الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۱۰/۱۰ چاپ
 

آخر استعداد للظهور، إصلاح الإدارة على مستوى الأسرة والمجتمع – الحلقة السادسة

أول مبادئ الإدارة هو صيانة كرامة الإنسان وعزته/ لاتحطم كبرياء ابنك بهدف أن يجتهد في دروسه / لماذا يُعَد التمثيل المسرحي أمراً ضرورياً لتلاميذ المرحلة الابتدائية؟

  • المكان: طهران، جامعة الإمام الصادق(ع)
    الزمان: محرم 1441
    الموضوع: آخر استعداد للظهور، إصلاح الإدارة على مستوى الأسرة والمجتمع
    التاريخ: 5/ محرم / 1441 – 5/ 9/ 2019

إن أعظم آفات الإدارة هي أن يسحق المدير، من خلال السلطة المخولة إليه، كرامة الأشخاص وعزتهم! ولذلك ليس المبدأ الأول في الإدارة هو "بلوغ الهدف"، بل هو صيانة المدير لكرامته وعزته وكرامة وعزة مَن هم تحت إدارته. ينبغي أن تُصان "كرامة الناس" و"كرامة الأسرة" و"كرامة النفس" على المستويات المتعددة للإدارة. 

لماذا يحتاج الإنسان إلى الإدارة؟

  • قبل أن يلتفت الإنسان إلى أنه صاحب إرادة واختيار، وقبل أن يلتفت إلى أنه قادر على اتخاذ الأدوات، وقبل أن يلتفت إلى أن بوسعه إقامة علاقات مع الآخرين والتأثير عليهم والتأثُّر بهم من خلال هذه العلاقات، أي في الحقبة التي تدعى مثلاً باكورة المراهقة والتي يبدأ الإنسان فيها، شيئاً فشيئاً، بتعرُّف إمكانياته وقدراته، بل وحتى قبل تلك الحقبة، ينبغي على الإنسان أن يتعرّفَ الإدارة.
  • لا بد أن يعلم المرء أنّ "عليه أن يتحكّم بأمنياته، وبعلاقاته، وكذا بأدواته وإمكانياته"، ولولا ذلك سيتحول إلى كائن مجذوب، ينفعل بسبب الخوف ويُساق إلى كل صوب.
  • إما أن تكون مديراً وإما أن تكون مُنفَعلاً! / في ثقافة الغرب يعد الخنوع والانفعال امتيازاً
  • قد تكون المفردة التي يمكن استخدامها في مقابل مفردة الإدارة هي الانفعال والتأثر. فإما أن تكون مديراً وإما أن تكون مُداراً ومنفعلاً! وعلى وجه التحديد، إن إحدى الفروق بين ثقافة الإسلام وثقافة الغرب هي أن في الأخيرة يُعَد الإنسان المنقاد وخصلة الانفعال امتيازاً. وأحياناً يُشَمّ أن نظامنا في التربية والتعليم أيضاً يرمي إلى تربية إنسان خانع و"منفعل"، وهذا أمر خاطئ أيضاً. أي أن هذا التأثير التربوي غالب على عملية التربية والتعليم.
  • لا بد أن يكون كل شخص مديراً، فيقوم بإدارة نفسه في البداية، ثم يتولى إدارة الآخرين في المرحلة التالية. وبالمناسبة إن هذا الموضوع، أي إدارة الإنسان ذاتَه، هو مثار اهتمام كبير في حقل العلوم الإنسانية، ولا سيما علم النفس. يُقال في علم النفس: مَن تمكن من إدارة نفسه سيقوى على إدارة علاقاته، وإدارة بيئته، وسيحقق النجاح في حياته.


"إدارة الذات" تعني التحكّم برغباتنا وميولنا المختلفة

  • إدارة الآخرين تعني التحكم في عدد من الأشخاص وإدارتهم، أما إدارة الذات فتعني التحكم في ميولنا ورغباتنا المختلفة. والمقصود من الإدارة في العالم الخارجي هو أن تدير أهدافك. فحين يرى المرء أن لديه أهدافاً عديدة ومنوعة، أو أدوات متعددة، أو أنّ هناك عدداً من الأشخاص، أو التحفظات، ثم يحاول أن يربط بين جميع هذه الأمور، فهذا يعني أنه يمارس الإدارة.
  • إن "إدارة الذات" وأن يقوم الإنسان بإدارة نفسه هو مصطلح شائع نسبياً، ويعد  ضمن القضايا التي اهتمت بها العلوم الإنسانية حديثاً، ومن هذه الزاوية لا بد أن نبارك للعلوم الإنسانية.


نحتاج إلى معرفة طاقاتنا وثرواتنا في "إدارة الذات"، تماماً كما نحتاج إليها في إدارة المجتمع

  • كما تحتاجون في الإدارة، بمعناها الاجتماعي، إلى معرفة الإمكانيات، فإنكم تحتاجون في إدارة ذواتكم أيضاً إلى معرفة الإمكانيات والطاقات والثروات التي تتمتعون بها.
  • وكما تأخذون بنظر الاعتبار "تحليل سوات" (SWOT) في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، أي تلاحظون نقاط القوة والضعف، والتهديدات والفرص، فلا بد للفرد أن يضع هذه النقاط نُصب عينيه هو أيضاً. لا ينبغي أن يخرج شخص من منزله من دون أن يحذر التهديدات، ولا ينبغي أن يبقى شخص لوحده في المنزل من دون الانتباه لهذه التهديدات، كما لا ينبغي أن يخرج شخص من المنزل دون أن يأخذ نقاط قوته بعين الاعتبار؛ إذ قد يلتقي بعدد من الأشخاص المتفوقين عليه بحسب الظاهر، مثلاً، فينفعل لذلك أو يرتعب. لا ينبغي للمرء أن يبدأ بالتخطيط قبل ملاحظة الفرص المتوافرة له! فإن لم تأخذ الفرص المتاحة لك بنظر الاعتبار فستشعر باليأس والقنوط. فكل ما يتحقق في الإدارة الناجحة على مستوى المجتمع يتحقق في "إدارة الذات".


أول ما يقوله المدير الصالح عند مواجهته لأي قضية: "دعوني أدرس الموضوع"

  • لئن تمنيتُ أي أمنية ينبغي عليّ، بادئ ذي بدء، أن أرى هل هذا الوقت مناسب لتحقيق أمنيتي أم لا؟ هذا هو معنى الإدارة!  حين يصغي المدير الصالح إلى مقترحاتكم أو طلباتكم – في ما يتعلق بشؤونه الإدارية – فإن أول عبارة ينطق بها هي: "دعوني أدرس الموضوع".
  • روي عن أمير المؤمنين(ع): «إِذَا تَفَقَّهَ الرَّفِیعُ تَوَاضَعَ» (غرر الحکم/4048). فالتواضع عند صاحب الجاه والمقام ليس بأن يضع يده على صدره وينحني أو يطأطئ رأسه باستمرار، بل إنّ تواضُعه هو في دراسته لجميع القضايا بشكل جيد. فإن لم يدرس المواضيع جيداً وأخذ القرارات من دون دراسة فهذا يعني أنه لم يتواضع وهو يمارس الإدارة بغطرسة واستعلاء.
  • وينطبق هذا على "إدارة الذات" أيضاً؛ فحين تقوم بإدارة نفسك عليك أن تقول لنفسك أولا كلما رغبتَ بأمر ما: "تمهّل حتى أدرس الموضوع"، وهذا بحد ذاته خطوة جبارة نحو إدارة الذات.
     

ما مخالفة الهوى إلا إدارةٌ للذات

  • وما مخالفة الهوى ومقارعة الرغبات والميول الحقيرة إلا إدارةٌ للذات. فإدارة الذات لا تعني الوقوف في مواجهة اللذات على الإطلاق، بل تعني التخطيط والمنهجة لبلوغ أسمى اللذات. 
  • يفتقر مجتمعنا إلى القدرة على استيعاب بعض الأدبيات الدينية الأصيلة، لأنه واقع بشدة تحت تأثير سطحية التفكير المنحطة التي تبثها الثقافة الغربية، فلا يمكن التفوّه ببعض الأمور في المجتمع، مع أنه ثمة أحاديث وآيات في هذا المجال.


الإدارة تعني التخطيط للوصول إلى اللذّة الطيبة/ الإدارة تعني "كيف نتعامل مع المعاناة؟"

  • ليست الإدارة بأن تقول للذّة: "اغرُبي عن وجهي!" فحسب، بل هي أن تخطّط وتبرمج للوصول إلى اللذة الطيبة. وما أكثر التعاليم الأصيلة في ديننا في هذا المجال! بيد أن هذه الثقافة الغربية التي تستهزئ بكل شيء ولا تريد أصلا أن يمارس أحد الإدارة أو حتى أن يفكر، قد أفسدت الأجواء، وبالنتيجة لا يمكن طرح الكثير من هذه التعاليم.
  •  الإدارة تعني: "كيف أتعامل مع المعاناة والألم؟" فالتوصية الأولى في الوصايا الخاصة بالإسعافات الأولية عند الحوادث المفجعة هي: "عليك أن تلتزم الهدوء". هذا هو مبدأ إداري، ومعناه في الحقيقة هو أنّ "عليك أن تتحكّم بالمعاناة وتديرها".
  • يكفي أن يتعلم الناس الالتزام بالهدوء قبل كل شيء عند تعرضهم للآلام والمعاناة! هذه هي الخطوة الأولى في الإدارة. وماذا نفعل بعد ذلك؟ لا تقلق، لا تجزع، لا تفزع، كن هادئا، فقد تكون هذه المعاناة مفيدة لك!


يتوقف جزء من تديّن الرجل على مواصفات الزوجة التي يختارها/ الرجل خاضع للتربية الحصيفة التي تمارسها امرأتُه عليه

  • تحدثنا لحد الآن عن "إدارة الذات" إجمالاً. والآن سنتحدث باختصار أيضاً عن إدارة الأسرة: الإدارة الشاملة في الأسرة تقع على عاتق الرجل بالطبع، بينما الإدارة الداخلية في البيت – والتي يُعَد موضوع التربية أهم جزء منها - هي من شؤون المرأة، حتى تربية زوجها! إذ يتوقف جزء من تديّن الرجل على مواصفات الزوجة التي يختارها لحياته.
  • بحسب كلام أمير المؤمنين(ع) فإن الرجل خاضع للتربية الحكيمة التي تمارسها امرأتُه عليه، حيث قال(ع) في وصف السيدة فاطمة الزهراء(س): «نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى طَاعَةِ الله‏» (مناقب  آل ‌أبي طالب(ع) /ج 3 / ص356)؛ فيصفها الإمام(ع) بأنها خير عون على عبادة الله، وهذه هي مواصفات كل زوجة صالحة ولا تختص بمولاتنا الزهراء(س) فحسب، ولو أنها(ع) في القمة. ومع أننا نقول: إن علي بن أبي طالب(ع) غني عن إدارة السيدة الزهراء(س) وتربيتها له، لكن هذه القضية هي من الأهمية بحيث يصرّح أمير المؤمنين(ع) بأن: فاطمتي هي خير معين لي لأتوجه إلى عبادة الله. انظروا الروعة!


المهام الأكثر حساسية في إدارة الأسرة تقع على عاتق المرأة

  • لا تُسلب الإدارة من الزوجة أبداً، بل تُفوَّض إليها المهام الإدارية التي تتميز بحساسية أكثر على مستوى الأسرة. وأن تكون الإدارة الشاملة من شؤون الرجل لا تُعد فضيلة له أبداً، فقد جاء في القرآن الكريم: «وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَکُمْ عَلى‏ بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصیبٌ مِمَّا اکْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصیبٌ مِمَّا اکْتَسَبْن‏» (النساء/32)؛ فلا تتمنّيا موضعَ أحدكما الآخر، وليبدأ كل شخص بالعمل من موضعه، وليجتهد لإنجاز عمله على أتم وجه.


إذا تعلم الطفلُ الإدارة منذ نعومة أظفاره فسيتعلم تقبّل الأدوار أيضاً

  • إذا تعلم الطفل الإدارة منذ نعومة أظفاره فسيتعلم تقبّل الأدوار أيضاً. يجب أن يبدأ الأطفال بممارسة الفعاليات وتقسيم الأعمال ضمن مجموعة، فيلعب الطفل في كل مرة دوراً ما. ولذلك يعد التمثيل المسرحي ضرورياً جداً لتلاميذ المرحلة الإبتدائية.
  • لا بد أن يمثّل الأطفال مسرحية. لا تعارضوا بقولكم: "أوَيريدون أن يمتهنوا التمثيل؟!" ما هي علاقة الموضوع بامتهان التمثيل؟! أفَهل يريد الأطفال أن يصبحوا لاعبي كرة قدم أو يلتحقوا بالفريق الوطني إذا لعبوا بالكرة في باحة المدرسة؟! بل يحب معظمهم أن يصبح مهندساً أو طبيباً أو طالبَ علوم دينية أو غير ذلك، لكنهم يلعبون بالكرة أيضاً. فلماذا يلعبون بالكرة إذاً؟
     

لماذا يعد التمثيل المسرحي ضرورياً للتلاميذ في المرحلة الإبتدائية؟

  • إن قيمة التمثيل المسرحي للتلاميذ أعظم بكثير من لعب الكرة. فحين يمثل الشخص مسرحية فهذا يعني أنه يتقمّص شخصيةً محددةً ويقوم بأداء يناسبها، ثم يقول له المخرج: "اخرج الآن من هذا الدور وتقمّص الشخصية التالية!" فيتقمّصها ويمثل دوراً آخر. وحينئذ إن طُلب من أمثالي كطالب علوم دينية أن أتحدث لهؤلاء التلاميذ عن الصلاة فسأقول لهم في جلسة واحدة: "يا أولاد! إذا قمتم إلى الصلاة فاستشعروا حس العبودية". وسيدرك التلاميذ الذين مارسوا التمثيل المسرحي مغزى كلامي هذا، لكن التلميذ الذي لم يمثّل لحد الآن في أية مسرحية لن يفهم أصلاً ما هو معنى: "استشعروا حس العبودية". فكيف لكم أن تجعلوه يستوعب هذا المعنى؟!
  • لا بد أن يمثّل التلميذ دوراً مسرحياً! ويا حبذا لو يستطيع تبديل دوره لعدة مرات في مسرحية واحدة؛ فيمثّل مرة دور الأب مثلاً، وأخرى دور الإبن، وثالثة دور المعلم، ...الخ. ثم يلاحظ التلاميذ كيف يتقمصون الشخصيات؟ وبالطبع ليس من المقرر أن يصبح غالبية هؤلاء التلاميذ ممثلين من الدرجة الأولى! بتعبير آخر، ليس من المقرر أن يستمروا باحتراف في هذا الفن، كما أننا لا نريد أن نتدخل في شؤون الممثلين والمسرحيّين والسينمائيين! فتماماً كما يلعب هذا الطفل كرة القدم في باحة المدرسة، فهو يمارس التمثيل المسرحي أيضاً، على أن الأخير ينفعه أكثر من العَدْوِ خلف كرة من دون جدوى!
  • هناك ألعاب رياضية أفضل بكثير من كرة القدم، وأنا بالطبع أقترح تسلق الجبال. طبعاً في كرة القدم أيضاً هناك عمل جماعي وفيه نوعٌ من لعب الأدوار، لكن تأثيره لا يقارَن أبداً بتأثير لعب الأدوار في المسرحية.
     

نحن نتدرّب من خلال عملية الإدارة على تقبّل الأدوار أيضاً 

  • نحن نتدرّب، من خلال عملية الإدارة، على تقبّل الأدوار المختلفة أيضاً. وحين نتدرب على قبول الأدوار المختلفة ثم ننتقل إلى مكان يديره مدير ما، سنتقبّل منه إدارته، لأننا نعرف "أنه مدير حالياً، وأنا الآن موظف، ولا بد أن يتصرف المدير هكذا..." أو إذا أصبحنا نحن مديرين فسنعرف كيف نتعامل مع موظفينا.
  • إن تعلّم الإدارة هو قدرة جبارة، فالإدارة الشاملة على مستوى الأسرة هي من شأن الرجل، أما إدارة شؤون المنزل فتقع على عاتق المرأة. في الحقيقة، وحسب التعبير الذي وجدناه في المصادر الدينية، والذي ساقه أيضاً بعض متخصصي العلوم الإنسانية في الآونة الأخيرة، فإن "الإدارة العاطفية في المنزل هي من مسؤولية المرأة".


أن تكون الإدارة العاطفية على عاتق المرأة يعني أنها تمارس الإدارة على الرجل أيضاً

  • أن تكون الإدارة العاطفية في المنزل على عاتق المرأة يعني أنها تمارس الإدارة على الرجل أيضاً. جاء أشخاص لزيارة الإمام الحسين(ع) وشاهدوا أنه قد وضع ستائر ووسائد في منزله، فقالوا له: يا لفخامة دارك بينما كان دار أبيك يفيض زهداً! فأجابهم الإمام(ع): إن زوجتي تحب ذلك؛ رُوي عن الإمام الصادق(ع) قوله: «دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِيٍ(ع) فَقَالُوا: یَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، نَرَى فِي مَنْزِلِك أَشْیَاءَ نَکْرَهُهَا وَإِذَا فِي مَنْزِلِهِ بُسُطٌ وَنَمَارِقُ فَقَالَ(ع) إِنَّا نَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَنُعْطِیهِنَّ مُهُورَهُنَّ فَیَشْتَرِینَ مَا شِئْنَ لَیْسَ لَنَا مِنْهُ شَي‏ءٌ» (الکافي/ ج6/ ص476). ويمكن القول هنا إن زوجة الإمام الحسين(ع) كانت تمارس الإدارة بحقه في هذا الموقف.
  • جاء شخص لزيارة الإمام الباقر(ع) فرآه قد ارتدى ثوباً أحمر تقريباً، فقال له: لماذا ترتدي هذا الثوب الأحمر؟ أجابه الإمام(ع) بأن زوجتي تحب هذا اللون، ثم إنني ارتديته داخل المنزل وليس خارجه؛ «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع) وَعَلَیْهِ مِلْحَفَةٌ حَمْرَاءُ شَدِیدَةُ الْحُمْرَةِ فَتَبَسَّمْتُ حِینَ دَخَلْتُ فَقَالَ کَأَنِّي أَعْلَمُ لِمَ ضَحِکْتَ ضَحِکْتَ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ عَلَيَ إِنَّ الثَّقَفِیَّةَ أَکْرَهَتْنِي عَلَیْهِ وَأَنَا أُحِبُّهَا فَأَکْرَهَتْنِي عَلَى لُبْسِهَا» (الکافي/ ج6/ ص447)، هذه الرواية تدل على أن الزوجة تعبّر عمّا تحب وتقوم بإدارة سلوك زوجها، مع أنه إمام معصوم! فمن الجانب المعنوي، الزوجة الصالحة بوسعها أن تكون خير معين لعبادة الله:» نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى طَاعَةِ الله«. ومن جانب الحياة الاعتيادية أيضاً ها أنتم تشاهدون هذه الإدارة التي تمارسها الزوجة في المنزل.
     

أحياناً يمارس الوالدان معاً الإدارة على الأولاد

  • عندما نتكلم عن "الإدارة في المنزل" فلا نقصد بذلك إدارة الرجل فحسب. كما أنّ الرجل والمرأة قد يتولّيان معاً إدارة الأولاد. ولعل إحدى الحِكَم أو الأسباب الكامنة وراء ضرورة أن يكون الرجل والمرأة زوجين ليرزقا بطفل هي أن إمكانية تربية الطفل في أجواءٍ مسرحيةٍ هي أساساً أفضل بكثير! فهذه الأم وهذا الأب يمثّلان دوراً وهكذا يتربّى هذا الطفل! 
  • على سبيل المثال إن كان لأسرة ولدٌ وحيد ولاحظ الوالدان أنه يتصرف بأنانية وعناد ولا يُحسن الاعتذار، فبإمكانهما أن يتّفقا فيما بينهما فيؤدّيا أمام الطفل تمثيلية عن الاعتذار. كأن تقول السيدة لزوجها باستمرار: "أنا أعتذر، أنا آسفة حقّاً"، فيقول لها الزوج: "حسناً، لا بأس، لقد عفوت عنك". وبعد هنيهة يعود الرجل ليقول: "أنا أعتذر منك حقيقةً..." فينظر هذا الطفل تارة إلى أبيه وأخرى إلى أمه، فيرى أنهما يعتذران كثيراً من بعضهما البعض! وبعد أسبوع أو أسبوعين، سيبدأ الطفل هو أيضاً بالاعتذار شيئاً فشيئاً.


يمثّل الوالدان مع بعض أدواراً فيتحكّمان بسلوك الطفل

  • قد يمثل الوالدان معاً أدواراً فيتحكّمان بسلوك الطفل من خلال ذلك. وبالطبع، إن أفضل طريقة لتربية الطفل هي أن يكون ثمة أولاد آخرون في الأسرة، ومن خلال النزاعات بين الأطفال والأحداث التي تحصل في المنزل، سيتعلم الأولاد تلقائياً أموراً كثيرة. فبتعدد الأطفال في الأسرة، وملاحظتهم كيف يعمل الأب أو الأم على إدارة برامج الأولاد ورغباتهم، سيتعلمون هم أيضاً الإدارة تدريجياً. 
  • بالطبع يتهرب البعض من الإدارة عموماً، فلعلّه يعيش مع القطط والكلاب! حيث إن إدارة البشر أمر عسير وهو يريد الهروب من هذه الصعوبة، فيتوجه صوب بعض الحيوانات.
  • حين نتحدث عن الإدارة على مستوى الأسرة فإننا نقصد بذلك إدارة الرجل وإدارة المرأة على السواء. على أنّ النسبة القائمة بين هاتين الإدارتين تستوجب بحثاً مفصلاً نحن في غنى عنه الآن، ونكتفي بهذه العبارة فقط وهي "أن الإدارة الشاملة في الأسرة تقع على عاتق الرجل، بينما إدارة شؤون المنزل الداخلية، وكذلك الإدارة العاطفية هما من شؤون المرأة". وهذا ضربٌ من تقسيم الوظائف الإدارية وله محله. لكن كلاهما مديرٌ وينبغي عليهما معاً أن يمارسا إدارة تصرفاتهما وعلاقاتهما والأحداث التي تحدث في المنزل. طبعا نحن نعاني في مجتمعنا من ضعف كبير في هذا المجال.


نرى أن هناك مستويين على الأقل لإدارة المجتمع:

  • لقد تحدثنا لحد الآن عن "إدارة الذات" و"إدارة الأسرة" شيئاً ما، وبقي جزء آخر من البحث فقط وهو "إدارة المجتمع". وفي موضوع إدارة المجتمع نعتقد بوجود مستويين على الأقل. (بالطبع نحن نطرح هذا التقسيم في حدود بحثنا فقط وإلا فإن بحث الإدارة نفسه يحتاج إلى دراسة على مستوى الماجستير والدكتوراه).
  • هناك لإدارة المجتمع مستويان على الأقل: الأول هو "إدارة المنظمات والمؤسسات وأمثالها"؛ فهناك مثلاً: مدير المدرسة، وعميد الجامعة، ورئيس الدائرة، ومدير المعمل، والخ. أما الثاني فيرتبط بالمناصب الإدارية العليا في المجتمع والتي قد يُستخدم مصطلح "المسؤولين السياسيين" لمديري هذا المستوى؛ من قبيل المحافظ، ورئيس الجمهورية، والقائد، ونائب البرلمان، وأمثال ذلك. وحين نتكلم عن "الإدارة على مستوى المجتمع" فإننا نأخذ بعين الاعتبار كلا المستويين.


ثمة مبادئ مشتركة بين إدارة الذات وإدارة الأسرة وإدارة المجتمع

  • ثمة "مبادئ مشتركة" بين إدارة الذات وإدارة الأسرة وإدارة المجتمع (بمستوييها)، وهذا هو بيت القصيد من بحثنا وحديثنا هذا عن الإدارة.
  • ما هو أول وأهم مبادئ الإدارة؟ أو لتقولوا: ما هي أول وأهم آفات الإدارة حتى أخبركم بأول مبدأ ينبغي الالتزام به في أمر الإدارة. ما هي أول ضربة يتلقاها الناس أو المجتمع البشري في عملية الإدارة والتي لا ينتبه إليها أحد عادة؟
  • عندما يعطون سكّيناً حادة لشخص ويطلبون منه تقشير الفاكهة أو فرم البصل فإن أول توصية يوصونه بها هي أن: "حذار من أن تجرح يديك، فالسكين حادة جداً!" فالضرر الأول الذي قد تلحقه هذه السكين هو أنها قد تجرح يد الإنسان، ولذلك فإن النصيحة الأولى له ستكون أن "انتبه كي لا تجرح السكين يدك!"


المبدأ الأول في الإدارة هو احترام كرامة الإنسان وعزته

  • الإدارة تعطي نوعاً من السلطة، وضرباً من الأفضلية، ونمطاً من الصلاحيات للإدارة، وهذا أمر لا بد منه، لأن الناس لا يستطيعون الحياة من دون إدارة. وإن أول آفات الإدارة هي الشيء ذاته الذي يمثل أول توصيات الإدارة أو مبادئها، وهو "احترام كرامة الإنسان وعزته".
  • أيها السيد الذي أصبحت مديراً، ماذا تريد أن تفعل؟ سيقول مثلاً: "أريد أن ينتج معملي هذا المُنتَج.." حسناً، إياك أن تسحق العامل يوماً لأجل أن ينتج معملك هذا المنتَج! إياك أن تدوس عزته وكرامته! لا تستغل هؤلاء العمال كيفما تريد حتى يُنتج معملُك بأي ثمن!
     

المبدأ الأول في الإدارة على مستوى المجتمع أيضاً هو صيانة كرامة الناس وعزتهم

  • أيها السياسي! إياك وأن تسحق عزة المجتمع وكرامة الناس بهدف إيصال المجتمع إلى الغاية التي تنشدها، والتي لا أعلم إن كانت غاية شريفة أو حقيرة! يجب أن تصون عزة الناس وكرامتهم. 
  • إذا رشّح أحد نفسه للانتخابات فكان أسلوبه في حملته الانتخابية ونمط تعامله في عملية الترشيح بنحو يسيء إلى عزة المجتمع وكرامة الناس، فإنه يفتقر إلى الصلاحية اللازمة لتولي المناصب الإدارية العليا للمجتمع. على سبيل المثال، المرشّح الذي يشوّه سمعة الآخرين بسهولة، ويكذب، ويتصرف مثل محطة الـ"بي بي سي" الخبيثة لا بد من إخراجه من العملية الانتخابية. لماذا؟ لأنه لم يحافظ على عزة المجتمع! فلا مجال للمجاملات هنا!
  • على أية حال، وفي كل مرتبة من مراتب الإدارة، لا يعد "بلوغ الهدف" المبدأ الأول، وهو ما يرمي إليه المديرون عادةً، بل إن المبدأ الأول في الإدارة هو صيانة كرامة الإنسان وعزته. وكان رسول الله(ص) وأئمة الهدى(ع) ملتزمين بهذا المبدأ في إدارة المجتمع. حسناً، إن أردت الالتزام بهذا المبدأ فأوذيتَ، أو وُوجهتَ بالاستهزاء فما العمل؟ لا عليك، فلقد كانت في حياة الأنبياء والأولياء أيضاً نماذج مشابهة.


أول مبادئ الإدارة على مستوى الأسرة هو أيضاً صيانة الكرامة والعزة

  • حسناً، فلنرَ ما هو المبدأ الأول في الإدارة على مستوى الأسرة؟ أيها الآباء والأمهات الكرام، يا من تريدون إدارة أولادكم! إن البعض لا يراعي كرامة أولاده وعزتهم، ويريد – مثلاً - أن يُقبَل ولَده في فرع جامعي معيّن بأي ثمن! هذا العمل غير صحيح. إنّ البعض ليحرق قلب ولَده، ويحمله على التكتّم، ويذلّه للوصول إلى نتائج تربوية معيّنة، لكن لا يحق لكم أن تفعلوا ذلك! إن أردتم أن يصبح ولدكم من المصلين، أو يجتهد في دروسه، أو يحقق أي فخر للأسرة فينبغي أولاً أن تُصان كرامته.
  • ربما تقولون: "هذا جزء من أصول التربية!" نعم، إن موضوع التربية، بطبيعة الحال، هو جزء من موضوع الإدارة على مستوى الأسرة، كما أن "إدارة الذات" أيضاً ليست إلا تقويم الذات وتهذيبها.


صيانة العزة والكرامة هي المبدأ الأول في "إدارة الذات" أيضاً

  • إن أردت إدارة نفسك والتحكم بها فإن المبدأ الأول الذي ينبغي أن تأخذه بعين الاعتبار هو "العزة" ذاتها! وهل يُعَد المساس بالعزة أول أذى قد يلحق بالمرء ضمن عملية إدارة الذات؟ نعم! 
  • إنك، من خلال إدارة المدرسة، تقوم بإدارة عدد من الطلاب، ومن خلال إدارة المنزل أيضاً تمارس إدارة عدد من الأشخاص، وفي إدارة المعمل تدير مجموعة من العمال، وكذلك الحال في إدارة المجتمع من مستوى أعلى. لكن ماذا أنت فاعل لإدارة ذاتك؟ إنك، لدى إدارة ذاتك، تتحكم ببعض "رغباتك وميولك". فإن رضختَ إلى أكثر رغباتك شرّاً وشغباً فستقوم هي بدورها بإذلالك وامتهانك.
  • متى ما قصدتَ تلبية إحدى رغباتك فخاطبها بهذا القول: "أنا لا ينبغي أن أُذل!" ثم اذهب بهذا الكلام إلى علماء الأخلاق وأساتذة العرفان أو الأشخاص الذين طالعوا جميع الكتب الخاصة بتهذيب النفس وتزكيتها، واسألهم: "هل صونُ المرءِ عزّتَه وكرامتَه هو أوّل المبادئ، أو من أوّلها على الأقل، أم لا؟" 
  • روي عن الإمام الصادق(ع): «مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَکُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ» (الکافي/ ج2/ ص320).
  • ماذا تفعل الأم لتربية ولَدها على الحياء؟ تقول له مثلاً عند الذهاب إلى ضيافة ما: "لا تُخزني إذا اشتهيتَ الحلوى أو الفاكهة بشدة! بل اصبر حتى أقدّمها أنا لك أو يقدمها لك المُضيف..." إنه لمن المهم جدّاً أن تتمكن من أن تخلق من طفلك مديراً قادراً على التحكّم بنفسه، وهذا تحديداً هو المراد من قولهم: "مخالفة الهوى".


أهم رادع من أجل صيانة كرامة النفس وعزتها هو "الحياء"

  • أحد العوامل الرادعة هو "الحياء"، بل هو أهمها لصيانة كرامة النفس وعزتها. فإن أردت إدارة ذاتك فعليك أن تحافظ على عزة نفسك أولاً، ومن ثم اصغ إلى أحاديث رغباتك وأمنياتك. فمَن عجز عن إدارة نفسه مع الالتزام بهذا المبدأ (أي صيانة كرامة النفس وعزتها) فسيعجز غداً أيضاً، في المجتمع، عن ممارسة الإدارة الصالحة على مصنعٍ إذا فوّضتم إليه مسؤولية إدارته.
  • إذا أردت إدارة نفسك فحافظ على كرامتك كمبدأ أولي. بوسعي تقديم نماذج كثيرة عن "عزة النفس في الحياة الفردية"؛ فعلى سبيل المثال مَن يكذب فقد امتهن نفسه أمام نفسه. لا يحق لك أن تُذِلّ نفسك أمام نفسك! فهذا العمل يترك تبعات سيئة عديدة يمكن ملاحظة آثارها عند وضع جهاز استشعار على دماغك، بل وتظهر آثاره على جسمك وتقاسيم وجهك أيضاً، لأنك تعرف جيداً أنك ارتكبت عملاً سيئاً! ثمة عالَم في أعماقنا! ولذلك إن قاموا بتوصيل عدة أجهزة استشعار بالجسم، فسيعرفوا بسهولة أن الشخص يكذب، لأنه يكاد يدمر نفسه بالكذب وتتجلى آثار ذلك عليه.


لا تترك أي ذنب من دون استغفار وإلا ستبقى آثاره المدمرة في ذاتك

  • إن لطلب المغفرة من رب العالمين آثاراً عديدة من أهمها أنه سبحانه يخاطب الإنسان: "أنت أذللتَ نفسك أمام نفسك وحطّمتها، وإنّي لأحبك وأحترمك. فهلّم إليَّ واستغفر لذنبك حتى يُصلح الاستغفار ما أفسدتَه". إذاً لا تسمح لهذا الذنب أن يبقى ويدوم. لا تدع أي ذنب من دون استغفار وإلا ستبقى آثاره المدمرة في ذاتك.
  • لا بد من إدارة الذات، ومن خلال هذه الإدارة تُصان عزة نفس الإنسان. ما الذي تفعله الثقافة الغربية اليوم؟ إحدى الأعمال التي تقوم بها هي أنها تقول: "لا يوجد أمر سيئ، حرّر نفسك! لا هذا العمل ينافي عزة النفس ولا ذاك..." طبعاً بات المفكرون الغربيون يتراجعون شيئاً فشيئاً عن هذا الكلام فإذا بهم يقولون: "هذا العمل ينافي عزة النفس وكرامتها...وستتحطم روح الإنسان إذا قام بكذا و...".


"الحياء" هو مظهر من مظاهر مراعاة عزة النفس

  • إن الالتزام بمبدأ عزة النفس هو في الحقيقة مبدأ أساسي في مقام إدارتنا لأنفسنا، ويتجلى هذا الالتزام في الحياء. روي عن رسول الله(ص) أنه ثمة مقولة موروثة من أنبياء السلف تحوّلت إلى مثل يعرفه جميع الأقوام وأنا أيضاً أوصي به:  «لَمْ یَبْقَ مِنْ أَمْثَالِ الْأَنْبِیَاءِ إِلَّا قَوْلُ النَّاسِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (أمالي الصدوق/510)؛ فإن لم يكن عندك حياء فافعل ما يحلو لك، وعندها لن يكون بوسعي، أنا رسول الله، أن أفعل لأجلك شيئاً! 
  • روي عن أمير المؤمنين(ع):  «غَایَةُ الْحَیَاءِ أَنْ یَسْتَحْیِيَ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِه»! (غرر الحكم/ 6369). وأنتم تعلمون أن إحدى المبادئ أو الإجراءات المهمة جداً في الإدارة هي التدقيق والمحاسبة والرقابة، والملاحظة اللافتة للنظر هي أنه في عملية "إدارة الذات" أيضاً يقال: «حَاسِبُوا أَنْفُسَکُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» (غررالحکم/ 4741).
  • تماماً كما لا يمكن أبداً أن تتحقق الإدارة الخارجية من دون حساب وتدقيق، فلا بد من ممارسة المحاسبة في "إدارة الذات" أيضاً، وكذا في إدارة الأسرة؛ بعبارة أخرى: هي جميعاً شيء واحد. وإن لاحظنا الوحدة بين جميع هذه الأنواع فلن نفصل بين السياسة والدين حتى على المستويات العليا والشاملة من الإدارة، وآنذاك لن نوَلّي أي شخص المناصبَ السياسية أو الإدارية، بل ننظر أينَ بنى شخصيته؟ وهل تمكّن من "إدارة ذاته" بشكل صحيح كي يعمَد الآن إلى إدارة الآخرين؟


أسمونا كوادر "مبدئية" حتى ينعتوا أنفسهم بـ"الواقعيين"!

  • ليس هذا ببحث مبدئي. وسترون عن قريب، إن شاء الله، أن هذه النقاشات ستتحول إلى نقاشات اجتماعية تخصصية، ولن نهتم آنذاك بهذه التُرّهات التي تأتينا من الأدبيات الغربية، كالنقاش الدائر مثلاً حول "المبادئ" و"الواقع"! فقد أسمَونا كوادر "مبدئية" حتى ينعتوا أنفسهم بـ"الواقعيين"! فلم يكن قصدهم من وراء ذلك احترامنا! وفي المقابل، نحن أيضاً قلنا: "ألا إن المبادئ والقيم أمور حسَنة، فنحن إذاً كوادر مبدئية!" كلا! نحن كوادر واقعية.
  • وكل ما لدينا في الإسلام أيضاً هو واقع تماماً. وإن أكبر واقع هو الله جلّ جلاله نفسه، وإن في التقرّب إليه أعظم الفوائد، وكل هذا واقع. ثم ما المبدأ والقيمة أساساً كي يقول البعض: "لا بد من احترام المبادئ والقيم؟!" أو "لنحترم المبادئ والقيم الأخلاقية!" فنحن لدينا مجموعة من الأمور الواقعة؛ على سبيل المثال حين تكذب ستؤثر عليك هذه الكذبة من الجانب الفيزيولوجي، وستترك تأثيراً وضعياً على مستقبلك، وسيغضب الله عليك أيضاً! حسناً، كل هذه الأمور واقعية، فلِمَ تقولون: "الصدق والكذب من القِيَم؟!"  لماذا تسمحون للبعض بالتهرّب من هذا الواقع ليقولوا: "في الحقيقة، نحن لسنا مبدئيين كثيراً!" كلا! فأنت لست بواقعي! إنّ هذه أمور واقعة ينبغي علينا التعامل معها، فنترك الضارة منها جانباً، ونقدّم النافعة منها. 


"الكرامة" تحتل الصدارة في الأسرة/ الأدب مقدّم على الحب في الأسرة!

  • الكرامة مبدأ في "إدارة الذات"، وفي إدارة الأسرة أيضاً. والآن لنتكلم قليلاً عن الإدارة على مستوى الأسرة. فالكرامة تحتل الصدارة في الأسرة، وهذا يعني أن الكرامة وعزة النفس فيها مقدمتان على المودة؛ بعبارة أخرى، إن الأدب أولى من الحب!
  • معظم التعاليم الإسلامية تضمن لنا الحدود الدنيا كي لا نتخطاها. والأحكام الشرعية تضبط الآداب. ولذلك حين يريد رسول الله(ص) التعبير عن أنه قد ربّى علي بن أبي طالب(ع) تربية دينية، يقول: «عليٌ أدیبي»، أي أن علياً تربّى على يدي: «أَنَا أَدِیبُ اللهِ وَعَلِيٌّ أَدِیبِي» (مکارم‌ الأخلاق/17). الأدب يعني الحدود الدنيا التي عليك أن تحترمها "سواء أحببتَها أم لم تحبّها". الأدب مقدّم على الحب في الأسرة! فينبغي صيانة كرامة الناس.
  • روي عن الإمام الصادق(ع): «أَکْرِمُوا أَوْلَادَکُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُم‏» (مکارم‌ الأخلاق/222)، وماذا عن المحبة إذاً؟ إنها تأتي في المرتبة الثانية. فهل تعلم ماذا سيحصل إن استبدلت الأدب بالمحبة؟ ما سيحصل أن هذا الإنسان إن افتقد المحبة يوماً ما فسيتفوه بكلام بذيء! وسيتصرف ببرود ولامبالاة، ويزعل، ويأتي بسلوك مشين! 


الأولوية في البيت ليست للحب بل للسكينة!

  • إذا استبدلتَ الأدب بالحب ماذا سيحصل؟ بما أن التذبذب والتقلّب من مواصفات الحب، فإنك إن أحببتَ شخصاً أكثر من غيره فستُظهر محبتَك له أكثر، وسيحصل في الأسرة نوع من التمييز الظالم. الأولوية في البيت ليست للحب بل للسكينة! قال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا» فخلق المرأة للرجل وخلق الرجل للمرأة. لماذا؟ «لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا» (لا أن تشعروا بالحب والعاطفة بجانبها!) السكينة تتأتى من الاحترام؛ السكينة تتولّد من أن "هذا الشخص لا يهينني أبداً، ولا يفضح عيوبي من ورائي أبداً، ولا يشوّه سمعتي أبداً، ولا يخونني أبداً". إن الهدف من تكوين الأسرة هو السكينة قبل كل شيء، والسكينة تأتي من الأدب، والأدب يعني الكرامة وعزة النفس تحديداً.
  • عندما يعيش عدد من الأشخاص معاً ضمن كيان الأسرة يكون المبدأ الأول الذي ينبغي مراعاته هو الأدب. لكن الكثيرين يكررون القول: "تودّدوا إلى بعضكم البعض بالحب". أولاً، لا يكون الحب بالإجبار! وثانياً: «إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَإِدْبَاراً» (نهج ‌البلاغة/ الحکمة 312). فالإنسان يحب تارةً، ولا يحب تارةً أخرى. هكذا هو قلب الإنسان؛ فهو أحياناً لا يرغب كثيراً في الأمور التي يحبها. أنت تحب الإمام الحسين(ع)، لكنك قد تبكي على مصابه في ليلة، ولا تبكي في ليلة أخرى. لكنك تذهب إلى موكب العزاء في كل ليلة قائلاً: "من قلة الأدب أن لا أذهب! فهذا شهر محرم..."


الأدب يعني الاحترام، والاحترام يعني الالتزام بمبدأ كرامة النفس

  • الأدب يعني الاحترام، والاحترام يعني الالتزام بمبدأ كرامة النفس. ينبغي عليَّ أن أحترمَ ولَدي، وأن أحترمَ زوجي، فلا ينبغي أن يغيب هذا الاحترام. لا يصبح المرء عاقّاً لوالديه إذا لم يحبهما، فقد لا يحب شخص أباه وأمه، لكن يجب عليه ألا يسيء الأدب معهما حتى وإن لم يحبهما، لأن أول المبادئ هو صيانة كرامة الإنسان وحرمته.
  • على سبيل المثال، قد تكون الأم منزعجة في البيت، لكن عليها أن تسيطر على لسانها. فإن فضيلة المرأة في "حُسنِ التَبَعُّل"؛ فقد روي عن أمير المؤمنين(ع): »جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّل» (نهج ‌البلاغة/ الحکمة136). والتبعّل أمر صعب بالنسبة إلى النساء. لماذا؟ لأن الرجال يتصفون، عموما، ببعض الإهمال وعدم الاهتمام بالتفاصيل، كما أنهم باردو العاطفة وسيئو الذوق بعض الشيء، ولهذه الأسباب يثير الزوج ثائرة هذه الزوجة وعليها أن تتحمله. فيقول الإمام(ع): »جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّل»، أي إنكِ لستِ بحاجة إلى أن تذهبي للجهاد ضد صدام، فصدامك ماثل في زوجك المحترم هذا، فاعتني به وقومي بمداراته!
  • إنّ "حسنَ التبعُّل" يعني حسن التعامل مع الزوج. فالزوجة إن كانت قليلة الأدب، فإنها ستشهر سيف التجهّم والعُبوس وتغمده في قلب زوجها ما إن ترى منه سلوكاً خاطئاً! والطفل يشاهد هذه التصرفات ويقول في نفسه: "ويلاً لي، يا لها من أم قاسية!" وفي العادة لا يتربى مثل هذا الطفل تربية سليمة. وقد تفتح هذه الزوجة فمها بالهجاء والسخرية والكلام الجارح عند استيائها من أمر ما! 
  • ثمة قول لعلماء النفس في هذا المجال، وهو يشبه كثيراً حديثاً مروياً عن أئمة الهدى(ع). إذ ينصح علماء النفس الزوجة بأنه: إذا عاد زوجك إلى المنزل فأمسكي مدة العشر دقائق (أو العشرين دقيقة) الأولى عن أي كلام سلبي، وعن المطالبة بأي شيء، ولا تتطرقي إلى أيٍّ من عيوبه، ولا تنتقديه لأي شيء، ولا... وقد أوصى أهل البيت(ع) أيضاً الزوجة باستقبال زوجها بالترحيب وإظهار الحب: »وَأَنْ‏ تَسْتَقْبِلَهُ عِنْدَ بَابِ بَیْتِهَا فَتُرَحِّبَ بِهِ» (مکارم ‌الأخلاق /214) فإن تصرّفت الزوجة بهذا السلوك الحسن فسيهدأ الزوج كثيراً بطبيعة الحال. فلا ينبغي، مثلاً، أن تبادر الزوجة زوجَها لحظة دخوله المنزل بالقول: "لماذا لم تشتر الشيء الفلاني، و...".
  • إن صانت هذه السيدة حرمة زوجها والتزمت بالأدب فسيتربى طفلهما تربية رفيعة نتيجة هذا الالتزام بالاحترام. إن أهم واجبات الزوجة هو "حُسنُ التَبَعُّل"، وإن أهم ما في حسن تبعّلها هو تحكُّمها بلسانها.


"الاحترام" هو المبدأ الأول في الإدارة على مستوى الأسرة

  • المبدأ الأول لإدارة الآخرين من حولك هو الالتزام بالأدب والاحترام، ولا ينبغي ثَلم هذا المبدأ بأي شكل من الأشكال. فيجب على الزوج أيضاً، عند ممارسته الإدارة، أن يحترم زوجته. فقد جاء في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين(ع): »... فَتُکْرِمَهَا وَتَرْفُقَ بِهَا وَإِنْ کَانَ حَقُّك عَلَیْهَا أَوْجَب». يخاطب الإمام(ع) الرجل بصراحة: إنّ حقك على الزوجة أكبر، لكن عليك بإكرامها ومداراتها واحترامها! فلا تظنّ أن بوسعك أن تفعل كل ما يحلو لك لمجرد أن حقك أكثر!
  • إن المبدأ الأول في الإدارة على مستوى الأسرة هو الاحترام. فحين يسيء الأبناء الأدبَ مع والديهم فلا بد أن يكون الوالدان، ولا سيما الأم، قد أخفقا في الالتزام بالأدب أمام الأبناء ذات مرة!


كان المجتمع يظلم رسول الله(ص) لشدة التزامه بمبدأ التكريم في إدارته 

  • لنُعرّج الآن على موضوع الإدارة على مستوى المجتمع وندرس هذا المبدأ هناك. كان هناك منافق يقعُد لرسول الله(ص) ويتجسس عليه، أي كان «يسمع كلامه وينقله إلى المنافقين وينُمّ عليه». فنزل جبرئيل الأمين على رسول الله(ص) وأخبره بذلك. فدعا رسولُ الله(ص) الرجلَ وسأله إن كان ينقل أخباره إلى الآخرين؟ فأنكر الرجل ذلك (وقد عرف أن جبرئيل الأمين قد أخبر النبي(ص) بخبره).
  • وحين أكّد عليه رسول الله(ص) السؤال حلفَ الرجل أنه لم يفعل. فلم يعامله النبي(ص) معاملة سيئة وقال له: «قَد قَبِلتُ مِنكَ فَلا تَقعُد»؛ أي إنه في النهاية أوصاه بترك هذا العمل من باب النصيحة. فرجع الرجل إلى أصحابه فقال لهم: «إنّ محمداً أُذُنٌ»؛ يا لسذاجته! «أَخْبَرَهُ اللهُ أَنِّي أَنُمُّ عَلَيْهِ وَأَنْقُلُ أَخْبَارَهُ فَقَبِلَ وَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَبِل. فأنزل الله على نبيه: وَمِنْهُمُ الَّذینَ یُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَیَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَیْرٍ لَکُمْ یُؤْمِنُ بِاللهِ وَیُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنینَ (التوبة/61)» (تفسير القمي/ ج1/ ص300). فلم يكن النبي(ص) ساذجاً، بل كان يتعامل معكم ببساطة.
  • كان رسول الله(ص) على جانب من مراعاة الاحترام والأدب في رئاسته وإدارته للمجتمع إلى درجة أنه تعرض للظلم جراء ذلك! حسبكم هذا القول لتنظروا إلى أي مدى كان النبي(ص) وأهل البيت(ع) يراعون هذا الأمر. كانت منازل أئمة الهدى(ع) مشرقة بالنور وكان غالبية مَن حولهم صلحاء، اللهم إلا من بعض النماذج؛ على سبيل المثال أحد أقرباء الإمام الصادق(ع)، والذي صار في النهاية سبب قتله(ع)، كان كلما جاء لزيارة الإمام(ع) يُظهِر له الإمام المودّة. فقال شخص للإمام(ع) (ما مضمونه): أنت تعلم مَن هذا الرجل! إنه يتجسّس عليك، وإنّا لنخشى أن يكون سبب قتلك في النهاية! فأخبره الإمام(ع) بعمله بذلك!
  • وبعد أن ضرب ابن ملجم الملعون ضربتَه على هامة أمير المؤمنين(ع) جاؤوا به للإمام(ع)، فعاتبه(ع) بأنه: ألم أُحسن إليك أكثر من أي شخص آخر؟ فأجاب: بلى. »أَبِئْسَ الْإِمَامُ کُنْتُ لَك حَتَّى جَازَیْتَنِي بِهَذَا الْجَزَاءِ أَلَمْ أَکُنْ شَفِیقاً عَلَیْك وَآثَرْتُك عَلَى غَیْرِكَ وَأَحْسَنْتُ إِلَیْكَ وَزِدْتُ فِی إِعْطَائِك أَلَمْ یَکُنْ یُقَالُ لِي فِیكَ کَذَا وَکَذَا فَخَلَّیْتُ لَكَ السَّبِیلَ وَمَنَحْتُكَ عَطَائِي» (بحار الأنوار /ج42/ ص287).


لاحظوا مدى الاحترام في الإدارة!

  • لاحظوا إلى أي حد يبلغ الاحترام في الإدارة! يُروى »أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَیْنِ(ع) دَعَا مَمْلُوکَهُ مَرَّتَیْنِ فَلَمْ یُجِبْهُ ثُمَّ أَجَابَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ لَهُ: یَا بُنَيَّ أَمَا سَمِعْتَ صَوْتِي؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا بَالُكَ لَمْ تُجِبْنِي؟ قَالَ: أَمِنْتُكَ. قَالَ(ع): الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِی جَعَلَ مَمْلُوکِی یَأْمَنِّي‏» (الإرشاد للشيخ المفید/ ج2/ ص147). وقد رُويتْ رواية أخرى مشابهة عن حياة أمير المؤمنين(ع) أيضاً: »دَعَا(ع) غُلَاماً لَهُ مِرَاراً فَلَمْ یُجِبْهُ فَخَرَجَ فَوَجَدَهُ عَلَى بَابِ الْبَیْتِ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ إِلَى تَرْكِ إِجَابَتِي؟ قَالَ: کَسِلْتُ عَنْ إِجَابَتِكَ وَأَمِنْتُ عُقُوبَتَكَ. فَقَالَ(ع): الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَنِي مِمَّنْ یَأْمَنُهُ خَلْقُهُ» (مناقب آل ‌أبي طالب(ع)/ ج2/ ص113).
  • إن أهم آفات الإدارة هي أن تسحق الناس تحت قدميك! يجب على الرئيس أن يهتم لصيانة كرامة مرؤوسيه. لا بد أن تُصان "كرامة الناس" و"كرامة الأسرة" و"كرامة النفس" عند ممارسة الإدارة.
     

 

تعليق