الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۰۰/۰۲/۰۲ چاپ
 

ما هو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟ (المحاضرة21)

المعصية ليست عصيان الله فقط، بل هي عصيان الرسول(ص) أيضًا/ "إطاعة الرسول" تكرّرتْ في القرآن الكريم أكثر من "إطاعة الله"/ ما مصير "إطاعة الرسول والإمام" في زمان الغيبة؟

  • المكان: طهران، مسجد الإمام الصادق(ع)
  • الزمان: 26/أيار/2019 ـ 20/رمضان/1440
  • الموضوع: ماهو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟

ما الحكمة من وجود النبي؟ هل هو "رسول من الله" وحسب؟! فَهْم عامة الناس للرسول - في العادة – هو أنه الشخص الذي يأتي ببلاغ من الله تعالى ولا غير، وهو فَهْم خاطئ! فالموضوع المحوري للدين هو "الأمر"، وإن الحكمة من وجود النبي هو كونه "قائدًا: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله» (النساء/64).

 

يمكن لموضوعَي الطاعة والمعصية أن يشكّلا أكبَر شاغل لنا في الحياة

  • لو فَهِم الناس مسألة الطاعة والمعصية فهْمًا صحيحًا لشكّلَ "تنفيذُ الأوامر" حقًّا أكبر شاغل مُمتع للإنسان، بل الشاغل الممتع الوحيد له. أي سيكون شغل الإنسان الشاغل أو أنسُه في الحياة هو تساؤلاته: "الآن ما هي الأوامر؟ أَنَفّذتُ الأوامرَ أم لا؟"
  • إن لموضوع الطاعة والمعصية من الجاذبية ما يجعل الإنسان مُولَعًا به متوَلِّهًا بالأوامر؛ بالضبط كالمُقامِر الذي يكون للفوز عنده من السِحْر ما يجعله مستعدًّا لخسران كلِّ مالِه في سبيله! أو كمُدمِني الألعاب الإلكترونية إذ أنها تشغَلُهم وتُلهيهم إلى درجة أنهم ينسون معها كل شيء ويقضون معها كل أوقاتهم.
  • إنه ليتعيَّن حقًّا النظر إلى موضوع الطاعة والمعصية "كأكبر شاغل" للإنسان. وهل من المعقول أن يكون هذا الموضوع محور القرآن الكريم ثم يكون قليل اللذة والإثارة للناس؟! كل ما في الأمر أن جاذبية الطاعة والمعصية ليست واضحة كل الوضوح، وهي لا تُدرَك ابتداءً؛ بل – على العكس – قد تبدو في البداية مُرّة ومدعاةً لفرار الناس منها.


لكي يحظى "الذنبُ" عندنا بأهمية لا بد "للأمْر" أوّلًا أن يشكّل عندنا موضوعًا مهمًّا

  • إنْ أحببنا أن نجعلَ من "الذنب" موضوعًا مُهمًّا عندنا فمن الواجب علينا، قبل ذلك، أن نحوّل موضوعَ "الأمر" لدينا إلى موضوع ذي أهمية. وإنّ مَن يكون طالبَ منفعة، ومُمنهِجًا لحياته، وأهلَ منافَسة، ويُقرّ بقيود الدنيا، ويؤمن بعالم الآخرة والمعاد يكون على استعداد كبير لامتثال الأوامر. على سبيل المثال إنّ الملتفِت إلى أنّ في الدنيا أخطارًا كثيرة تتهدّدُه وأنها أشبه بحقل الألغام، من الطبيعي أن يطيع أوامرَ مَن يريد أن يجتاز به هذه المخاطر.
  • وصَلنا في بحثنا في المحاضرات الفائتة إلى أن الإنسان، بدافع طلبه للمنفعة، يفتش عن منهاج يُعِينُه على بلوغ أفضل منافعه وأسماها في هذه الدنيا المليئة بالأخطار والمعضلات، وإن أعلى منفعة للإنسان هو الله نفسُه. حينذاك سيكون هذا الإنسان مستعدًّا لامتثال الأوامر، ومن ثم يصبح "عاشقًا" أيضًا بشكل تدريجي.


يأخذ الإنسان بالتفتيش عن أوامر الله إذا استيقظ حِسُّ العبادة فيه

  • نريد أولًا أن نُقنع الشخص بامتثال الأوامر، حتى إذا اقتنع بذلك صارَ هو مُحِبًا للأوامر. وإنما سيحب الأوامر إذا استيقظ في داخله "حسُّ العبادة"! إذ من الطبيعي أن يأخذ الإنسان بالتفتيش عن الأوامر إذا استيقظ فيه هذا الحس؛ أي إن هذا الإنسان نفسَه، الذي كان يحب أن يفعل ما يحلو له انقيادًا لهواه، بل وكان حاضرًا لأن يفرّط بمنافعه كي لا يمتثل الأوامر، صارَ - أولًا - مستعدًّا لطاعة الأوامر حفظًا لمنافعه. ثانياً حينما استيقظ حسّ العبادة في داخله صار هو محبًّا لأوامر الله، قائلًا: "إلهي، مُرْني؛ فأمرُك هو الهواءُ الذي أتنفّسُه، والحبّ (الذي أحيا به)...".
  • فإنْ تولّدَ هذا الحس الجميل (حس العبادة) في الإنسان، ومن أجل ترسيخه في أعماقه نقول له: "إنك إن لم تعبد الله، عبدتَ غيره!" إن أبغضَ الأمور هي أن يعبد المرءُ غيرَ الله، وهذا أمر لا مَفَرّ منه بالنسبة إلى من ليس هو عبدًا لله؛ أي إن من لا يعبد الله عز وجل سيعبد غير الله حتمًا. والمؤسِف أن هذا الموضوع البالغ الحساسية مفقود في مناهجنا لتعليم الدين.


العبودية للطاغوت هي أن يكون المرء عبدًا لمن يجور عليه!

  • نحن نظن أنه ثمة طائفة من الناس عبيدٌ لله، وطائفة أخرى ليسوا عبيدًا له ولا يعبدون شيئًا قط! والحال أن الطائفة الثانية يعبدون إبليس والطاغوت، أي إنهم "عَبَدة الطاغوت". والعبودية للطاغوت هي أن يكون المرء عبدَ مَن يجورُ عليه!
  • العابد لله تعالى إذا هدّدَه اللهُ بالنار لجأ إلى الله نفسِه فرارًا من عذابه؛ أي إنه سيتوجه إلى الله أكثر بدلًا من أن يفر منه. وماذا يصنع عبد الطاغوت؟ حينما يجور عليه الطاغوتُ، والطاغوت مجرم متجبّر، يلتجئ هذا العبد إلى سيده الطاغوت ويلتصق به أكثر قائلًا: "أرجوك أن تخفّف من ظُلمَك لي! ونَهبِك لممتلكاتي!" فكلما تقرّبتَ منه أكثر ازداد نهبًا لممتلكاتك! فأنت تعلم أنه لا شرف له!
  • إنك عبدٌ لله سبحانه؛ وإنْ هدّدك الله بنار جهنم لجأتَ إليه هو وناجيتَه. وهناك من هم عَبَدة للطاغوت، عبدة لأمريكا، ولبريطانيا.. إن تُهدِّدْهم أمريكا تراهم يلوذون بها من جديد! وهذا تحديدًا هو ما نسميه عبادة الطاغوت!


المناهج التربوية القرآنية تتّجه نحو جَعْلِنا نتقبّل "امتثال أمر الله"

  • نمط تعامُل الله عز وجل في كتابه العزيز يتمثل في توجيه الأوامر الشديدة والتكلّم معنا بأسلوب صارم جدًّا لكي نقبل بالعبودية له تعالى؛ أي إنه تعالى يطبّق في قرآنه الكريم مناهج تربوية تجعلنا نقبَل طاعةَ الله. فإن نحن لم نقبل بعبودية الله، وقعنا فريسةَ صرامةِ كلام الطاغوت فنقبل بعبودية الأخير.
  • يستهلّ الله عز وجل كلامه في قرآنه الكريم بالقول: إن كنتَ من المراقبين لأنفسهم ومن المتقين فسيهديك هذا الكتاب: «ذلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين» (البقرة/2). ثم يخلُق الله - في كتابه - للإنسان ظروفًا بحيث لا يرى الأخير فيها إلا شيئًا واحدًا هو الأهم عنده، وهو أمرُ الله، وأن عليه امتثالَه، والاحتراس لئلا يعصي ربه.


المرحلة الأولى: إطاعة الله/ المرحلة الثانية: أن نطيع رسول الله(ص) أيضًا

  • كل ما ذكرناه في المحاضرات الفائتة من خصائص كان مقدمة للوصول إلى موضوع اسمه "أوامر الله" والاحتراس من معصية الله عز وجل. فإن بلغْنا مرحلة إطاعة الله، واستيقظ فينا حس عبادته تعالى، وهو حس فطري عميق للغاية، وصرنا عبدةً له عز وجل نكون قد وصلنا إلى المرحلة الثانية.
  • المرحلة الثانية هي أن نطيع رسول الله(ص) أيضًا. وهل يُبلّغ الرسول(ص) شيئًا غير أوامر الله تعالى؟ أجل، إن للنبي(ص) نفسِه أوامر خاصة يوجّهها لنا. فالإنسان الذي تكبّدَ المعاناة تلو المعاناة حتى اقتنع بطاعة الله، يقول الله له الآن: «أَطيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ» (النساء/59)!
  • يقول تعالى: «أَطيعُوا اللهَ»، لكن من أين لي أن أعلم ما الأمر الذي أمر الله به؟ أَعلَم ذلك استنادًا إلى كلام الرسول(ص)! إذن «أَطيعُوا اللهَ» يعني ذلك الجزء من كلام رسول الله(ص) الذي يبلّغنا إياه، والذي يتضمن أوامر الله عز وجل.
  • «أَطيعُوا الرَّسُولَ» يعني أن النبي(ص) أيضًا يُصدِر أوامر غير أوامر الله، ألا وهي أحكام الحاكم. فإنّ الأمر القائل: "أقيموا الصلاة" هو أمر من الله جل وعلا قام رسول الله(ص) بإبلاغه. فما هو أمر رسول الله(ص) إذن؟ أمرُه(ص) الخاص هو قوله، على سبيل المثال: «أَلَا مَنْ‏ كُنْتُ‏ مَوْلَاهُ‏ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاه» (تفسير القمي/ ج1/ ص174)، أو: أين يمكنكم الاصطفاف في ساعة الحرب، وماذا ينبغي لكم أن تصنعوا؟


"إطاعة الرسول" تكررت في القرآن أكثر من "إطاعة الله"

  • اللافت هو أن القرآن الكريم قد أمر "بطاعة الرسول" أكثر من أمره "بطاعة الله"! فلفظة "الطاعة" استُعملتْ في القرآن 69 مرة. في 23 مرة منها جاء الأمر "بطاعة الرسول" بعد طاعة الله؛ أي في 23 مثالًا جاء إن الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول معًا. لكن إطاعة الرسول ذُكرتْ بمفردها في 14 موضعًا، وإطاعة الله جاءت وحدها في ثلاثة مواضع. ومن هنا فقد ورد الأمر في القرآن الكريم بطاعة الرسول(ص) أحد عشر مرة أكثر من طاعة الله تعالى.
  • وإن كان عدد مرات الأمر بالطاعة في القرآن الكريم مُهمًّا لقُلنا: إن إطاعة الرسول(ص) في القرآن أهم من إطاعة الله! و"الأهم" هنا لا تعني الأهم من حيث القيمة؛ فمن الطبيعي أن إطاعة الرسول(ص) هي، في واقع الأمر، إطاعة لله (لأن الله هو الذي أمر بطاعة الرسول)، لكن أكثر المعاصي يقترفها الناس في قضية إطاعة الرسول، ولذا فإن أهميتها أكبر، وقد نبّه اللهُ لها أكثر.


المعصية ليست عصيان الله فقط، بل هي عصيان الرسول(ص) أيضًا

  • الملاحظة الأخرى هي أن كلمة المعصية لم تأتِ في القرآن الكريم بمعنى عصيان الله تبارك وتعالى وحسب، بل هناك معصية الرسول(ص) أيضًا، وقد وردت معصية الرسول(ص) لوحدها في القرآن 13 مرة (هذا ناهيك عن الحالات التي جاءت فيها معصية الله والرسول معًا). فإنك إن لم تُصَلِّ تكون قد عصيت الله تعالى، لكنك إن امتنعتَ عن تنفيذ أمر الرسول(ص) الخاص، تكون قد عصيت رسول الله(ص)!
  • إذن هناك موضوع "طاعة الله" وهناك أيضًا موضوع "طاعة الرسول(ص)"، وكذا ثمة موضوع "معصية الله" وثمة أيضًا "معصية الرسول(ص)".
     

لموضوع المعصية والطاعة مرحلتان: 1. إطاعة الله، 2. إطاعة الرسول(ص)

  • إن لموضوع المعصية والطاعة مرحلتين: الأولى هي أن نقبل "بطاعة الله واتّباع أوامره"، والثانية هي أن نقنع بتنفيذ أوامر رسول الله(ص) وطاعته إلى جانب تنفيذ أوامر الله جل وعلا وإطاعته. ويبدو أن هذه الثانية أصعب على البعض؛ فإنه بالكاد اقتنع بطاعة الله، مع كل ما لله عز وجل من عظمة وسطوة. أما أن يطيع النبي(ص)، وهو بشر مثلنا، فمن الطبيعي أن يشُقَّ ذلك عليه أكثر بكثير! والله من جانبه يقول له: أريد أن أختبرك الآن لأرى إن كنتَ مطيعًا لي حقّاً أم لا؟
  • حين يريد الله أن يمتحننا لينظر إن كنا حقًّا مطيعين له من أعماق قلوبنا أم لا يقول: "أطيعوا رسولي أيضًا، أنا آمُركم أن تطيعوه هو كذلك!" وهنا تحديدًا يُخفق الكثيرون، وإنّ كل الذين عصَوا أنبياء الله عبر التاريخ كانوا من هذا الصنف من الناس.


يُغضي الله عن عصيان عبدِه له أسهل مما يُغضي عن "عصيانه لرسوله(ص)"!

  • يغضي الله تعالى عن عصيان العبد له هو بسهولة كبيرة، أما عن عصيان رسوله فلا! أيُّ تعاسة وشقاء تورِثها للفرد والمجتمع معصيةُ رسول الله(ص)؟! لاحظوا أن أهل مكة والمدينة قبل أن يُبعث رسول الله(ص) بالرسالة كانوا أكثر سعادة وهناءً من زمن ما بعد بعثته(ص)، حيث عصوه ثم ابتُلوا بمجرمين من أمثال الحجاج ويزيد، وحلّتْ بهم حوادث رهيبة من مثل واقعة حَرَّة!
  • بعد أن بلَغْنا طاعةَ الله سبحانه وتعالى لا بد أن نتّجه، في المرحلة التالية، إلى طاعة رسول الله(ص)، ومن ثم إلى طاعة الإمام(ع). والآن، برأيكم ما الذي يتعين علينا صنعه في زمان الغيبة؟
  • حين تكون أساليب التعليم العقائدي خاطئة من الأصل؛ فيقال لي: "يجب أن تعتقد بالله" عوضًا عن أن يقال لي: "عليك بطاعة الله"، وأُدْعَى إلى الإيمان وحسب بدلًا من أن أُدعَى إلى التديّن، فسيكون هذا الإيمان "إيمانًا من دون طاعة الله!" وحينما يستمر هذا الأسلوب الخاطئ في الجريان، فيُعمَل على ترسيخ أصل النبوّة والإمامة في نفوسنا دون إطاعة النبي أو إطاعة الإمام، التي هي فلسفة النبوة والإمامة، فمن الطبيعي أن تبرُز في هيكلية تديّننا مشاكل جمة.


ما هي فلسفة وجود النبي(ص)؟ لا بد للنبي أن يكون قائدًا!

  • ليس موضوع نقاشنا مقدار ما يحمل النبي والإمام من الفضائل ومستوى صلاحهما، بل إننا نناقش مسألة إطاعتهما. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله» (النساء/64)، فلم نرسله لتُعجَبوا به وحسب!
  • ما فلسفة وجود النبي؟ أهي مجرد كونه رسولًا من الله تعالى ينطق عنه؟ إنّ فَهْم عامة الناس للنبي – في العادة - دون أن يطيلوا التفكير في المسألة، هو "أنه الشخص الذي لا عمل له سوى أن يأتينا ببلاغ من الله!" وهذا الفَهْم خاطئ.
  • الموضوع المحوري للدين هو "الأمر" وفلسفة وجود النبي، بحسب القرآن الكريم، هو أن يتولّى القيادة: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله» (النساء/64). لكن مَن ذا الذي يتولى القيادة في عصرنا الحاضر وصاحب العصر والزمان(عج) غائب؟ هل يتغيّر الدين؟ فناهيك عن أوامر الله تعالى، وحيث إن محور الدين هو "الأمر"، فإن السؤال المطروح الآن هو: ما  مصير موضوع "أمر الرسول والإمام" في زمان الغيبة؟ هل يُعطَّل هذا الجزء من الدين – وهو موضوع إطاعة الرسول والإمام – في حال غياب كليهما؟! أهذا هو مُقتضى العقل؟!
  • محور الدين هو "الأمر"، وإن إصدار هذه الأوامر يتم على مرحلتين؛ إحداهما أوامر الله، والثانية أوامر رسول الله. فالمرحلة التكاملية للطاعة في الدين هي مرحلة طاعة رسول الله(ص)،  وطاعة رسول الله تكون في أوامرِ الشخص الحيِّ، الحاضرِ، والأوامر الاقتضائية المرتبطة بالمسائل المُبتلَى بها الناس اجتماعيًا؛ كأنْ يأمرنا الله تعالى بالإنفاق، فيقول رسول الله(ص): "الآن ادفع ما تريد إنفاقه لفلان من الناس"؛ أي إن النبي(ص) يعيّن المصاديق. وأهمية إصدار الأوامر في المصاديق هذه إنما تنبع من تكرار عبارة "أطيعوا الرسول" في القرآن الكريم.


ما مصير "إطاعة الإمام" في زمان الغيبة؟

  • ترى البعض يفتش عن رواية يثبت بها ولاية الفقيه! نقول له: "تأمَّل في أنه ما مصير قضية "طاعة الإمام" في زمان الغيبة؟ حين يكون النبي(ص) قد رحل عن الدنيا، والإمام المعصوم(ع) غائبًا، ما الذي يحل بهذا الجزء من الدين؟ هل يُعَطَّل؟! إصدار هذه الأوامر الآن (في زمان الغيبة) مسؤولية مَن؟ إطاعة مَن تصبح واجبة هنا؟ وماذا سيحصل لو أننا عصينا هذا الشخص؟ ماذا سيحصل لو عصيناه علنًا؟ وأيهما أهم، معصية ترك الصلاة أم هذه المعصية؟"
  • إلى الآن نحن لم نشرع في إلقاء تعاليم دينية، بالمعنى الحرفي للكلمة، ثم نقول بنبرة من يرى الحق معه: "لماذا لا يظهر صاحب الزمان(عج)؟!" لكن ما الذي صنعناه نحن لكي يشرّف(ع) بالظهور؟! لا بد لنا أن نتلقى تعليمًا صحيحًا واحدًا أو نمر بدورة تدريبية واحدة  – على أقل تقدير – حول "ضرورة امتثال أوامر الإمام" لكي نكتسب بعض الاستعداد. فالإمام(ع) لا يظهر من أجل "طاعة الناس لأوامر الله"، كما أنه لم يغب عنا بسبب (عدم امتثالنا) أوامرَ الله؛ فصُلب الموضوع كان أن الكثيرين لم يكونوا ليتحمّلوا "أمر الإمام"، بالضبط كما قد قيل علنًا: «حَسبُنَا كِتَابُ الله» (الأمالي للشيخ المفيد/ ص36).


مشكلة المنافقين، بحسب القرآن، كانت مع أمر الرسول(ص)، لا أمر الله!

  • بحسب القرآن الكريم لم تكن للمنافقين مشكلة مع أمر الله تعالى، بل مع أمر رسول الله(ص)! «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا» (النساء/61)؛ فهم يصدون عنك أنت (أيها النبي) صدودًا، ولا مشكلة لهم مع أمر الله! إذن في وسعنا القول إن المنافق هو الشخص الذي اجتاز المرحلة الأولى (أي لزوم إطاعة أوامر الله) وعَلِق في المرحلة الثانية (إطاعة أمر الرسول)؛ أي إن الذي يتوقف في هذه الأخيرة يكون "منافقًا".
  • لقد تكرر قول الله تعالى: «فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطيعُونِ» في القرآن الكريم عشر مرات مع أنبياء مختلفين إلى درجة أنه يمكننا عَدُّه الشعار المشترك لجميع الأنبياء! وهذا أصعب أوامر القرآن الكريم، وهاهنا تحديدًا يكمن محلّ النزاع؛ فالأنبياء لم يكونوا يواجهون مشكلة في دعوة الناس إلى طاعة الله. المشكلة كانت تبرز حينما كان الأنبياء يدعون الناس إلى طاعتهم هم! إذ كان يشُقّ على الناس أن يأتي من يدعوهم إلى طاعة نفسه.
  • فإن قال أحدهم للناس: "آتوا الزكاة" انطلاقًا من أمر الله فلن يكون تقبّل هذا الأمر صعبًا عليهم، أما إذا قال لهم: "ادفعوا زكاتكم لي أنا" فسيختلف الأمر، وسيصعب على الناس قبول ذلك، وسيعرّض هذا الشخص نفسَه لأصناف التُهَم وألوان المعارَضة.


طاعة الرسول(ص) هي في الواقع طاعةٌ لله، لكن...

  • بالطبع إن طاعة الرسول(ص) هي في الواقع طاعةٌ لله أيضًا، لكن هناك نوعين من الأوامر: أوامر ثابتة يصدرها الله سبحانه وتعالى لمدى الحياة، وأوامر يصدرها رسول الله(ص) بما يوافق المصاديق (فيما يتصل بشؤون حياتنا الجارية).
  • المرحلة الأولى هي أن يُقنع الناسُ أنفسَهم بعبادة الله عز وجل وطاعته؛ أي أن يصلوا إلى مرحلة خطابهم لله: "إلهي، مُرْنا!" والمرحلة الثانية هي أن يطيعوا أوامر رسول الله(ص).
  • لكن ما هو مصير أوامر الرسول والإمام (المعصوم) في زمان الغيبة؟ وأوامر مَن سيكون علينا أن نطيع حينذاك؟ في زمن الغيبة يتحتم علينا طاعة أوامر "نائب الإمام"، ولو أننا شطبنا على موضوع "نائب الإمام" فسيطرأ على الفكر الديني ثَلْم؛ وكأنّ هناك أزمنة لا نحتاج فيها على الإطلاق إلى أوامر الإمام! لكنه لو غزانا عدو، فلا بد من إمام يأمرنا (بالجهاد). نعم، الأمر العام بالجهاد موجود في القرآن الكريم، ويندرج هذا ضمن "أوامر الله"، لكن مَن ذا الذي يتوجب عليه، في الوقت المعيَّن والحَرِج، أن يأمرنا بأن: "عليكم في الوقت الحاضر التوجّه إلى ميدان القتال؟" فمن الطبيعي أنه لا بد أن يكون ثمة شخص يصدر هذه الأوامر في أوقات خاصة.

تعليق