الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۰۰/۰۴/۲۸ چاپ
 

جامعة الإمام الصادق (ع) ـ نمط الحياة أوقع تأثيرا من العلم والإيمان(7)

الأدب ونمط الحياة هما ممهّدان للتديّن/ المجتمع المتمرّد على آدابه، عصيّ على الدين أيضا!

المكان: جامعة الإمام الصادق (ع)

الزمان: 6 محرم 1440

 

أحد المفاهيم الدينية القريبة جدّا من مفهوم نمط الحياة هو مفهوم الأدب/ إن من حسن الأدب ونمط الحياة هو أن يراقب المجتمع عبر العلاقات الإنسانية لا بالقانون والعقوبات!/ لم يتصدّ الإسلام إلى تحديد نمط حياتنا بحذافيره وتفاصيله/ المجتمع الذي لم يلتزم بآدابه لن يلتزم بالدين أيضا!/ العقل أساس الأدب، ولا يقتضي الأدبُ الالتزامَ بالدين بالضرورة 

إليكم أهم المقاطع من المجلس السابع من سلسلة محاضرات عليرضا بناهيان في جامعة الإمام الصادق(ع) تحت عنوان «نمط الحياة، أوقع تأثيرا من العلم والإيمان»:

  • من المفترض أن يكون دينُنا قد أخذ بعين الاعتبار احتياجات البشر إلى يوم المحشر، ولذلك فعندما ينزل إلى الساحة مفهوم جديد کنمط الحياة ـ الذي هو مفهوم ركين ومهمّ لحياة الإنسان ـ لابدّ أن يكون قد أشير إليه بنحوٍ ما في الدين. فإن كان نمط الحياة ذا تأثير غير قليل في حياة الإنسان، فبأي ألفاظ قد أشير إليه في الدين؟ وما هي الألفاظ التي استخدمها الدين والتي تشير بشتّى الأساليب إلى مفهوم «نمط الحياة»؟
  • سبق أن قد بحثنا حول مفهوم العمل والسلوك، ولا يخفى أن تعريف نمط الحياة يختلف عن تعريف العمل والسلوك. فإن نمط الحياة هو العمل والسلوك مضافا إلى قيود أخرى. ولكن مهما اهتمّ ديننا بالعمل والسلوك وأولاه قيمة، فإن نمط الحياة يحظى بنفس الأهمية والقيمة.
  • المفهوم الآخر الذي غير منفك عن مفهوم نمط الحياة هو «العادة». لأن نمط الحياة هو ذلك السلوك الذي يمارسه الإنسان دائما، والعمل الذي يُمارَس بشكل دائم يتحول إلى عادة. لقد وصّتنا النصوص الدينية والروايات بأن نتخذ عادات حسنة ونغيّر العادات السيئة. وحتى قد يلزم الإنسان أن يغيّر إحدى عاداته الحسنة أو يعمل على خلاف عادته. فإن الأصل هو قدرة الإنسان على كسر عاداته.
  • يرتبط نمط الحياة بطابع السلوك ارتباطا وثيقا وإنّه یشمل ظاهر سلوك الإنسان. فعلى سبيل المثال وإن كان نمط حياتك غير منفكّ عن نوع طعامك ولكنّه ذو علاقة أوثق «بأسلوب أكلك»، أي كيف تبدأ بالأكل وكيف تباشر به.
  • من خصائص نمط الحياة الأخرى هي الاستمرار،  وقد تحدثنا عنه في خلال مفهوم العادة. و من خصائصه الأخرى هي ممّا يختاره الإنسان بمعزل عن القوانين الاجتماعية المفروضة. فلا يلاحقك القانون أن تمارس هذا العمل! فإن تركته لن تسجّل عليك جريمة وإنّما هو أمر ثقافيّ وممّا يختاره الإنسان. فإمّا هو مرغوب ومحبوب وإما تختاره لأسباب ما.
  • هناك مفهوم قريب جدّا من نمط الحياة وتسري فيه نفس هذه الخصائص التي أحصيناها لنمط الحياة، وهو مفهوم عظيم باسم الـ «أدب». الأدب أيضا مثل نمط الحياة يهتم كثيرا بالطابع وشكل السلوك. فيقال مثلا: آداب الصلاة وآداب الطعام وآداب الزفاف وآداب مجالس التأبين وآداب اللُّبس وأمثالها هي سلوكنا الذي يتميّز بأشكال خاصّة.
  • وفي مفهوم الأدب أيضا مثل نمط الحياة، نرى عنصر «الاستمرار» ماثلا. فمن الذي يُعرف مؤدّبا؟ من يراعي بعض الآداب في أفعاله دوما. أمّا الذي يصدر منه سلوك حسن بعض الأحيان، فلا يقال عنه: مؤدّب!
  • لا يرتبط مفهوم الأدب بالقانون ارتباطا وثيقا، وهذه من نقاطه الإيجابية. لأن القانون لا يخلو من الفرض والإجبار، بينما يجب أن تُراقَب وتُعَدّل وتُحسَّن كثير من أفعالنا من دون حاجة إلى القانون. القانون يدلّ على هبوط مستوى المجتمع.
  • لا يراقَب الأدبُ ونمطُ الحياة بالقانون عادةً. وهذه الميزة من محاسن الأدبِ والمجتمعِ الذي أراد أن يسيّر أموره بالأدب. إن بعض الناس لا يفعل ولا يترك شيئا إلا تحت مطرقة القانون، وليس هذا بصحيح. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا يَنْتَفِعُ مِنَ الْعِظَةِ إِلَّا بِمَا لَزِمَهُ فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَنْتَفِعُ بِالْأَدَبِ وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْب‏» [تحف العقول/83]
  • أوهل نحن بهائم لكي نُدار بالقانون وحسب؟! طبعا لا شك في ضرورة وجود القانون، إذ يهوى بعض الناس أن يعيشون مثل البهائم دائما! ولكننا يجب أن نتصرّف بمقتضى الأدب في الغالب لا بقهر القانون!
  • لا يحلو لمجتمعنا أن لا يجد بدّا لتنظيم وتحسين المرور، سوى زيادة الغرامات! فهذه الظاهرة تدلّ على أن مدارسنا غير ناجحة، وتعني أن عوائلنا والإذاعة والتلفزيون والهيئات والمساجد غير ناجحة! هل تعلمون متى تُحيَى فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ حينما كانت هناك  آداب، وأصبح الناس يصونون هذه الآداب بملامحهم وأنظارهم. كما أنّ أحد أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ على ما جاء في الحديث ـ هو أن يواجه الناسُ المعصيةَ بوجوه مكفهرّة، لكي يرتدع العاصي. [الكافي/ج5/ص59]
  • لابدّ من تعزيز الأدب في المدارس وأن يتصرّف الأطفال وفق الآداب. ولكن حينما يريد مدراء المدرسة أن يريحوا بالهم، يُكثِرون من فرض الضوابط والقوانين ليكون سلوك الطلاب على أساسها، وهذا ما لا يليق بالمجتمع الإنساني! ينبغي للطالب أن يستحيي من المعلّم، ثمّ يدرس ويُحسن السلوك بمقتضى الحياء والأدب.
  • جمال نمط الحياة في أنه لا صلة له بالقانون والغرامات والمحاكم كثيرا، بل یُنَظّم في المجتمع عبر «العلاقات الإنسانيّة». فعلى سبيل المثال في جلسة «الشربت» والتي يخطب فيها أهل الزوج رسميّا بحضور كبار القوم، يُهدى خاتم للعروس! فيا ترى في أي مادّة دستوريّة أُقِرّ هذا العمل كقانون؟! إنه مضبوط في «غیر مکتوب» ومرحبا بالمجتمع الذي يتصرّف فيه أبناؤه وفق قوانين الحياة غير المكتوبة!
  • حتى وإن لم تكن آدابنا دينيّة، فلا بأس. إذ لم يتصدّ الإسلام إلى تحديد جميع تفاصيل نمط حياتنا بنفسه. ولذلك يلزمنا تارة أن نعزّز الالتزام بالأدب ونمط الحياة في المجتمع من دون الاستعانة بالدين.
  • مثلا أحد وجوه الأدب البارزة جدّا هو «الحیاء». فقد قال رسول الله(ص): «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت‏»[عيون أخبار الرضا(ع)/ج2/ص56] يعني قبل ما تراجع الدين، قوِّ حياءك لكي نستطيع بعد ذلك أن نتحاور معاً!
  • «الحياء» صفة روحيّة وأخلاقيّة و «الأدب» أكثر صلة بالسلوك ونمط الحياة، غير أننا نستطيع أن نرفع مستوى الحياء في المجتمع عبر تنظيم السلوك. وبالعكس إن تركنا بعض السلوك وبعض الآداب في سلوكنا، صار المجتمع صَلِفاً! إنّ سعي بعض الجهات على هدم الآداب في المجتمع باسم التحرّر والصراحة، لعمل شنيع حيواني حقّا.
  • المجتمع المتمرّد على آدابه، عصيّ على الدين أيضا! فلا يجوز أن يخبو بريق الأدب في المجتمع. فإن كان سوء الأدب سائدا في مجتمع ما، فلا يمكن أن يسود الدين فيه. وكذا الحال في الأسرة، فإنه لابد للأبوين أن يحدّدا بعض الآداب في البيت ويلتزما بها. فإن أرادا أن يريحا أنفسهما ويخلعا كلّ قيد وعنان عن رقبتهما في البيت، وأن يعملا ويقولا ما طاب لهما، فلن يقوم للدين في هذا البيت عمود ولن يخضرّ له عود!
  • الأدب ونمط الحياة يمثّلان المقدّمة للالتزام بالدين. فليس من المفترض أن يقتصر الأنبياء وعلماء الدين المعنيّون بحفظ دين الناس على تبيين الأحكام الدينية الخاصّة من الحلال والحرام والعبادات! وليس هذا بنهج صائب! بل ينبغي أن يتظافر علماء الدين وحتى أولئك الذين ليسوا معنيين بتبليغ الدين بشكل مباشر كالشعراء والفنانين والمهندسين وغيرهم على أن يرفعوا مستوى الأدب في المجتمع. بعد ذلك سيَسَعُنا أن نتّفق مع المجوسي بل حتّى الكافر الملحد على الأدب إن كان مؤدّبا.
  • روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «الْأَدَبُ فِی الْإِنْسَانِ کَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا الْعَقْلُ» [غررالحکم/2004] فليس من الضروري أن يكون الإنسان متديّنا ليكون مؤدّبا وحييّاً. إلّا أن الدين يقوّي الحياء والأدب.
  • قال أمير المؤمنين(ع): «أَحْسَنُ الْآدَابِ مَا کَفَّكَ عَنِ الْمَحَارِمِ» [غررالحكم/3298] فأولئك الذين هم بصدد ترويج الحجاب في المجتمع، عليهم أن يروا ما هي الآداب التي إن سادت في المجتمع سَهُل الحجاب، بدلا من أن يركّزوا على الحجاب مباشرة ومن دون مقدّمة. فليعزّزوا هذه الآداب. مثلا هناك آداب في العلاقات الأسرية من شأنها أن تعزّز الحجاب، فإن لم نراع هذه الآداب كأحد أركان نمط الحياة، لن يتحسّن الحجاب في المجتمع.
  • فعلى سبيل المثال: إن أسأن الأمهاتُ الأدبَ مع الآباء في البيت، ولم يتحدّثن معهم باحترام أو تجاسرن عليهم، فإنّ البنت التي تترعرع في هذا البيت يتعسّر عليها الحجاب بعدئذ. هذا هو أحد جذور الاستخفاف بالحجاب وهناك جذور أخرى. وإن أساء الآباء في سلوكهم مع الأمّهات وجانبوا الرأفة معهنّ، ساء خُلق البنين مع البنات في المجتمع. هذه قضايا مرتبطة بنمط الحياة.
  • ليس الطريق أن تقول: «تحجّبي وإلّا فمصيرك نار جهنّم!» فإن هذا الخطاب لا يخلو من التحكّم! سهّل الحجاب على بنتك عبر نمط الحياة! هذا ما يأمر به الدين. ثمّ لا تختصّ أحكام الدين وأوامره بالشريعة، بل ينطوي الدين على وصايا تنظّم سلوك الناس في الأسرة والمجتمع، من قبيل وجوب احترام الكبار. فقد جاء في الرواية: «الشَّيْخُ فِي أَهْلِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ» [روضة الواعظين/ج2/ص476] إن لم نصلح هذا الجانب من نمط سلوكنا، سوف لا نتفهّم الولاء وإطاعة الولي غداً!
  • لقد كتب الدكتور كاردان في كتابه علم النفس الاجتماعی (روانشناسی اجتماعی): «من أجل أن لا تجتمع المجتمعات الأوروبية مثل الشعب الألماني تحت إمرة قائد واحد، قام الصهاينة بالعمل ضدّ سيادة الأب في الأُسَر. فقد أعدّوا أطروحة وخطّطوا برامج واشتغلوا على خطّتهم هذه سنين» يشرح هذا الكاتب على أساس علم النفس أنه إذا كان الأب محترما في البيت، فإن الولد الذي ينشأ في هذا البيت إذا دخل في المجتمع سيشعر بحاجة إلى قائد!
  • ولا يخفى عليكم طابور بعض القوانين خلف باب مجلس الشورى الإسلامي، ليُقرّها النوّاب ويُطَبَّق نمط الحياة الذي أعدّه الصهاينة للمجتمعات الأوروبّية في بلدنا أيضا. وبعضها قد أدرجت في وثيقة 2030.
  • هناك بعض الفوارق بين الأدب ونمط الحياة وبين الأحكام الشرعية أو الأخلاق. فقد تختلف مصاديق الأدب باختلاف المجتمع، ولا ضير في ذلك. وقد يشيع بين قوم «أدبٌ سيء»، بإمكاننا أن نناقشها ونسعى لتركها. مثلا إذا كان «العجب والخيلاء» من تقاليد وعادات قوم، فهي عادة سيئة.
  • ما هو تعريف الأدب؟ من أفضل الأحاديث في تعريف الأدب هو ما روي عن أمير المؤمنين(ع) حيث قال: «ضَبْطُ النَّفْسِ عِنْدَ الرَّغَبِ وَ الرَّهَبِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَدَبِ» [غرر الحكم/ 5932] فلا تُظهر كلَّ مشاعرك وأحاسيسك. فليست من طبائع الإنسان أن يتحدث بكل ما يشتهي!
  • اقتراحي لكم ولا سيما للشباب هو أنّه إذا أردتم أن تتدرّبوا على أدبٍ حسن ونمط حياة سليم، نظّموا ساعة استيقاظكم! وابدأوا من بُكرة. كما أقدم اقتراحي إلى مواطنينا المسيحيّين أيضا. وهو أن يستيقظوا من نومهم عند وقت أذان المسلمين بل قبلَه بنصف ساعة. فإن ذلك ضروري لنشاط الإنسان وذكائه وصحّته في يومه.
  • قال أحد الأطباء المتخصّصين: «المتخصصون في كل العالم يعرفون أن صحّة الجسم في الإبكار». هذه لحقيقة أشار إليها نبي الإسلام(ص) وقد أيدتها العلوم الطبيعية أيضا. ولذلك فحتى أولئك الذين لا يعتقدون بدين الإسلام ينبغي لهم أن يستيقظوا في الأسحار حفاظا على صحّتهم.
  • ما هي آثار الأدب؟ أحد آثاره كما ذُكر هو سهولة امتثال أحكام الدين. من آثاره الأخرى هو «الرأفة». فإن الأدب غالبا يمنح الإنسان قلبا رؤوفا. والأثر الآخر من آثار الأدب يتجسد في العقل والفهم. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «بِالْأَدَبِ تُشْحَذُ الْفِطَنُ» [غررالحکم/4333]. وبالمناسبة الاختبارات والدراسات التي أجريت في مجال الذكاء العاطفي قد انتهت إلى هذه النتيجة نفسها.
  • ليراقب المراقبون على الأفلام والمسلسلات التلفزيونية مدى مراعاتها للأدب أكثر من أن يراقبوا مدى مراعاتها للمسائل الشرعية. فلا تعرضوا الفلم الأجنبي أو الإيراني الذي يروّج سوء الأدب. فعلى سبيل المثال الفلم الذي يصرخ فيه ولدٌ على أبيه دون أن يحدث له حادث سيئ كالموت المفاجئ، أو الفلم الذي تصرخ فيه فتاة على والديها ثم لا تَشقى في حياتها فلا تعرضوه! فإن كنتم غير قادرين على تجسيد قبح هذا السلوك لا تعرضوه. فإن سوء الأدب أقبح من ارتكاب بعض المحرّمات الممنوعة في الأفلام والمسلسلات!

تعليق