الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

15/10/25 چاپ
 

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني(الجلسة التاسعة والعشرين)

إليك ملخّص الجلسة التاسعة والعشرين من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» حيث ألقاها في ليالي شهر رمضان المبارك عام 1434هـ. في مسجد الإمام الصادق(ع) في مدينة طهران.

مرور على ما سبق/ لقد تمّ تصميم حياة الإنسان وخلقته بحیث تفرض الدنيا علينا بعض المعاناة وكذلك قد انطوى وجودنا على بعض العناء

  • في هذه الجلسة والتي هي الجلسة الأخيرة من ليالي شهر رمضان، في البداية نستعرض موجز الأبحاث المطروحة في الجلسات السابقة، ثم ننتهي إلى ذكر عدد من الطرق العملية والقواعد التنفيذية لإدارة عملية جهاد النفس.
  • لقد ذكرنا أن فلسفة خلق الإنسان هي: 1ـ أن يرشد ويتكامل عبر الشدّة والعناء. 2ـ بغض النظر عن فلسفة خلق الإنسان والهدف منه، تركيبة وجود الإنسان تفرض عليه العناء، إذ قد انطوى وجود الإنسان على عدّة رغبات متعارضة، ولذلك فلا سبيل للإنسان لتلبية جميع رغباته. 3ـ لقد جعلت حياة الإنسان في بيئة متزاحمة مع كثير من أهواء الإنسان، ولذلك فمن المحال أن لا تواجهوا طيلة حياتكم بعض الأشخاص الذين لم يسيئوا إليكم لسوء تفاهم.
  • لقد تمّ تصميم حياة الإنسان وخلقته بحیث تفرض الدنيا علينا بعض المعاناة وكذلك قد انطوى وجودنا على بعض العناء. فسواء علينا أسلكنا طريق الهدى صوب الله أم لا، فلابدّ من المعاناة (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فی‏ کَبَد) [بلد/4]

إن كان لابدّ من تحمّل العناء في الدنيا، فلابدّ من إدارة المعاناة/ لابدّ أن ندير المعاناة وفقا لبرنامج في جهاد النفس

  • بعد أن عرفنا أن لابدّ من المعاناة في الحياة الدنيا، ننتهي إلى هذه النتيجة وهي أنه يجب إدارة هذا العسر والعناء، في سبيل أن: 1ـ نقلّل من هذه المعاناة بقدر المستطاع 2ـ نحظى بأفضل نفع من مقاساة هذه المشقّة 3ـ نحقّق الهدف المنشود من هذه المعاناة ولا نكون مصداقا لقوله: (خَسِرَ الدُّنْیا وَ الْآخِرَه) [الحج/11] يعني أن لا نكون بحيث نتحمّل كل هذا العناء ثم لا نكسب أي شيء ولا يكون لنا في الآخرة من خلاق. لذلك لابدّ أن نتجهّز ببرنامج لإدارة المعاناة وفقا لبرنامج في جهاد النفس.
  • إن برنامج جهاد النفس وإدارة المعاناة والصعوبات لهو الطريق الوحيد في حياة الإنسان. وهو يشمل جميع مراحل حياة الإنسان من بدايته إلى نهايته. أما باقي المفاهيم والوصايا والبرامج فهي إما مقدّمته أو أجزاؤه أو نتيجته.
  • الإيمان يشحننا عزما على جهاد النفس. وأما هدف جهاد النفس فكسب الصلاح ورشد المواهب وتعادل الروح وكثير من الفوائد الدنيوية والأخروية والمادية والمعنوية، أما الهدف الأرقى والأسمى من جهاد النفس فهو «الاستعداد والتأهّل للقاء الله».

إن أدرنا عملية جهاد النفس وفقا لرغبتنا وتشخيصنا، فإننا في الواقع قد اتبعنا هوى نفسنا/ لا يتحقّق جهاد النفس بلا أوامر

  • بعد ما عرفنا ضرورة إدارة هذه المعاناة، وعرفنا أن جهاد النفس هو في الواقع حقيقة مهمّتنا لإدارة المعاناة في الدنيا، فهنا إذا أردنا أن ندير عملية جهاد النفس وفقا لرغبتنا وتشخيصنا، فقد رجعنا في ورطة اتباع الهوى. إذ قمنا بجهاد نفسنا بأمر من نفسنا وهذا نقض للغرض، فلا ترتفع أنانية النفس وكبريائها عبر هذا الأسلوب.
  • ليس من شأن أيّ معاناة وأيّ جهاد للنفس أن يطهّر الإنسان ويزيل عنه لوث الكبر. فإننا إن جاهدنا أنفسنا وفقا لرغبتنا، فسوف تكبر نفسنا وتسمن. وهذا يعني إذا أردنا أن نجاهد أنفسنا فلابدّ أن يأمرنا شخص آخر وإلا فيصبح جهادنا بلا فائدة. ولذلك تفضّل علينا الله وأمرنا عن طريق أنبيائه. لماذا نقول أن الله تفضّل علينا في إصدار أوامره؟ لأن كثيرا من الأعمال الصالحة التي أمرنا الله بها، هي من الأعمال التي كان بإمكاننا أن نشخصها وندرك حسنها حتى ولو لم يأمرنا الله بها، مثل التصدق على الفقير، ولكن الله قد تفضّل علينا وأمرنا بذلك لكي لا تكبر أنانيّتنا، إذ لو كانت نفسنا هي المحور في تشخيص الصحيح عن الخطأ وكانت هي صاحبة الرأي في تربيتنا، لملئت كبرا وطغيانا.

نحن نودّ أن نتعاظم ونزداد قدرا، ولكن لا سبيل إلى تلبية هذه الرغبة إلا بـ «الاتصال بالعظيم»/ طريق الاتصال إلى الله هو التواضع والعبودية

  • هنا انتهينا إلى مفهوم العبودية الرائع. فيدخل هذا المفهوم في موضوع إدارة جهاد النفس. إذا أردنا أن نتصل بالله العظيم والمتكبّر فلابدّ لنا أن نتواضع أمام كبريائه. نحن نودّ أن نتعاظم ونزداد قدرا، ولكن لا سبيل إلى تلبية هذه الرغبة إلا بـ «الاتصال بالعظيم». مثل الإمام الخميني(ره) الذي بلغ العزّ والعظمة عبر التواضع والتذلل إلى الله، وإلا فإن أردنا أن نلبّي هذه الرغبة عن طريق آخر، سينتهي حالنا إلى الكبر ونصبح متكبّرين بحيث نحرم استشمام ریح الجنة؛ «مَن ماتَ و في قَلبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن کِبرٍ لم یَجِدْ رائحَةَ الجَنَّةِ» [أمالي الشيخ الطوسي/ص537]

تزهق أنانيتنا عبر اتباع وليّ الله/ الولاية هي المفهوم الثاني في مسار عملية جهاد النفس/ التقوى هي برنامج لجهاد النفس

  • بعد ما أقرنا بضرورة أمر الله في عملية إدارة جهاد النفس، هنا يتبلور مفهوم رئيس ومبارك باسم «الولاية». لأن الله لا يصدر جميع أوامره بشكل مباشر، بل من أجل أن تذلّ نفسنا واقعا، يصدر بعض الأوامر وليّ الله. فهنا تزهق أنانيّتنا باتباع ولي الله. لأن من طبيعة الإنسان أن يصعب عليه إطاعة بشر مثله، إلّا أن الله قد سهّل علينا إطاعة وليّه إذ قد اختار أفضل خلقه وأحسنهم وأفضلهم وأجملهم وليّا له.
  • إذن المفهوم الأول الذي نواجهه في مسار إدارة جهاد النفس هو «العبودية»، والمفهوم الثاني هو «الولاية». ثم يأتي دور البرنامج في جهاد النفس والذي يتمثّل في أوامر الله ونواهيه والذي يسمّى بـ «التقوى».

الطرق العملية لجهاد النفس/ يرتكز جهاد النفس على ركنين: 1ـ ترك الشهوات 2ـ الصبر على المكاره

  • وأما في تكملة البحث، نقف عند الطرق العملية لجهاد النفس ونعرّف عددا من القواعد التنفيذية لإدارة هوى النفس. يرتكز جهاد النفس على ركنين، ولابدّ من مراعاتهما معا: الأول: ترك الشهوات والثاني: الصبر على المكاره.
  • قال الإمام الصادق(ع) لأحد أصحابه: «بِحَقٍّ أَقُولُ‏ لَکُمْ‏ إِنَّکُمْ‏ لَا تُصِیبُونَ‏ مَا تُرِیدُونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ وَ لَا تَنَالُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَکْرَهُونَ» [تحف العقول/ص305 و أمالي المفيد/208]

ترى بعض الناس مستعدّين لترك الذنب والشهوات، ولكنهم غير مستعدّين للصبر على البلاء والمصائب/ بإمكان الإنسان أن يحلّق بجناحي «ترک الهوی» و «الصبر في البلاء»

  • ترى بعض المتدينين مستعدّين لترك الذنب والشهوات، ولكنهم غير مستعدّين للصبر على البلاء والمصائب. ومن جانب آخر ترى بعض الناس مستعدّين للصبر على البلاء ولكنهم غير مستعدّين لترك المعاصي. في حين أنه لابدّ من حفظ هذين الركنين معاً لكي يُنتِجا. إذ بإمكان الإنسان أن يحلّق بجناحين؛ أحدهما هي أن يترك الهوى والهوس ويكفّ عن الذنوب والأخرى هي أن يصبر على البلاء إذا نزل به.
  • سئل الحاج دولابي(ره) أن يعطي وصفة للسير والسلوك إلى الله، فقال: لا حاجة إلى وصفة «فاذهبوا وارضوا» بما قدّر الله لكم! إذ قلّما تجد راضيا بين الناس. نفس هذه الأعمال الصالحة التي نقوم بها وما نمارسه من مراقبة في ترك الذنوب، إن دمجناها بالرضا، فسوف تعيننا على الإقلاع والتحليق بهذين الجناحين.
  • الصبر على المكاره جهاد للنفس في حدّ ذاته. مجرّد رضا الإنسان وعدم شكواه مع نفسه من المصائب والمكاره، يحسب جهادا للنفس. فقد يبتلى الإنسان ببعض المشاكل ولكن يحافظ على بسمته في داخله ومع ربّه، فهذا جهاد للنفس أيضا وممّا يكسب رضا الرحمن. لأن الله يعلم جيّدا مدى معاناة عبده في هذه المشكلة، ولكنه يراه راضيا عنه وشاكرا له.
  • لقد كان الإمام الحسين(ع) في يوم عاشوراء محافظا على رضاه عن الله، ففي إحدى هذه المواقف العظيمة جدّا على قلبه، في تلك اللحظة الذي ذبح فيها طفله الرضيع في يده، رمى بدم عبدالله الرضيع إلى السماء وقال: «هونٌ‏ عَلَيَّ‏ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَیْنِ‏ اللَّه» [اللهوف/ص117] فقد جسّد الإمام أحد أعظم مصاديق قوله تعالى: (ارْجِعي‏ إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّة) [الفجر/28].

يجب أن يكون جهاد النفس دأب الإنسان يوميّا وفي كلّ حال

  • قال أمير المؤمنين(ع): «وَ مَنْ أَرَادَ إِصْلَاحَ‏ حَالِهِ‏ وَ سَلَامَةَ نَفْسِهِ فَلْیَجْعَلْ دَأْبَهُ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ عِنْدَ کُلِّ حَالٍ» [إرشاد القلوب/ج1/ص98] يجب أن يصبح جهاد النفس دأب الإنسان يوميا وفي كلّ حال، بحيث لا يغفل عن هذا الأمر لحظة واحدة.

إن جهاد النفس عملية مستمرّة وهي باقية إلى آخر العمر

  • سئل الإمام الصادق(ع): «أَیْنَ طَرِیقُ‏ الرَّاحَةِ؟ فَقَالَ ع: فِي خِلَافِ الْهَوَى. قِیلَ: فَمَتَى یَجِدُ عَبْدٌ الرَّاحَةَ؟ فَقَالَ ع عِنْدَ أَوَّلِ یَوْمٍ یَصِیرُ فِي الْجَنَّة» [تحف العقول/ص370] وهذا يعني أن جهاد النفس عملية مستمرّة وهي باقية إلى آخر العمر. يعني مادام الإنسان يعيش في هذه الدنيا فيجب أن يخالف هواه دائما، ولا فرق بين أن يكون في المراحل الابتدائية أو في المراتب العالية. فحتى العرفاء ورجالنا العظام كانوا يجاهدون أنفسهم إلى آخر عمرهم، طبعا كلّ بحسبه وبمقتضى درجته ومستواه.

حديث قدسي: إِذَا عَلِمْت‏ أَنَّ الْغَالِبَ‏ عَلَى عَبْدِيَ‏ الِاشْتِغَالُ بِي نَقَلْتُ‏ شَهْوَتَهُ‏ فِي مَسْأَلَتِي وَ مُنَاجَاتِي/ إن ذكر الله ومناجاته من اللذة والحلاوة بمكان بحيث يملأ فراغ لذة الشهوات

  • قال النبي(ص): «قَالَ اللهُ تَبَارَك وَتَعالَى إِذَا عَلِمْت‏ أَنَّ الْغَالِبَ‏ عَلَى عَبْدِيَ‏ الِاشْتِغَالُ بِي نَقَلْتُ‏ شَهْوَتَهُ‏ فِي مَسْأَلَتِي وَ مُنَاجَاتِي فَإِذَا کَانَ عَبْدِي کَذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ یَسْهُوَ حُلْتُ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ أَنْ یَسْهُوَ أُولَئِكَ أَوْلِیَائِي حَقّاً أُولَئِكَ الْأَبْطَالُ حَقّاً أُولَئِكَ الَّذِینَ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُهْلِكَ الْأَرْضَ عُقُوبَةً زَوَیْتُهَا عَنْهُمْ مِنْ أَجْلِ أُولَئِكَ الْأَبْطَال» [عدة الداعي/ص250]
  • إن سعيتم قليلا وانشغلتم بعملية جهاد النفس وجعلتم ذلك همّا لكم، سوف ترون حسن تعامل الله معكم ومدى لطفه بكم. فلنسأل الله أن يجعلنا من الذين غفلوا عن شهواتهم وانشغلوا بذكره. إن ذكر الله ومناجاته من اللذة والحلاوة بمكان بحيث يملأ فراغ لذة الشهوات.
  • سأل أحد الأشخاص رسول الله(ص): «فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ کَیْفَ‏ الطَّرِیقُ‏ إِلَى‏ مَعْرِفَةِ الْحَقِ‏ فَقَالَ ع مَعْرِفَةُ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ کَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْحَقِّ قَالَ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ قَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَکَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى رِضَاءِ الْحَقِّ قَالَ سَخَطُ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَکَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى وَصْلِ الْحَقِّ قَالَ هَجْرُ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَکَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى طَاعَةِ الْحَقِّ قَالَ عِصْیَانُ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَکَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى ذِکْرِ الْحَقِّ قَالَ نِسْیَانُ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَکَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى قُرْبِ الْحَقِّ قَالَ التَّبَاعُدُ عَنِ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَکَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى أُنْسِ الْحَقِّ قَالَ الْوَحْشَةُ مِنَ النَّفْسِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ کَیْفَ الطَّرِیقُ إِلَى ذَلِكَ قَالَ الِاسْتِعَانَةُ بِالْحَقِّ عَلَى النَّفْس» [عوالي اللئالي/ج1/ص246]
  • دعاؤنا في آخر شهر رمضان هو أن نقول: اللهم انصرنا على أنفسنا وأعنا في مخالفة هوى نفسنا.  

تعليق