ. في موضوع «حب الحسين وعلاقته بالفطرة» حيث ألقاها في جامعة الإمام الصادق(ع) في مدينة طهران بين مجموعة من طلاب وأساتذة الجامعة وباقي شرائح المجتمع.

إن تشخيص الأولويات هو قضية مجتمعنا اليوم/ كل الكلام والخلاف في مجال السياسة يدور حول تشخيص الأولويات

  • ليس بكاف أن نطّلع على المعارف الإسلامية ونحظى بمعلومات دينية وحسب، بل لابدّ لنا من معرفة مواطن استخدامها ومجال ذلك أيضا. يجب أن نعرف «أيّ فعل» نقوم به و «متى». لا يكفي الإنسان أن يتعرف على قائمة من الأفعال الحسنة والسيئة، بل لابدّ له أن يعرف ماذا ينجر من عمل حسن ومتى، وماذا يقابل من مظاهر سيئة ومتى.
  • لا ينحصر تشخيص الأولويت في المعارف الدينية بل إنه أمر مهم جدا في التجارة والطبّ وغيرها أيضا. فينبغي للتاجر أن يعرف أي بضاعة يشتريها أو يبيعها ومتى. وكذلك لابدّ للطبيب أن يحدّد الدواء الذي يصفه للمريض ويحدد وقت ذلك، وإلا فإما أن تذهب أعماله هباء بلا أثر أو بأثر قليل، وإما أن تؤول إلى أضرار وتداعيات لا تحمد عقباها.
  • إن تشخيص الأولويات هو قضية مجتمعنا اليوم. حيث يبلغ المجتمع الديني في مسار حركته التطورية إلى ما يكون محل النزاع والخلاف فيه داخل المجتمع يدور حول تشخيص الأولويات لا حول الأصول. وكذا الحال بالنسبة إلى الإنسان في مسار حركته التكاملية. فعندما يعجز إبليس عن سوق إنسان نحو السيئات، يحاول أن يغلّطه في مقام تشخيص الأولويات بين مجموعة من الأعمال الحسنة، كي لا يصيب في ميدان جهاد النفس في عملية اختيار أحد عملين صالحين ويختار العمل الذي يقع في الدرجة الثانية من الأولويّة.
  • كما أن الكلام في مجال السياسة يدور حول تشخيص الأولويات حتى قال البعض في مقام تعريف السياسة: «إن السياسة هي التمييز بين السيء والأسوأ». وقد روي عن أمير المؤمنين(ع) مثل هذا التعريف في العقل حيث قال: «لَیْسَ الْعَاقِلُ مَنْ یَعْرِفُ الْخَیْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَ لَکِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ یَعْرِفُ خَیْرَ الشَّرَّیْن»(بحار الأنوار/ج75/ص6)

ليست لشعوب العالم رسالة أوضح وأكثر تأثيرا من رسالة الحسين(ع)

  • لقد حان اليوم وقت العودة إلى أبي عبد الله الحسين(ع) ولابدّ لنا أن نزداد التفاتا إلى مفهوم عاشوراء. فلم يكن الإمام الحسين(ع) حامينا في أيام الثورة وأيام الدفاع المقدس فحسب، حيث كنا في مواجهة مباشرة مع الظلم، ولم يكن الحسين(ع) قدوة في الجهاد والشهادة وحسب. فقد عاد الإمام الحسين(ع) إلينا اليوم مرة أخرى لإنقاذنا من أزماتنا التي نعاني منها في أرواحنا وفي مجتمعنا.
  • من أجل إنقاذ العالم من أزمته التي أضحى يتلهف كالعطشان إلى نافذة ومخلص منها، لا يخلو اسم الحسين(ع) وأسرار الطفّ من التأثير الكثير، حتى يمكن أن نقول ليست هناك رسالة أوضح وأكثر تأثيرا من رسالة أبي عبد الله الحسين(ع).

إنّ طرح موضوع أبي عبد الله(ع) يترك تأثيرا مهما على مجتمعنا وباقي المجتمعات

  • أما لماذا يجب أن نرجع إلى قضية الحسين(ع) وما هي الضرورة في أن نسلط الأضواء على أسرار عاشوراء؟ الدليل الأول لهذه الضرورة هو موضوع الفطرة. فلابد أن ننظر إلى قضية الحسين(ع) وواقعة الطفّ من منظار الفطرة. فعندما نقول إن الحسين(ع) هو حقيقة فطرية لدى المؤمنين، فينبغي أن نعرّف الكثير من ذوي النفوس الطاهرة في العالم على هذه الحقيقة. إذن لا فرق في أثر طرح قضية الحسين(ع) بين مجتمعنا وباقي المجتمعات من الناحية الفطرية ولابد أن يكون لها تأثير في جميع المجتمعات.
  • إن المؤمنين الذين ارتقوا في مقامهم قد انطلقوا منذ ابتداء حركتهم من الفطرة وكذلك في مسار حركتهم ليسوا بغنى من الاستمداد من الفطرة. فنحن لسنا بحاجة إلى الفطرة في منطلق تعرّفنا على الدين وحسب، بل نحن بحاجة إلى الرجوع إليها في كل لحظة. إذ أي آية تتلونها من القرآن يجب أن تؤيدها فطرتكم لأن ترسخ معناها في وجودكم.

إن حاجتنا إلى الأبحاث الفطرية أكثر من الأبحاث الأخلاقية/ لقد جاء الأنبياء من أجل ازدهار فطرة الناس

  • إن حاجتنا إلى الأبحاث الفطرية أكثر من الأبحاث الأخلاقية. ففي كثير من الأحيان ينبغي لنا أن نضع درسا في الفطرة بدلا من الخوض في الأبحاث الأخلاقية الرائجة، وندرس النزعات الفطرية والمعارف الفطرية بدلا من الأخلاق والملكات النفسانية وبذلك نسعى في سبيل ازدهار فطرتنا. ولا شك في أننا لو قمنا بذلك لحصلنا على ملكات حسنة ولزالت من قلوبنا ملكات سيئة، ولكن القضية الرئيسة هي «إزهار الفطرة» لا الأخلاق.
  • فإذا شاهدتم أنّ الحديث عن الأخلاق والمسائل الأخلاقية بمعناه الخاص لا يلقى استقبالا وافرا من قبل الشباب بالرغم من كثرة الشعارات التي تهتف باسمه، قد يكون السبب هو أن هذا الحديث لا يحظى بالأولوية بشكل عام. فكم قد أكد القرآن وأهل البيت(ع) على الملكات الأخلاقية؟! نعم هناك تأكيد كبير جدا على الإيمان وعلى العامل المعزز والمؤكد له أي العمل الصالح. قد أكدوا على العلم والعقل كما لابد من إدراك مرادهم من العقل بشكل دقيق، حيث ما أرادوه من العقل ليس هو العقل النظري بل هو شيء آخر له ارتباط ما بالعقل النظري وحسب. فإن الله سبحانه هو أعرف العارفين بالإنسان وأبعاد وجوده ولا شك في أن الوصفات التي يصفها الله هي أفضل وأكفأ من أي وصفة أخرى يصفها من سواه.

حاجتنا إلى الفطرة دائمة

  • أنتم أيها الشّباب الطيّبون الصّالحون الأخيار بحاجة إلى ازدهار الفطرة كذلك ولا تزال هذه الحاجة باقية. فحينما تجلسون في سجّادتكم وتناجون ربّكم، أو تتاح لكم الفرصة لقراءة الصحيفة السجادية فإنكم في واقع الأمر تقومون بكشف فطرتكك وتبحثون فيها وتتصفحون مشاعركم ولا سيما تلك المشاعر الدفينة في أعماق قلبوكم.
  • اسمحوا لي أن أقرأ لكم مناجاة وما أروعها من مناجاة. وانظروا كم ينتعش الإنسان بسماعها لما تؤدي إليه من إدراك الفطرة. وانظروا كم هي مناجاة فطرية، وكم تحكي عن ازدهار الفطرة في وجود الإنسان. وانظروا كم هي مناجاة ممتعة إذا مرّ بها الإنسان بفطرة مزدهرة. وما أخيب الإنسان إذا قرأها أو سمعها بفطرة محجوبة غير مزدهرة إذ لا يفهم منها شيئا. وكم هي تعين الإنسان على كشف الفطرة! وهي مقطع من مناجاة أمير المؤمنين(ع) حيث كان يناجي ربه ويقول: «إلهي... أنت كما أحبّ فاجعلني كما تحبّ»[الخصال/ج2/ص420].

الأوامر الإلهية تلبية لنزعات الإنسان الفطرية

  • قال المرحوم آية الله الشيخ شاه آبادي(ره) الذي كان يعبّر عنه الإمام الخميني(ره): «روحي له الفداء» في كتاب رشحات البحار: «الخطوة الأولى لحركة الإنسان التكاملية والاختيارية هي إيقاظ الفطرة. فمتى وعيت الفطرة من سبات غفلتها تقوم بالبحث عن احتياجاتها الباطنية وكمالاتها الحقيقيّة». يعني بعد ما تستيقظ فطرة الإنسان، يقبل على الدين بحافز من نفسه وسوف لا يرى أن الدين قد فرض عليه قهرا.
  • فإذا ازدهرت فطرة الإنسان يرغب بإطاعة أوامر الله سبحانه، بل يحب أن يستلم أوامر من الله ويمتثلها من دون أن يعرف أسرارها وحكمتها. فإنه يتمتع ويلتذّ أكثر في امتثال الأوامر التي لا يعرف مصالحها وحكمها. فلهذا ترى الأنبياء لم يذكروا حكمة الكثير من الواجبات والمحرمات ليزيدوا من جمال العبودية والطاعة لله.
  • فترى عباد الله الصالحين الذين يعبدونه بفطرة مزدهرة يلتذون في صلواتهم وعباداتهم ويلتذون بهذا الغموض وعدم الوضوح الذي يحيط بالعبادات والأحكام. فقد وجدوا بهذه العبادة ضالّتهم ولذّتهم. فشتان بين هذا وذاك الذي لا يقتنع بالصلاة إلا بعد أن عرف الحكمة من عدد ركعاتها وكل حذافيرها.
  • فهذا الإنسان الذي لا يدرك ضرورة تلقّي الأمر من المعبود ولا يلتذّ بامتثال الأمر يصبح ذهنه مثار للشبهات والسؤال والنقنقة. فمثل هذا الإنسان حتى وإن صلّى يمنّ على الله بصلاته إذ يشعر بأنه قام بتكليف عسير جدا. ويشعر بأنه أصبح صاحب فضل على الله بجهده الجهيد هذا.
  • إن أوامر الله لنا هي تلبية حاجة الإنسان الفطرية إلى أمر الله. إذ العبد بحاجة إلى أمر مولاه ولولاه لما حليت حياته. وهكذا نحن بحاجة إلى العودة إلى الفطرة في كل لحظة. فإن لم يتدفّق الإيمان والعمل الصالح من الفطرة، سيؤول ذلك إلى الامتنان على الله، وسوف يتملّص الإنسان عن الإطاعة في كثير من الأحيان ويعصي الله بين الحين والآخر. فكل هذه المصائب هي من تداعيات عدم ازدهار الفطرة.

ما أحلى عبادة العرفاء/ما أسوأ عبادة من لم تزدهر فطرته

  • لماذا يرتقي العرفاء ويحلّقون في الكمال؟ لماذا يخافون الله كثيرا وقلّ ما يلتفتون إلى أنفسهم؟ لأنهم وجدوا أن الله قد أعطاهم كل شيء وكلّ ما يرغبون به. بعذ ذلك إذا سألتهم ما قدمتم لله يجهشون بالبكاء ويقولون لم نفعل أي شيء لله قطّ. فما هذه العبادات وهذا السهر والجهاد الذي قاموا به هؤلاء؟ سيجيبونك أن كل هذه الأعمال إنما كانت تلبية الله لحاجاتنا ورغباتنا. والآن لابد أن نشكره ولكن لا نستطيع. هذا هو حال الإنسان الذي يعبد الله بفطرته، أما إذا أردت أن تعبد وتعمل وتتقي بلا استنطاق الفطرة فقد تبتلى بالعجب وقد تعصي الله أحيانا وتتوقف في مستواك بلا تكامل وارتقاء.
  • هذا الذي يعبد الله بلا أن تزدهر فطرته، يخاف له أن يفجر يوما ما ويعوّض كل المشقّة والمعاناة التي تحملّها في حياته الدينية. نستجير بالله من فسقة المتدينين وهم الذين لم يؤمنوا بفطرتهم ولم تزدهر فطرتهم ولم يروا الدين تلبية لحاجاتهم. فتجدهم يعبدون ويدينون بالدين وهم يشعرون بالطلب من الله ورسوله. فالأضرار والمصائب التي قد تلحقها هذه الزمرة من الناس بالدين والمجتمع الديني ما لا تعدّ ولا تحصى. كما إنهم يشوّهون سمعة الدين.

إن دور الأنبياء هو معونة الإنسان لازدهار فطرته

  • أساسا لقد بعث أنبياء الله لازدهار فطرة الإنسان. لقد بُعِثوا لمعونة الإنسان على تذكّر عهدهم وميثاقهم الفطري وازدهار فطرتهم. قال أمير المؤمنين(ع): «فَبَعَثَ فِیهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ»[نهج البلاغة/خ1]
  • أنتم لا تتذكرون أيام صغركم وطفولتكم وتلك الأيام التي كنتم تبكون إلى منتصف الليل وتسلبون النوم من أعين أمهاتكم ولا بأس بذلك أن لا تذكروا من تلك الأيام شيئا، ولكن لابدّ لكم أن تذكروا الأيام التي قبلها حينما سألكم الله: «ألست بربكم؟ فقلتم: بلى». فلا ينبغي أن تنسوا ذلك العهد والميثاق. وهو ميثاق الفطرة.
  • قال أمير المؤمنين(ع): «مَا نَهَی الله سُبحانَهُ عَن شَیءٍ إلّا وَ أغنا عَنه»[عيون الحكم والمواعظ/ص481]. فلا حاجة لك إلى الذنب. وإن شعرت بالحاجة إليه فإنك مشتبه في نفسك واحتياجاتك ورغباتك. أحيانا عندما كانت تتاح لي الفرصة للحديث مع الشباب في جلسات المشاورة الخاصة، بعض الأوقات كنت أقول للسائل أنك لست بحاجة إلى هذا الذنب ولا ترغب به عن جدّ. فكان يقاوم بشدّة ويقول: إني راغب إلى أقصى حالات الرغبة ولابدّ لي من ذلك وإلا قد أهلك وأموت...! فكنت أجيبه: ألم يحدث لك في حياتك أن تكون قد أحبت شيئا بشكل شديد، وبعد ما توصلت إليه تشعر بأنك لم تكن تحبّ ذلك الشيء كثيرا في الواقع ولم يكن ذاك الشعور صادقا؟! وعادة ما نتوصل إلى نماذج من هذا القبيل. فعلى سبيل المثال أقول له: كم أنت مهتمّ الآن بلعبك التي كانت قد أخذت بالك قبل سنين؟ فيقول: لا تهمّني أبدا. فأقول له: كذلك حاجتك الآن سوف تصبح لا شيء غدا أو بعد غد. فكنت أرى بعضهم يفكر كثيرا في هذه الكلمة. وهذه هي العودة إلى الفطرة.

الفطرة هي مواجهتنا مع الغرب

  • كل جهد الغرب في المجال الثقافي يصبّ في إبقاء الفطرة خلف الحجب والستار وإلقاء الرغبات الزائفة. وكلّ سعينا الثقافي هو إزاحة الحجب عن هذه الفطرة. إن الفيلم الذي يصور أهمية موضوع الزواج أكثر مما هو عليه في الوقع ويصور الحب والغرام بين الشاب والفتاة أكثر أهمية من مدى أهميتها في حياة الإنسان فهو خائن. حتى وإن كانت الممثلات جميعا يرتدين العباءة مضافا إلى الحجاب والإيشاب.
  • ينبغي لأفلامنا أن تجسد حقيقة خطئنا في تشخيص كثير من احتياجاتنا ورغباتنا. ولابدّ لمنتجي الأفلام والمخرجين الإسلاميين أن يرجعوا المشاهدين إلى فطرتهم.
  • أحد المصاديق السطحية والضئيلة لازدهار الفطرة هي ما يعبّر عنه الغربيون بكشف المواهب وتنميتها. حيث إنهم لا ينظرون إلى الطالب أكثر من أن يكون عاملا أو بناء أو مهندسا أو عبدا ليستخدموه في مشاريعهم فلم يحتاجوا إلى عبارة أسمى من تنمية المواهب. فلا يتحدثون عن الفطرة وإنما يتحدثون عن المواهب، بيد أن الموهبة هي جزء صغير وطاقة ضئيلة تجاه الفطرة.
  • لابدّ أن نرمي بهذه المصطلحات عرض الجدار، فما قيمة «تنمیة المواهب» ومن أين أتينا بها؟! الأمر المهمّ والأساسي هو ازدهار الفطرة وبعد ازدهارها تنمو مواهب الإنسان بشكل تلقائي بلا حاجة إلا جهد جهيد. فالهدف الذي يصبو إليه الجهاد والعمل وتوفير الأجواء التربوية الصحيحة إنما هو ازدهار الفطرة. وعلى هذا الأساس أقول إن النشاط الفني الناجح هو الذي يسعى لازدهار الفطرة ويرجع الناس إلى فطرتهم؛ لا أن يأصّل قضية غريزيّة هامشية ويدسّ في قلوبنا رغبات ونزعات كاذبة. الفنّ الحقيقي هو ما يعرفّنا على احتياجاتنا ونزعاتنا الحقيقية.

اغتنموا تجاربكم الفطريّة أيّاً كانت

  • أيها الإخوة! اغتنموا أي فرصة وأي عامل يزيح الستار والحجاب عن فطرتكم. فحسبكم أن تزيلوا جانبا من حجب الفطرة فإن الحسنات والصالحات ليست أشياء متعددة لا ترابط بينهما بل كلّها جوهرة واحدة. فهي كخزّان الماء أو قربة الماء حيث إذا أصبناها بثقب أو فطر نحصل على الماء كله. إذن يكفينا أن نزيل جانبا من حجاب الفطرة. وهذا أصل مهم في ارتقاء الإنسان وتكامله. ونتيجته هو أن من أجل ازدهار فطرة الإنسان وزوال الحجاب عن الفطرة يكفي أن يزول جانب من الفطرة حقيقة وبشكل عميق.
  • يقول أمير المؤمنين(ع): «إذا كان فى الرّجل خلّة رائعة فانتظر أخواتها»(بحار الأنوار/ج66/ص411). فمن نال شيئا من الخير سينال باقيه أيضا. حسب الإنسان أن تتفجر في قلبه عين واحدة. طبعا ليس هذا بمعنى أن أي حسنة تقود الإنسان إلى باقي الحسنات والصالحات أو تكون علامة على زوال جانب من حجاب الفطرة في قلبه. بل هناك خصائص وعلامات لابد أن تتوفر في هذا الحسن. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ص بِأُسَارَى فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ‏ خَلَا رَجُلًا مِنْ بَيْنِهِمْ فَقَالَ الرَّجُلُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ أَطْلَقْتَ عَنِّي مِنْ بَيْنِهِمْ فَقَالَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ فِيكَ خَمْسَ خِصَالٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولُهُ الْغَيْرَةَ الشَّدِيدَةَ عَلَى حَرَمِكَ وَ السَّخَاءَ وَ حُسْنَ الْخُلُقِ وَ صِدْقَ اللِّسَانِ وَ الشَّجَاعَةَ فَلَمَّا سَمِعَهَا الرَّجُلُ أَسْلَمَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَ قَاتَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص قِتَالًا شَدِيداً حَتَّى اسْتُشْهِدَ.»(الأمالي للصدوق/ص271)

أي حسنة تحكي عن ازدهار الفطرة؟

  • ليست كل حسنة هي تلك العين الجارية التي هي منطلق جميع الحسنات والفضائل. وليست كل حسنة علامة على زوال الحجاب من فطرة الإنسان. ولكن بعض الصفات الحسنة تأتي بجميع الفضائل بوحدها. فمن أجل إزاحة الحجاب عن القلب وفي سبيل ازدهار الفطرة يكفينا أن يزدهر جانب من الفطرة، ولكن بشكل عميق.
  • ما معنى ازدهارها بشكل عميق، وكيف نتوصل إلى هذا العمق؟ الجواب هو أنك إذا حصلت على حبّ فطري واحد وازدهرت في قلبك رغبة فطرية واحدة، سوف تلتذ بها لذة لا تجدها في أي واحدة من الغرائز المادية والحيوانية. فإن عشت حبا أو رغبة من هذا القبيل فهذا يعني أنك قد حصلت على شيء فطري. وعندئذ لا تترك تلك اللذة حتى وإن كان على حساب حياتك وجميع لذاتك المادية. فأين اللذة المادية من اللذة الفطرية؟!
  • حاول أن تحصل على واحدة منها لتنقذك من جميع اللذات الدنيوية برمّتها. فإنك إن لم تحصل على تلك الحسنة التي تقضي على جميع سيئاتك وتحقّر لك جميع اللذات وتسقطها من عينك، يعني أنك لم تصل إلى أي قسم من فطرتك.

الحسين(ع) هو المنطلق لازدهار الفطرة

  • كيف نستطيع أن نحقّق هذا الازدهار الأولي في قلوبنا؟ بالحسين. فقد قال نبينا الأعظم(ص): «إنَّ لِقَتلِ الحُسَین حَرارَةً فِی قُلوبِ المؤمنین لا تَبرُدُ أبَداً»(مستدرک الوسائل/ج10/ص318) فلماذا استخدم عبارة الحرارة؟ لأن جميع النزعات الفطرية من هذا القبيل لها حرارة. كذلك قال أمير المؤمنين(ع): «حُبُ‏ اللَّهِ‏ نَارٌ لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْ‏ءٍ إِلَّا احْتَرَق»(مصباح الشریعة/ص192).‏
  • ولهذا ما كان المنديل يكفي الإمام الخميني(ره) في مسح دموعه في صلاة الليل بل كان يستخدم منشفة أحيانا. إذ كان قد احترق في حب الله. فهل نقدر على فهم ذلك وهل قد جربنا هذا الحبّ في حياتنا؟ إن فطرته كانت مزدهرة بتمامها ولهذا كان يبكي شوقا وحبا وعشقا وحرارة في جوف الليل. وهذا هو أثر القرب الإلهي على قلب الإنسان إذ كل ما يزداد قربا لله يزداد حرارة وحرقة. فقد نبكي نحن في صلواتنا أو في أدعيتنا ومناجاتنا مع الله أيضا، ولكن شتان ما بين البكاء الحاصل من البعد وبين البكاء الحاصل من القرب.
  • أما الآن فقد أتيحت لنا فرصة استثنائية من قبل الله وهو أن سمح لنا بازدهار الفطرة بحرارة قتل الحسين(ع). في جلسات دعاء كميل والمناجاة أحيانا يبرد المجلس ويذهب عنه حالة الخشوع والبكاء، فتارة يتطرق القارئ إلى إحدى مصائب الحسين(ع) فيشعل المجلس مرة أخرى ويستمر بعد ذلك بالدعاء بمزيد من الخشوع والبكاء. هناك من يعترض على هذا الأسلوب ولكن لماذا؟ فهل دعاء كميل يبطل إن قطعناه لدقائق لفتح طريق القلوب بالحسين(ع)؟ نعم، لا ينبغي أن نزيد ونضيف إلى نص دعاء كميل كلمات وعبارات، ولكن ما المانع من ذكر الحسين(ع) أثناء الدعاء فيما إذا وجدت نفسي أحترق بالحسين(ع) أسهل من أي أسلوب آخر، وأتهيأ للدعاء والمناجاة بذكر الحسين(ع) أفضل من أي وسيلة أخرى؟ فحرارة قتل الحسين(ع) تأخذ بيدي إلى حرارة عشق الله وتفتح الطريق للسلوك باتجاه القرب الإلهي. وما يؤيد هذا الأسلوب والمنهج هو حديث الإمام الرضا(ع) في تعليم بعض آداب الصلاة حيث قال: «وَ انْوِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ذِكْرَ اللَّهِ وَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ اجْعَلْ وَاحِداً مِنَ الْأَئِمَّةِ نَصْبَ‏ عَيْنَيْك‏»(الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا/ص105).
  • لذلك ينقل عن بعض العلماء أنهم كانوا قبل الصلاة يقولون: «صلى الله عليك يا أبا عبد الله» فكانوا يحرقون قلوبهم ويفتحون طريق صلاتهم بالحسين(ع). هذا هو الحسين(ع) حيث إنه يفعّل فطرتنا ويعرفنا على أنفسنا ورغباتنا.
  • ولا يخفى عليكم أيها الإخوة أنكم إذا بكيتم على الحسين(ع) جيدا ونجحتم في عشق الحسين(ع) ترتقون إلى مراحل أسمى وأعلا وهي أن يشتعل قلبكم ويمتلئ نارا بحب أمير المؤمنين(ع) بلا حاجة إلى ذكر مصائبه. فقد قال علي بن أبي طالب(ع): « لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَت‏»(تصنيف غرر الحكم/ح2042). فانظروا كيف يتحدثون عن الحب الفطري: حب الله نار، إن لقتل الحسين حرارة، لو أحبني جبل لتهافت... . إذ هكذا تعمل النزعات الفطرية في قلب الإنسان.
  • لماذا لم نحصل على هذه النتائج مع أننا نبكي على الحسين(ع) وقد شعرنا بهذه الحرارة؟ لأننا لم نؤدي حق الحسين(ع) كما ينبغي ولم نحترق لمصابه بقدر كاف.
  • كان السيد القاضي(ره) يؤكّد على المجالس الأسبوعية لذكر مصائب أهل البيت(ع) حتى وإن كان العدد لا يتجاوز الاثنين أو ثلاثة أشخاص، فكم قد أدينا حق الحسين(ع) في حياتنا؟

صلى الله عليك يا أبا عبد الله

  • تحدثوا مع الحسين(ع) وناجوه! قولوا سيدي لقد انطلقت في حركتي هذه من حبك وعشقك فلا تتركني لوحدي. قل له سيدي لقد ضاقت بي السبل وأعيت بي الحيل فتوقفت عن الحركة. اسأله حتى يأخذ بيدك.
  • لقد أثبتت رقية بنت الحسين(ع) أن من ينادي أباها بصدق وإخلاص سيأتيه الحسين(ع) حتى وإن كان في خربة الشام. سيدي هل تأتيني في خربة قلبي؟
  • لماذا لا تصرخ ولا تنادي الحسين(ع) بأعلى صوتك؟ أنا قلت لك أنّ حب الحسين(ع) هو حبّ فطري قد ازدهر في قلبنا. فإذا لم تزدهر باقي أقسام فطرتنا أو لم تتجلّ ثمرات هذا الازدهار بشكل عميق فذلك بسبب أننا لم نخض في حبّ الحسين(ع) بعد، ولا زلنا باقين في أوائل الطريق. بإمكاننا أن نعزز هذا الحب، فماذا نفعل لتعزيزه وتأكيده؟
  • من يحب الحسين(ع) فليصرخ في مجلسه ويناديه. فإن هذا الصراخ هو تجلي هذا الحبّ، وكلما تُجَسّد الحبّ بسلوك خاص، يتأكد ويتعزز. فإن الإمام الصادق(ع) لم يدع للباكين على الحسين(ع) وحسب، بل قد دعا للصارخين أيضا؛ «وَ ارْحَمْ تِلْكَ الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنَا»(بحار الأنوار/ج98/ص52). كان يدعو لهم ويقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ تِلْكَ الْأَنْفُسَ وَ تِلْكَ الْأَبْدَانَ حَتَّى نُوَافِيَهُمْ عَلَى الْحَوْض‏»(المصدر نفسه).

 

تعليق