الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۱۲/۰۳ چاپ
 

آخر استعداد للظهور، إصلاح الإدارة على مستوى الأسرة والمجتمع – الحلقة التاسعة

لا تسمحوا لسماسرة السياسة بأن يحوّلوا القضايا الإدارية التخصصية إلى قضايا سياسية/ إن لم يتعامل السياسيون بكرامة فسيبدأ دومينو الفساد في المجتمع/ لم يكن سلوك بعض المسؤولين سلوكاً كريماً، لا في خضم الانتخابات ولا بعدها

المكان: طهران، جامعة الإمام الصادق(ع)

الزمان: محرم 1441

الموضوع: آخر استعداد للظهور، إصلاح الإدارة على مستوى الأسرة والمجتمع

التاريخ: 8/ محرم / 1441 – 8/ 9/ 2019

أيها الآباء المحترمون والأمهات المحترمات! إن الأطفال يدركون "الإمامة" من نمط سلوككم، يفهمون أن الإمام رحيم من نمط رحمة الأم، ويستوعبون أن الله رحيم من نمط رحمة الأم، فيحسنون الظن بالله.

 

الالتزام بمبدأ العزة والكرامة في الإدارة مُكلِف، وينبغي أن ندفع ثمنه

  • المبدأ الأول في الإدارة هو صيانة العزة والكرامة. وتكمن أهمية هذا المبدأ في أنّه مُكلِف، وعلينا أن ندفع ثمنه. فما معنى قولنا بأنه "مُكلِف"؟
  • معناه أنك إذا أردتَ أن تسوسَ أيَّ شخص، أي تديره – كأفراد أسرتك مثلاً – مع الالتزام بصيانة عزته وكرامته فسيجعلك هذا الالتزام، أولاً، تتأخّر في بلوغ أهدافك. ثانياً ستتضرر بأضرار لربّما لا يمكن إصلاحها بحسب الظاهر. وثالثاً قد يؤدي ذلك إلى التأخير في تغيير سلوك من هم تحت إدارتك.
  • نحن نقول: "لا بأس، سندفع ثمن هذه الأمور الثلاثة". لكن هذا الكلام ليس مقبولاً في علم الإدارة كثيراً، بل إن بعض أساتذة هذا العلم لا يراها تستحق الاهتمام أصلاً! نحن أيضاً لا نريد استعراض علم الإدارة في بحثنا هذا، بل نريد طرح بعض الملاحظات التي إما أن تُعَد من نقائص علم الإدارة، أو أنها قد تعرضت للإهمال الشديد في المجتمع حتى وإن عُدت من هذا العلم. بعبارة أخرى: نحن لا نطرح القضايا التي يعرفها الجميع ويطبقها.
  • ما معنى قولنا: إنّ الالتزام بمبدأ الكرامة مُكلِف؟ معناه أنك إن عامَلتَ - على سبيل المثال - موظفك أو أفراد أسرتك باحترام فقد يسيؤون استغلال معاملتك. أو قد تتأخر في الوصول إلى النتيجة المرجوة؛ كأن يتأخر الطالب في الاقتناع بضرورة الدراسة، والخ. لكن لا ضير في ذلك، دعه يتأخر في الدراسة، لكنه إن قرر أن يدرس يوماً ما فسيكون هو من يدرس بإرادته وبحفظ كرامته. 
     

الإدارة الامتحانية إدارة فاشلة

  • إن دائرة الشواهد لهذا الموضوع واسعة ومنوعة جداً. فعلى سبيل المثال أنا أرى الامتحانات المعتمَدة في نظام التربية والتعليم؛ أي الامتحانات الفصلية المعتمِدة على المحفوظات والعلامات - أراها إهانة لشخصية الطالب. وليس هذا بموضوع مبدئي أو أخلاقي، بل هو موضوع واقعي وديني. يقال في علم النفس: "إذا حدّدتُم مكافأة وعقاباً  للامتحان فسيعجز التلميذ عن التفكير السليم وحل المسألة". لكن حين تقول له: "باشر بحل المسألة بنفسك، فأنا لن أعطيك أي علامة، ولن أشجعك، ولن أعاقبك أيضاً"، فسيفكر في حلها بشكل أفضل. إذاً الإدارة الامتحانية إدارة فاشلة، وهذا الكلام يعد كلاماً دينياً. 
  • كان البعض سابقاً يتكلم بكلام فارغ إذ يقول: "هذا رأي ديني ومبدئي...وذاك رأي عقلاني!" بينما العقل أيضاً يتكلم بكلام الدين نفسه، والدين والعقل أساساً حقيقة واحدة ولا فرق بينهما.
  • اليوم أيضاً بعض التيارات التي أسمّيها أنا "الدجل السياسي" تقوم بخلق الاستقطاب الثنائي، كأن تقول: "هؤلاء مبدئيون، أما نحن فواقعيون!" هذا كذب وافتراء! فإن كان "المبدئي" يعني "الديني"، فالدين أيضاً يقول: "كن واقعياً!"
  • إذا كان قوام الشخصية الفكرية لبعض السياسيين مبنياً على الكذب والافتراء على الآخرين فلماذا يُسمح لهم بالوجود في الساحة السياسية؟
     

لو كنا دعونا إلى الدين وفقاً للنهج القرآني لكان الإلحاد بين الناس اليوم جهلاً

  • لا بد أن ندعو إلى الدين بأسلوب يجعل الناس يقولون للاديني: "أأنت جاهل لتكون لادينياً؟" لكن أينظر الناس اليوم إلى الإلحاد على أنه جهل؟ أبداً! هذا يعني أننا لم نبلّغ الدين وفقاً للقرآن، بل بلّغناه بأدبيات خاطئة. ويعني ضعف الحوزة العلمية في تعليم الدين. هذا وقد قال تعالى: مَن الذي يجحد بالدين إلا الإنسان الجاهل؟! «وَمَنْ یَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهیمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» (البقرة/130). لكن الناس اليوم لا يعُدّون الإلحاد معادلاً للسَفَه، ولا يرون التديّن مساوياً للدهاء والتعقل.
  • وشهر محرم هذا هو، في الحقيقة، موعد لضمان مصالح الأمة وتطبيق العقلانية في إدارة المجتمع. فالإمام الحسين(ع) إنما جاد بنفسه الزكية لكي يُساس المجتمع بعقلانية، فلم تكن المشكلة عدم إقامة الصلاة! فلا صلاته كانت تزعج أحداً، ولا أنه نهض ضد ترك الصلاة! فأنتم تعلمون أن الشمر أيضاً كان يصلّي!
  • إن المسجد الجيد هو الذي يوفّر للشباب فرص العمل وأسباب ريادة الأعمال، وهو الذي يغني الشباب من الجانب المِهَني بحيث تتكون لديهم قابلية جني الأموال. فإن البطالة وعدم الاشتغال بمهنة، تساوي الذلة، والإسلام لا يرضى بذلك، وإن الاستقلال الاقتصادي يعادل عزة النفس، وهذه العزة هي بداية نمو الفرد والأمة وازدهارهما، والدين أيضاً يرمي إلى ذلك. 
     

الحجاب قضية عقلانية وليس مجرد قضية مبدئية!/ خلق الاستقطاب الثنائي "المبدئي والعقلاني" ضرب من الدجل 

  • الحجاب أيضاً قضية عقلانية. على سبيل المثال لو ضغط أحد على منبّه سيارته أمام المستشفى لدقائق، سيعترض عليه الناس بقولهم: "لماذا تزعج المرضى وتحطّم أعصابهم؟" وهذا يعني أن الناس سيمنعونه من ممارسة هذا العمل باعتباره سلوكاً اجتماعياً خاطئاً.
  • السفور أيضا لا يعني سوى تضييع حقوق الآخرين وإيذاء النفوس. لكن الأدبيات الدينية الشائعة في مجتمعنا لم ترسّخ هذا المفهوم في أذهان الناس، وبالنتيجة يقوم بعض السياسيين الدجالين باستغلال هذه القضية. 
  • إن خلق الاستقطاب الثنائي "المبدئي - العقلاني" ليس إلا دجلاً، لأن الدين ليس إلا العقلانية. والعقلانية أيضاً هي في توفير المصالح القصيرة والبعيدة الأمد. 
     

الإدارة الكريمة تتكلل بنجاح أكبر في المدى البعيد

  • إن ما نقوله عن صيانة كرامة الأشخاص لدى ممارسة الإدارة ليس موضوعاً أخلاقياً، بل هو موضوع إداري؛ لأن هذه الإدارة الكريمة ستتكلل بالنجاح أكثر في المدى البعيد. على سبيل المثال، في الأمد القصير قد يطيعك الكادر الذي تحت إدارتك إن أنت شتمتَه وأهنتَه وتسير أمور المنظمة، أما في الأمد البعيد فستصاب المنظمة (أو المجتمع) بالشلل ويزداد فيها اللصوص!
  • كلما زاد احترامك لأعضاء منظمتك أو أفراد مجتمعك ستجني نتائج أفضل، لكن بتأخير أكثر بالطبع! بعبارة أخرى: ستكون نتائج الإدارة الكريمة جيدة في المدى البعيد، وعادة لا تحصل هذه النتائج في المدى القريب. كما أن الاستغلاليين موجودون في كل مكان، وسيتأذى المدير الذي يريد التعامل بكرامة، فينبغي أن تزداد سعة صدره.
     

بعض نوّاب البرلمان أهان الشعب في توضيحه لأسباب عدم شفافية الأصوات

  • فيما يتعلق بموضوع الشفافية، لماذا نهيتُ عن المنكر بهذه الشدة؟ إن شفافية أصوات مجلس الشورى أمر عقلاني تماماً وسيتحقق، وإن كان النواب الحاليّون غير مؤهلين لذلك فستكون المجموعة القادمة مجبَرة عليه. بيد أن صرختي كانت بسبب الإهانات التي وجّهها للشعب بعض أعضاء هيئة البرلمان الرئاسية في توضيحهم لأسباب عدم شفافية الأصوات.
  • ومن ضمن هذه الإهانات قولهم: "لم يبلغ الشعب النضج الكافي بعد!" هذه إهانة للشعب. وإحدى الإهانات الأخرى كانت تقسيم الشعب إلى جماعات الضغط! ألا يُعد اتهام الشعب باسم "جماعة الضغط" وتقسيمه إلى شِيَع وفِرَق إهانة له؟!
  • ومن الإهانات الأخرى قولهم: "لو أعلنّا عن أصواتنا فلن يسمح لنا مجلس صيانة الدستور بالترشيح لنيابة البرلمان مرة أخرى!" أفلا تُعَد إهانة مجلس صيانة الدستور إهانة لكيان أعلى منكم يشرف عليكم لكي لا تصوتّوا على قانون ينافي الدين؟! وهل من غير البأس، يا ترى، أن يهين نواب البرلمان منتقديهم؟!
     

المفاسد المالية ناجمة عن التصريحات والأصوات المُسيَّسة للمسؤولين وإن كانوا نزهاء/ الرؤية اللاعقلانية تؤدي إلى الفشل في الإدارة

  • يقولون: "المطالِبون بالشفافية لهم أهداف سياسية". ألا يُعد هذا الكلام إهانة للشعب؟! ويزعمون: "أن الشفافية تتعلق بالقضايا المالية لا بقضية التصويت!" بالمناسبة، إن جميع المفاسد المالية ناجمة عن الأفكار والأصوات والتصريحات المُسيَّسة للمسؤولين، وإن كانوا نزهاء.
  • على سبيل المثال، كان الخوارج الزاهدون أنفسُهم نزهاء، لكنهم ثاروا ضد العدالة فأضعفوا العدالة العلوية، وهيأوا الأرضية لآكلي الريع الخبثاء. فأي نوع من الخروج المشابه للنهج الخوارجي، كذاك الذي حدث في فتنة العام 2009م سيؤدي إلى ظهور أنواع المفاسد والريع والمآسي الكثيرة في الداخل، وكثافة المآسي والهجمات من الخارج. فهل يُعَد هذا الكلام مجرد رأي ديني وثوري، أم هو كلام عقلاني؟ إنه كلام عقلاني تماماً!
  • حين تقوم بزعزعة أركان النظام الإسلامي ستعجز مئة سلطة قضائية عن السيطرة على أكل الريع واحتواء الأمر. إن الرؤية اللاعقلانية تؤدي إلى الفشل في الإدارة!
     

ثاني مبادئ الإدارة هو "الحب وخَلق الوفاق"/ على السياسي أن يخلق الوفاق في المجتمع لا أن يبث الشقاق!

  • ما هو المبدأ الآخر الذي يسود الإدارة؟ إنه الحب وخَلق الوفاق. فمن المفروض أن يتمكن المسؤول والسياسي من خلق الوفاق لا أن يبث الشقاق!
  • على مسؤولي البلاد أن يخلقوا في المجتمع روح الوفاق والوئام، لا أن يمزّقوه. بل إن كان المجتمع ممزَّقاً أصلاً يتحتم عليك، كمسؤول، أن تقول: "كلا ليس الأمر هكذا.. ستتحسن الأوضاع إن شاء الله؛ فلا هذا يقصد سوءاً، ولا ذاك...". أما اليوم فحتى لو لم يكن في نية المرء سوء اتّهموه بسوء النية! فما أسوأها من آداب هذي التي تشاهد بين الحين والآخر من بثّ الاختلافات وإثارة الفتن وما إليها!
  • على مجلس صيانة الدستور أن يدرس ملف المرشّح ولا يصادق على أهلية المتورّط بأمور من مثل تمزيق الشعب، واستعمال تعابير الاستقطاب الثنائي السخيفة، وممارسة الحرب النفسية، وأمثال ذلك، حتى لا يحتلوا المناصب العليا في البلاد!
  • يجب على السياسي أن يتصرّف بما يحبّبُه إلى الجماهير، لا بما يجعله مقبولاً ويُكسِبه الأصوات فحسب. فالرئيس الحالي حصد 24 مليون صوتاً في الانتخابات، وهذا مؤشر على مقبوليّته، لا دليل على محبوبيته؛ ذلك أن الغالبية العظمى من الشعب لم تُصغِ إليه حين طالبها بالعزوف طواعية عن التسجيل على الإعانات الحكومية!
     

لا ينال "الشعبية" إلا المدير المحب هو للناس 

  • نحن نطمح إلى أن يكون رئيس الجمهورية محبوباً في مجتمع يعيش أجواء سياسية سليمة. وهكذا تكون الدولة المهدوية؛ وهي أن يكون سلوك المدير أو المسؤول فيها وكلامه مما يجعل الناس يحبونه! وسترون بعد ظهور الإمام(عج) إن شاء الله أن هناك فجوة مليارية بين شعبية وُلاة الإمام(ع) والمقبوليات المعاصرة المؤطَّرة بالديمقراطية!
  • ولمن تتحقق هذه الشعبية؟ لمن كان هو أيضاً محباً للناس! كما كان رسول الله(ص)؛ حيث يقول فيه تعالى: «حَریصٌ عَلَیْکُمْ بِالْمُؤْمِنینَ رَؤُفٌ رَحیمٌ» (التوبة/128).
  • ومن يستطيع أن يكون محباً للناس؟ من كان كالشهيد جمران الذي أسس ميتماً في لبنان وقال لزوجته: "لن نأكل بعد الآن طعاماً يختلف عن طعام أيتام الميتم، بل سنأكل طعام الفقراء كما يأكلون".
     

لا تنجح الإدارة من دون المحبة/ مجال الإدارة هو مجال الحب

  • حسناً، ماذا سيحصل إن افتُقدت هذه المحبة؟ إذا جُرّدت الإدارة من المحبة فلن تنجح! يقول البعض فيما يتعلق بمواضيع الإدارة: "دعوا المحبة جانباً! نحن نسعى لإحلال الضوابط محل العلاقات، ولولا ذلك ستسود المحسوبية!" وهذا الكلام خاطئ! فإن كانت المحسوبية بمعنى "أن يمُد المدير أواصر الصداقة مع الناس قاطبة ولا يغدُر بأصدقائه هؤلاء"، فهذا أمر جيد! فليس من المروءة في شِيَم الصداقة أن تنامَ شبعان وصديقك جائع. فإن رأى الناس المسؤولَ على جانب من الوداد والصداقة معهم ما يجعله يمتنع عن الطعام إن رأى جائعاً فسيتعاونون معه لتسيير أمور المنظمة أو المجتمع! إذاً الصداقة في الإدارة بهذا المعنى ليست أمراً سيئاً، بل هي رائعة أيضاً، فلماذا نضعها في الإدارة جانباً ونُحِلّ القواعد محلها؟!
  • جاء في رواية شريفة: «سَیِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ» (من‌ لا یحضره‌ الفقیه/ ج4/ ص378). فإن رأى الناس شخصاً يخدمهم بكل صدق وإخلاص وهو صبور فسيحبونه! 
  • إن مجال الإدارة هو مجال الحب؛ تماماً كالأسرة التي تُعد موطن الحب ويعبّر القرآن عن ذلك بهذه الآية الشريفة: «وَجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم/21). الأسرة ليست مكاناً لأن يأخذ كل واحد حقه من الآخر بالقوة! فليس من الممكن العيش بهذه الطريقة.
     

لإصلاح نفسك و"إدارة ذاتك" لا بد أن تحب نفسك!

  • لإصلاح النفس و"إدارة الذات" أيضاً لا بد أن يحب المرء نفسه. فينبغي أن تحب نفسك إلى درجة لا تضيعها هباءً ولا تسمح للعدو بالهجوم عليك وتوجيه الضربة إليك. انظروا كيف يربّينا الله عزّ وجل حيث يقول: «إِنَّ الشَّیْطانَ لَکُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً» (فاطر/6)، أي كن صديق نفسك وقف بوجه عدوك! فمن وقف بدون درع ورادع أمام عدوه ولم يضربه ولم يرصد حركاته فهذا يعني أنه لا يحب نفسه!
  • أحبب نفسك. فقد روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال لأهل الكوفة: أنا لم أفعل شيئاً لأجلكم، فما فعلته كان لأجل نفسي! لأني أريد إنقاذ نفسي يوم القيامة؛ «قالَ عَلِيٌّ(ع)‏ یَوماً: ما أحسَنتُ إلى‏ أحَدٍ قَطُّ! فَرَفَعَ النّاسُ رُؤوسَهُم تَعَجُّباً، فَقَرَأَ: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِکُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها» (نثر الدرّ/ ج1/ ص293).
     

المؤمن محب لنفسه والله يحب ذلك

  • إن المؤمن في الحقيقة محب لنفسه والله تعالى يحب أن يكون الإنسان محباً للمواهب التي وهبها الله له. روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَه‏» (غررالحکم/5204).
  • إن من البلايا الإلهية هي أن ينسى الإنسان نفسه! قال تعالى: «نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (الحشر/19). فإن نسيَ الإنسان نفسه، لم يَعُد يفعل شيئاً لمصلحته، بل سيُلحق الضرر بنفسه ولا يهمّه ذلك! فحين يرتكب المعصية، مثلاً، لا يتوب، وحين يسيء إلى نفسه لا يقول: «ظلمتُ نفسي». بل إن إحدى مواعظ أولياء الله لنا هي هذه العبارة: "يا لشدة قسوتك على نفسك! ما الذي جعلك قاسياً على نفسك؟"...
  • في الآونة الأخيرة أيضاً زاد الاهتمام في علم النفس بمفهوم "الشفقة" وأن عليك أن تحب نفسك. فلا ينبغي أن تلوم نفسك كثيراً وتقابلها بالكلام السلبي! وانظر إلى الجوانب الإيجابية في ذاتك! فلا ينبغي لأي أحد أن يحط من شأن نفسه. فإن الله سبحانه الذي يؤكد على التوبة إلى هذه الدرجة يريد في الحقيقة أن يقول لك: "هلُمَّ إليّ وتُب في رحابي وسأهبك شعوراً إيجابياً"، لا أن تنطوي على نفسك في وحدتك لتصاب بالماليخوليا!
     

من يعلم أنه عزيز عند الله فسيُكثِر من التوبة

  • لا بد أن يكون الإنسان إيجابياً تجاه نفسه وأن يحب ذاته. فمن القبيح جداً أن يقول المرء: "أنا إنسان تعيس، أنا قمامة، ولا فائدة ترجى مني أبداً، بل من غير المعلوم أبداً لماذا أنا على قيد الحياة؟ و...". ما هذه التُرّهات التي تتفوّه بها؟ لماذا تهين نفسك؟! أنت عزيز عند الله.
  • مَن ذا الذي يُكثِر من التوبة؟ الذي يعلم أنه عزيز عند الله. لاحظوا الرسائل التي يبعثها الله إلى المذنبين! كأن يقول: لا تحزن.. صحيح أن فيك معايب وأنك قد اقترفت ذنوباً، لكن لا يحق لأحد أن يغتابك ويريق ماء وجهك! ولذلك جاء في الرواية الشريفة: «الْغِیبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا» (الخصال/ ج1/ ص63).
     

لماذا عليك أن تحب نفسك في عملية إدارة الذات؟/ هل الأنانية سيئة؟!

  • لماذا عليك أن تحب نفسك في عملية إدارة الذات وتهذيب النفس؟ لأنك إن لم تحب نفسك فلن تسعى لضمان منافعك. يقال إن لفظة "خودخواهى" في اللغة الفارسية [التي تعني الأنانية، وأصلها حب الذات] لفظة سيئة، لكن لا وجود لهذا المعنى في اللغة العربية ولا في أدبياتنا الدينية. فما المراد يا ترى من قولنا: "حب الذات سيئ"؟ هل يعني أن أنبُذ نفسي وذاتي وأقول: "لأذهب إلى الجحيم"؟!
  • روي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال لشيعته: «فَتَنَافَسُوا فِي الدَّرَجَاتِ» (أمالي الطوسي/ ص296)، أي تسابقوا فيما بينكم لنيل أعلى الدرجات! أفلا يتطلب السباق والمنافسة حب الذات؟ وقال تعالى في الذكر الحكيم: «الَّذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیاةَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»(الملك/2)؛ أي: سأمتحنكم لأرى أيكم أفضل؟
  • وفي دعاء كميل أيضاً نخاطب الله تعالى بالقول: «...وَاجْعَلْنِي مِنْ أَحْسَنِ عَبِیدِكَ نَصِیباً عِنْدَكَ وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ وَأَخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَیْك‏» (البلد الأمین/ ص191). وفي كربلاء أيضاً كان ثمة فرق بين الشهداء، فقد كانت لأبي الفضل العباس(س) منزلة يغبطه عليها باقي الشهداء. 
     

من أراد أن يسوس نفسه فعليه أن يحبّها أولاً

  • من أراد أن يسوس نفسه فلا بد أن يحبها ويراها ثمينة قيّمة. لا تُصغِ إلى وسوسة إبليس الذي يهمس في أذنك: "أنت لن تصبح آدمياً!" وما إن تبدأ بالعبادة والتوبة حتى يوسوس لك إبليس الخبيث قائلاً: "دعك من هذا الأمر، فهل تتصور أنك بصلاة الليل هذه وغيرها تستطيع أن تصبح مثل الشيخ بهجت في غضون ليلة واحدة؟" اصفع إبليس صفعة قوية!
  • إن مبدأ "المحبة" يحظى بأهمية بالغة في الإدارة؛ فالمحبة هي الحب النابع من القلب. أفلا يغمر قلبَك الحبُّ من أن الله قد خلقك؟ قال تعالى: «هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَکُنْ شَیْئاً مَذْکُوراً» (الإنسان/1). فابتهجوا من نعمة وجودكم، وأحببوا أنفسكم كي تشكروا الله عزّ وجل أنْ منّ عليكم بنعمة الحياة عند سماعكم هذه الآية القرآنية الكريمة.
  • حين يخاطبك الله تعالى بهذه العبارة: "أيها الإنسان أنا الذي خلقتك!" أجبه بلهفة قائلاً: "روحي فداك يا رب! لك الشكر والمنة أن خلقتني...". والذي يقول في مثل هذا الموقف: "حسنا، ثم ماذا؟! لو شئتَ لما خلقتني!" يدل كلامه هذا على نفسية وخُلق متدنٍّ وخطير جداً. لا تنطق بمثل هذا الكلام أبداً!
     

لا بد أن تكون محبا لخلقتك لتقول: "ربِّ لك الشكر والمنّة أن خلقتني"

  • قال تعالى: «یا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ الَّذی خَلَقَکُمْ» (البقرة/21)، فلا بد أن تحب هذه الخلقة لتقول: "ربِّ لك الشكر والمنّة أن خلقتني". مَن الذي يستطيع أن يقول ذلك؟ إنه من كان محبا لخلقته!
  • قل: "رب أشكرك أن خلقتني، وأحبك لأنك تحبني إلى درجة لا تريد هلاكي إلى الأبد!" هذا الجلال والاحتفال والجمال ماثل في قلبك. يتساءل البعض: "أين الابتهاج في الدين؟!" إن هؤلاء لم يدركوا معنى هذا الابتهاج وهذه العظمة الناجمة عن حب الخلقة.
  • جاء في رواية شريفة: «الدِّینُ حُبورٌ» (غرر الحکم/67)؛ أي: الدين سرور قلب الإنسان. أتعلمون لماذا لا يقيم المتدينون الكثير من حفلات الفجور والرقص؟ لشدة شعورهم بالسرور والبهجة الباطنية، فلا يحتاجون أساساً إلى هذه السفاهات. الذين يشعرون بالحاجة إلى حقن أنفسهم بالسرور والفرح من الخارج يتجهون صوب اللهو واللعب. لكن الذي يشعر بالابتهاج من أعماق قلبه لا يشعر بالحاجة إلى هذه الأمور.
     

ثمة فرق بين حب الذات وحب "المطالَبات السيئة للنفس"

  • كن محباً لنفسك! الحب ضروري في إدارة الذات ولولا ذلك ستصبح "منفعلاً" وستكرر باستمرار قولك: "أي جانب من هذه النفس عسايَ أن أُصْلِح؟ إنها غير قابلة للإصلاح أبداً!"
  • وبالطبع هناك فرق بين حب الذات وحب "المطالَبات السيئة للنفس". فالبعض يحب المحبوبات السيئة والحقيرة ويفديها بنفسه. إن حبَّ الهوى هو السيئ والمرفوض، وإلا فإن نفسك عظيمة الشأن إلى درجة أن الله قد أقسم بها: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها» (الشمس/7). قسماً بمن خلق هذه النفس وهذه الروح الإنسانية رائعة!
  • يجب أن تحب نفسك وتقوم برعايتها، ولا تبيعها رخيصاً ولا تسمح بأن يسحقها الشيطان، فلا ينبغي أن تضيع ذرة منها هدراً. فما لم يحب الإنسان نفسه – بالمعنى الحقيقي للكلمة – لن يستطيع أن يهذّبها، ولذلك سيتركها لحالها.
     

يجب على الوالدين أن يُثبتا للطفل حبهما في السنين السبع الأولى من عمره

  • تُعَد المحبة مبدأً مهماً في الإدارة على مستوى الأسرة أيضاً. ففي السنين السبع الأولى من العمر، والتي يحاول الطفل اكتشاف ذاته فيها، يوصى الوالدان بأن يكونا كالعبيد أمامه ليشعر بأنه السيد. ورد في حديث نبوي شريف: «الْوَلَدُ سَیِّدٌ سَبْعَ سِنِینَ، وَعَبْدٌ سَبْعَ سِنِینَ» (وسائل ‌الشیعة/ ج21/ص476). فالويل للآباء والأمهات الذين يعجزون عن إثبات حبهم للطفل في السبعة الأولى من عمره! يجب أن يشعر هذا الطفل بمنتهى المتعة والبهجة!
  • بعض الأمهات تقول لولدها باستمرار: "لم أعد أحبك!" لماذا تهددين الطفل؟! هذا الكلام سيَعلَق في ذاكرة الطفل وسيحدّث نفسه: "هل أنا مخلوق بإمكان أمه أن تكرهه بهذه البساطة؟" لا تقولي هذا لطفلك أبداً. تودّدي إليه. قولي له عوضاً عن ذلك: "إنني لَأحبك، فلا تفعل هذا...". كرّري على مسامعه باستمرار عبارة: "أنا أحبك"، بحيث يمتلئ كيانه حناناً وعاطفة.
  • ثمة كلمات لسماحة الإمام الخميني(ره) في أن الأم إذا لم تُشبع الطفل بحنانها فسيصاب هذا الطفل بعقدة نفسية لن يمكن معالجتها في المستقبل. "الطفل الذي لم يتربَّ في حضن أمه ولم يذق طعم حبها وحنانها سيتعقد، وستصبح هذه العُقَد النفسية أم المفاسد كلها. وإن السرقات وجرائم القتل والخيانات كلها ناجمة عن هذه العقد" (صحیفة الإمام/ ج‌‌7/ ص445). يقال عن صدام إنه كان طفلاً يتيم الأب، نبذَته أمه بعد ولادته قائلة: "لا أريد هذا الطفل!" فعاش ثلاث سنوات تقريباً بعيداً عن أمه، حتّى وافقت على قبوله. حسناً، هذا الطفل الذي لم يذق طعم حنان أمه سيصبح قاتلاً بعد أن يشتد عوده، ويسفك الدماء ويرتكب الجرائم كشربة ماء. 
     

لا بد أن تكون حصة الزوجة والبنات من الحب في المنزل أكثر من الآخرين

  • للحب تأثير هائل في الأسرة! لا بد أن تكون حصة الزوجة والبنات من الحب في المنزل أكثر من الآخرين. روي عن الرضا(ع) أنه قال: «اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْإِنَاثِ أَرْأَفُ مِنْهُ عَلَى الذُّکُورِ وَمَا مِنْ رَجُلٍ یُدْخِلُ فَرْحَةً عَلَى امْرَأَةٍ بَیْنَهُ وَبَیْنَهَا حُرْمَةٌ إِلَّا فَرَّحَهُ اللهُ تَعَالَى یَوْمَ الْقِیَامَةِ» (الکافي/ ج6/ ص6).
  • ثمة أقوال عجيبة جداً عن المحبة في الأسرة. فعن رسول الله(ص) قوله: «یُؤتَى بِالرَّجُلِ مِن أمَّتي یَومَ القِیامَةِ وما لَهُ مِن حَسَنَةٍ تُرجى لَهُ الجَنَّةُ، فَیَقولُ الرَّبُّ تَعالى: أدخِلوهُ الجَنَّةَ، فَإِنَّهُ کانَ یَرحَمُ عِیالَه‏» (کنز العمال/ ج 16/ ص379).
  • وروي عن الإمام الصادق(ع): «مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِیَاءِ - صَلَّى اللهُ عَلَیْهِمْ - حُبُّ النِّسَاءِ» (الکافي/ ج5/ ص320). فإنّ حُبّ الرجل زوجته من أخلاق الأنبياء(ع)! وقد رُوي عن رسول الله(ص) أيضاً أنه قال: «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا یَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً» (الکافي/ ج5/ ص569).
     

على الأم أن توزّع "الحب" في بيتها كما يوزّع لاعبُ الوسط الكرةَ في الفريق

  • لا يكفي أن تتلقى الزوجة المحبة في الأسرة، بل يجب أن تكون الزوجة والأم كلاعب الوسط في فريق كرة القدم، فتوزع الحب في أرجاء البيت. ولا يجوز لها أن تتخذ موقفاً حقوقياً في تعاملها مع الأولاد، فتتصرف معهم كالقائد، بل يجب أن تخطف القلوب! كأن تقول للأولاد: "يا أولاد، إن فعلتم هذا الفعل فسيعتصر قلبي ألماً". وعلى الأب أيضاً أن يعلّم أولاده أن "لا تكسروا قلب أمكم". هذه الأمور هي أساسيات الأسرة.
  • على سبيل المثال حين يعود الرجل إلى المنزل يكون منهكاً في غالب الأوقات، بسبب المشاغل والنزاعات التي تعرض لها في خارج المنزل، لكن المرأة تتمتع بقدرة روحية عالية، وقد جاء في الرواية أنّ على الزوجة أن تظهر حبها لزوجها: «وَأَنْ‏ تَسْتَقْبِلَهُ عِنْدَ بَابِ بَیْتِهَا فَتُرَحِّبَ بِهِ» (مکارم ‌الأخلاق/ ص214). وجاء في رواية أخرى: «إِظْهَارُ الْعِشْقِ لَهُ بِالْخِلَابَةِ وَالْهَیْئَةِ الْحَسَنَةِ لَهَا فِی عَیْنِهِ» (تحف العقول/ ص323). فكم في وسع هذا السلوك بالذات أن يصلح حالَه! 
  • المحبة لها منزلة عظيمة في إدارة الأسرة. قال تعالى: «وَجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم/21). والمودّة هي تلك المحبة التي يظهر تأثيرها، والمقصود من الرحمة هو أن يرحم بعضهم البعض.
  • أيها الآباء المحترمون وأيتها الأمهات المحترمات! الأطفال يتعلمون مفهوم "الإمامة" من نمط سلوككم! إنهم من نمط رحمة الأم وحنانها يفهمون أن الإمام رحيم! ومن نمط رحمتها وحنانها يدركون أن الله رحيم ويحسنون الظن بالله.
     

حاكم المدينة الذي يأكل الشيشليك (الأضلاع المشوية) لا يتعاطف مع المحرومين

  • المحبة ضرورية لإدارة المجتمع أيضاً. فعلامَ يؤشّر موضوع الأرستقراطية؟ يقول مسؤول أو حاكم منطقة محرومة نسبياً: "أنا آكل الشيشليك وأعمل أيضاً!" حسناً، إن كنت مسؤولاً عن مدينة يعيش فيها أناس جياع فعملك هذا خطأ فادح. يجب أن تتعاطف مع هؤلاء الناس.
  • حين تنظر في روايات أهل البيت(ع) تدرك أن تولّي المسؤولية في المجتمع صعب للغاية. فمن يريد رغد العيش، أو حتى المستوى المتوسط منه، لا ينبغي أن يصبح مسؤولا. أنا في الحقيقة لا أخالف أن يتولى شخص ثري منصباً، لكن ليس من المروءة والإنصاف أبداً أن يستلم هذا الشخص راتبا أيضاً في مسؤوليته على الرغم من ثرائه!
  • ثمة فرق بين المسؤول وغير المسؤول، فقد استنكروا يوماً على الإمام الصادق(ع) عدم عَيشِه – كما يبدو - حياة في قمة الزهد والشظف، فكان مضمون ردّه(ع) أنه ليس مسؤولاً في المجتمع! 
     

لا يجوز أبداً لمن لا يطيق العيش كأضعف الناس أن يتولى مسؤولية!

  • من لا يطيق العيش كأضعف فرد في المجتمع فلا ينبغي أبداً أن يتولى مسؤولية! فمن يصبح مسؤولاً لا يستطيع على الإطلاق - بسبب حبه للناس - أن يعيش حياة رغدة ناعمة، حين يشاهد أن قسماً من الشعب يعيش حياة نكدة.
  • روي عن الإمام الصادق(ع) قوله: «أمَا عَلِمْتَ أَنَّ إِمَارَةَ بَنِی أُمَیَّةَ کَانَتْ‏ بِالسَّیْفِ وَالْعَسْفِ وَالْجَوْرِ وَأَنَّ إِمَارَتَنَا بِالرِّفْقِ وَالتَّأَلُّفِ وَالْوَقَارِ وَالتَّقِیَّةِ وَحُسْنِ الْخُلْطَةِ وَالْوَرَعِ وَالِاجْتِهَادِ فَرَغِّبُوا النَّاسَ فِي دِینِکُمْ وَفِیمَا أَنْتُمْ فِیهِ» (الخصال/ ج2/ ص355).
  • وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: «كَانَ عَلِيٌّ -عليه السلام- يُطْعِمُ النَّاسَ بِالْكُوفَةِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَكَانَ [له] طَعَام عَلَى حِدَةٍ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: لَوْ نَظَرْنَا إِلَى طَعَامِ أَمِيرِ الْمؤْمِنِينَ مَا هُوَ؟ فَأَشْرَفُوا عَلَيْهِ وَإِذَا طَعَامُهُ ثَرِيدَةٌ بِزَيْتٍ مُكَلَّلَةٌ بِالْعَجْوَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ طَعَامَهُ وَكَانَتِ الْعَجْوَةُ تُحْمَلُ إِلَيْهِ مِنَ الْمدِينَةِ» (الغارات/ ج1/ ص85)؛ أي كان الإمام علي(ع) يُطعم أهل الكوفة الخبز واللحم، وهو يتناول الخبز مع قليل من الزيت فقط.
     

حين يشاهد الناس زهد المسؤول في حياته، تسهُل أمور الحكم

  • «عن الأحنف بن قيس قال: دَخَلتُ على عَلِيّ (كَرّم اللهُ وجهه) وَقتَ إِفطارِهِ إِذْ دَعا بِجِرابٍ [كيس] مَختومٍ فيهِ سُوَيقُ الشَعير. قلتُ لَه: يَا أميرَ المُؤمنين، خفتَ أن يُؤخَذَ مِنهُ فَختَمتَ فيه؟ قالَ(ع): لا، وَلكِنّي خِفتُ أنْ يُلَيِّنهُ الحَسَنُ أَو الحُسَينُ بِسَمنٍ أو زَيت. قلتُ: هُما حَرامٌ عَليك؟ قالَ: لا، وَلكِنْ يَجبُ على الأئِمّة أَنْ يَغتَذوا بِغِذاءِ ضُعَفاءِ الناسِ وَأَفقَرِهِم، كَيلا يَشكُو الفَقيرُ مِن فَقرِهِ، وَلا يَطغَى الغَنِيُّ لِغِناه» (ينابيع المودة لذوي القربى/ ج١/ ص٤٤٧-448). إن الإمام(ع) في الحقيقة يسلط الضوء، من خلال هذا السلوك، على مبدأ إداري، إذ حين ترى الرعية حاكم المجتمع والمسؤول يتصرف بمثل هذا السلوك ستسهل أمور الحكم.
  • روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال لأهل الكوفة: «یا أهْلَ الْکُوفَةِ اِذا أَنَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِکُمْ بِغَیْرِ رَحْلي وَراحِلَتي وَغُلامي فَاَنَا خائِنٌ» (الغارات/ ج1/ ص68). وبتعبيرنا: لو وضعتُ من بيت المال طوبة فوق طوبة فأنا خائن. وإذا نعتَ علي(ع) مثل هذا الشخص بالخائن فماذا عسانا نفعل بهؤلاء الذين نراهم اليوم؟ 
  • وما عسانا نصنع بأحاديث أهل البيت(ع) هذه؟ الرجل ثري أساساً، فيتولى منصباً، ويستلم راتباً أيضاً! يخاطب أمير المؤمنين(ع) مالك الأشتر في كتاب له: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَکُونَنَّ عَلَیْهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُم‏» (نهج ‌البلاغة/ الكتاب53). الإمام(ع) يوصي بالرحمة بالرعية وحبهم واللطف بهم! ويوصي بحسن معاملتهم، (ويقول بتعبيرنا لا تهاجمهم كالذئب تأكل أموالهم وتنهبها).
  • ثم يقول(ع): » فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ وَإِمَّا نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ».
  • في أيام خلافة أمير المؤمنين(ع) جاءه رجل يهودي وأخذ يسأله أسئلة. فأمسك الإمام(ع) بيده وأخذ يجيبه وهو يكرر قوله: »یا أخ الیهود... یا أخ الیهود...»! فلماذا كان يتعامل معه هكذا يا ترى؟ لأنه كان مسؤولاً في المجتمع ويجب عليه أن يُحسن معاملة الجميع. 
  • هذه المواضيع مواضيع تقنية في حقل الإدارة. إنها ليست مواضيع أخلاقية أو مبدئية أو دينية أو ثورية. فما الثورة والدين أساساً إلا العقلانية، وما الأخلاق أيضاً – إن كانت حقاً أخلاقاً – إلا العقلانية. فلا نقولَنّ: هذه مسائل أخلاقية في الإدارة، ثم نضع الأشخاص في أُطُر الإدارة غير العقلانية، ونسحق شخصيتهم!
     

الإمام الباقر(ع): ينبغي أن يتصف المدير بهذه الصفات الثلاث...

  • روي عن الإمام الباقر(ع): «إِنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِرَجُلٍ فِیهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: وَرَعٌ یَحْجُزُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ» (الخصال/ ج1/ ص116)، فلا بد أن يتمتع المدير بقدرة ضبط النفس، وأن يكون قد تمكّن من أن يسوس نفسه قبل توليه الإدارة! ثم يقول(ع): «وَحِلْمٌ یَمْلِكُ بِهِ غَضَبَهُ»، أي على المدير أن يتمتع بالحلم حتى لا يغضب، ولولا ذلك سيَعمَى ويَصَمّ، وسيعجز عن التخطيط والبرمجة، والمعاملة الصحيحة، والفهم الصائب. ثم يتابع(ع): «وَحُسْنُ الْخِلَافَةِ عَلَى مَنْ وُلِّيَ حَتَّى یَکُونَ لَهُ کَالْوَالِدِ الرَّحِیمِ»، فلا بد أن يكون الوالي في منتهى الرحمة كالوالد الرحيم!
  • إن لم يكن المسؤول والمدير في المجتمع رؤوفاً رحيماً كالوالد فلن يتوفق في أمر إدارته. فيا أيها الناس، هل ترون اليوم المحافظين والحُكام ونواب البرلمان والوزراء ورؤساء البلدية وجميع المسؤولين في المجتمع كالأب الرؤوف؟ وهل تعُدّون "أئمة الجمعة" أيضاً كذلك؟ (فإمامة الجمعة في النهاية منصب أيضاً).
  • الإمام علي(ع): على المسؤولين أن يتشبّهوا في المأكل والملبس بأضعف أفراد المجتمع 
  • قال أمير المؤمنين(ع): «ولکِن عَلى أئِمَّةِ الحَقِّ أن یَتَأَسَّوا بِأَضعَفِ رَعِیَّتِهِم حالاً فِی الأَکلِ وَاللِّباسِ» (تذکرة ‌الخواص/ ص110). يجب على المدير الصالح ومن كان في طريق الحق من المديرين أن يتأسى بأضعف رعيته في المأكل والملبس. (ولكن انظروا اليوم إلى الأموال الطائلة التي ينفقها البعض على ثيابه وبدلته!)
  • ثم يقول(ع): «ولا یَتَمَیَّزونَ عَلَیهِم بِشَي‏ءٍ لا یَقدِرونَ عَلَیهِ؛ لِیَراهُمُ الفَقیرُ فَیَرضى عَنِ اللهِ تَعالى بِما هُوَ فیهِ، ویَراهُمُ الغَنِيُّ فَیَزدادُ شُکراً وتَواضُعاً». فلا ينبغي على المسؤول أن يرتدي ثياباً يعجز أضعف الناس عن توفيرها لنفسه! والمفروض أن يقول الفقير حين يراهم: ربِّ إني راض بما قسمت لي وجعلت مثل هذا الشخص مسؤولاً علي. وكذلك أن يشكر الأثرياء ربهم عند رؤيتهم لهذا المسؤول ويقولون: لك الحمد يا رب على النعم والإمكانات التي أنعمت بها علينا ونستطيع أن ننتفع منها. (بينما لا يستطيع هذا المسؤول أن يستفيد من هذه الإمكانات).
     

إن كنت لا تحتمل شظف العيش فلا تسمح لوالدك أن يرشح نفسه للبرلمان أو الوزارة!

  • لتعلم عوائل المسؤولين وليعلم أولادهم أنه إن كنتَ لا تحتمل شظف العيش فلا تسمح لوالدك أن يرشح نفسه للبرلمان! أو لا تسمح له بأن يصبح وزيراً. أيتها السيدات! إن كنتن لا تطقن الحياة الصعبة وتردن حياة عادية ومتوسطة على مستوى حياة طلاب العلوم الدينية، فلا تسمحن لأزواجكن لأن يصبحوا حتى أئمة جمعة.
  • يقول الفاضل نجل المرحوم "أبوترابي"، الأسير المحرَّر: حين كان المرحوم والدي نائباً في البرلمان جاءه رجل من الأسرى المحرَّرين أو من المضحّين وقال له: "أريد قرضاً لأَبني به بيتي". فأجابه الوالد: "سأكتب لك كتاباً للمصرف حتى يعطوك قرضاً". لكن الرجل قال: "المصرف يقرض المبلغ حتى من دون كتابك، لكني لا أستطيع توفير المال الكافي لتشييد بناء البيت حتى السقف الأول حتى أستحق هذا القرض!"
  • ثم أضاف نجل السيد أبوترابي: صرنا نلاحظ، لمدة من الزمن، أن الوالد بات يعود إلى البيت ليلاً أو في وقت السحر وهو منهك مُغبَرّ الثياب. وبعد التحري عن الأمر عرفنا أنه كان يذهب إلى ذلك الرجل المُضَحّي ويعمل له بَنّاءً ليساعده في بناء بيته... هذا يعني أنه يقول في ذات نفسه: ينبغي عليّ أن أتحمل هذه المصاعب لأجل الناس بعد أن أصبحت نائباً عنهم.
  • يا هذا، أنت الذي أصبحت مسؤولاً ورئيساً على منطقة ما، إذا لم تواسِ فقراء المنطقة بعيشك فقد أخطأت بتولّيك الرئاسة! مَن الذي روّج لهذه الحياة الأرستقراطية أساساً؟ وما هذه بقضية أخلاقية، بل هي للحد من أكل الريع.
  • دخل طلحة والزبير على أمير المؤمنين(ع) يوماً، متأمّلَين بقاء ما كان لهما معه من علاقة صداقة قبل خلافته(ع). لكن حينما شاهدا الإمام(ع) قد أطفأ الشمعة، التي كانت من بيت المال (لأنهما جاءاه لأمر خاص)، انزعجا وأضمرا له الحقد، وحارباه وحاولا قتله.
  • سماحة الإمام الخميني(ره) كان قد ازداد زهداً منذ أن تولّى إمامة الثورة الإسلامية. بل وقبل انتصار الثورة، حينما كان يعيش في النجف الأشرف، وفي جو العراق الحار ذاك، كانوا قد أحضروا له مروحة. لكن سماحته قال لهم: أطفئوها، أَوَيملك جميع أفراد شعبنا في إيران مروحة يا ترى؟!
     

المدير المحب يخلق الوفاق بين الناس/ والمعلم المحب أيضاً يزرع الوفاق بين تلاميذه

  • ثمة قصص من حياة سماحة السيد القائد (حفظه الله) إن سرَدتُها لكم فسيتصور الكثير أن فيها مبالغة. فسماحته يمتنع عن تناول الكثير من الأطعمة، حتى بعض الأطعمة العادية التي يستطيع غالبية أفراد الشعب توفيرها وتناولها. وحين يكون حاكم الأمة على هذا المستوى من الالتزام فلا بد أن يكون مُحباً للرعية ويستطيع خلق الوفاق والوئام بينهم. 
  • الأم المُحِبّة تخلق الوفاق والألفة بين أولادها، والمعلم المُحِب يزرع الوفاق بين تلاميذه. هذا الوفاق هو المبدأ الأول، أو المهم جداً لبلوغ النجاح المستتب.
  • حين تقترن الإدارة بالمحبة ستخلق الألفة والمودة بين القلوب. اليوم تجلّى جانب من الإدارة الولائية في زيارة الأربعين.. انظروا العظمة! يتفانى الناس لأجل بعضهم البعض. إنكم لتشاهدون الجنة في مسيرة الأربعين الراجلة هذه.. تشاهدون فيها ما يُقال عن زمان ظهور صاحب العصر(عج)؛ حيث يضحي الناس من أجل بعضهم البعض.

تعليق