الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۵/۰۴/۰۱ چاپ
 
لنذق طعم حلاوة ضيافة الله ـ 3

A4|A5 :pdf

سماحة الشيخ بناهيان: المدينة التي تتيح لنا إمكان رؤية حقيقة الدنيا، وذوق حلاوة الآخرة

  • كتاب «مدينة الله؛ شهر رمضان وأسرار الصيام» ـ باللغة الفارسية ـ لسماحة الشيخ بناهيان والذي قد نزلت إلى الأسواق الطبعة الثامنة منه، يشتمل على نقاط ورؤى جديدة وعمليّة للانتفاع الأكثر من شهر رمضان وقد كتب بلغة سهلة وبسيطة. فوددنا أن نستقبل أيام شهر رمضان ولياليه الجميلة بمقاطع ومقتطفات من هذا الكتاب. فإليكم القسم الثالث من هذه المقاطع

إن لله في هذا العالم مدينة

  • قال رسول الله(ص): «أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَیْکُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَکَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ ...» [عیون أخبار الرضا(ع)، ج1، ص295، الباب 28، الحديث53]
  • المدن كلّها تقع في ظرف المكان، ولكن لله مدينةً في هذا العالم قد أنشأها في ظرف الزمان. إن مدينة الله التي تكون موطن ضيوف الله ومستقرّهم في كل عام، في وقت معلوم وبحَجْم غير معلوم، هي بيت الله الملكوتي ومضيفه الملكي الذي قد بني بشموخ رائع بلا نظير كالقلعة ذات الأبراج العالية على تلّ إحدى بساتين الجنّة. إنها المدينة التي يطوف فيها ملائكة الله حول ساكني البيت ويحرمون لضيافة ضيوف الرحمن.
  • إن هذه المدينة العتيقة التي يعود تاريخ إنشائها إلى بدء الخلق وتبدو في مختلف أرجائها مواطئ أقدام أولياء الله، كانت في ما مضى مضيف أنبياء الله وحسب، بيد أنها توسّعت حتى أصبحت تستوعب أمّة النبي الخاتم بأجمعهم. ثم تنتهي أفرع هذه المدينة العتيقة وأزقتها كلّها إلى الله سبحانه.  
  • بالرغم من أن المدينة واسعة جدّا، غير أن طرقها قصيرة وتُقطع المسافات فيها بسرعة. إن الأفرع الممتدّة بين بساتين المدينة وإن كانت قديمة، ولكنها غير مهدّمة. لقد استعدت الأزقة لضيافة ضيوف الله، فهي مكنوسة ونظيفة وقد علت أطرافها أشجار باسقات خضراء قد خيّمت على المشاة بحنان ظلالها غير المظلم. في منعطف كل زقاق ترى بيتا من بيوت أولياء الله وقد علا منها صوت شجيّ يتلو القرآن ليلفتك إلى آية من آيات الرحمن.
  • آلاف من ملائكة الله الحسان مشغولون بالضيافة من دون أن يحدثوا ضجيجا أو يشغلوا حيّزا من المكان. فشفاههم تسبح بحمد ربّهم وأنظارهم تثني على ضيوف ربّهم.
  • كأن ضيوف هذه المدينة مقيمون فيها وأصبحوا من أهل البيت، ولذلك لا يستغربون ولا يستوحشون، فتراهم يعرفون مختلف أرجاء هذه المدينة حقّ المعرفة. لكلّ أحد منهم شأن ومقام، ولكلّ قصر وإيوان. لقد عُيّن محل إقامة الجميع من قبل، ولكلٍّ درجة ومنزلة معلومة. فكلّ بحسبه ومقامه كيوم القيامة، ولكن بشكل غير محسوس.
  • إن بعض الضيوف قريبون جدّا من الله وليس بينهم وبين الله فاصل كما هو المعتاد فيهم. بينما بعض الضيوف جيران الله عن بعد مسافة أفرع. وفي أي الأحوال يشعر الضيوف في جميع بيوت المدينة بوجود الله أكثر من جميع أوقات الدنيا. فهم يمدّون أيديهم إلى الله بالدعاء، ولكنّهم يجدونه أقرب من كل وقت فكأنه قد ضمّهم إليهم وعانقهم، فيظلّون في وله ودهشة من لقائه.
  • لقد زاد الجوع والعطش في جمال نظرات أولياء الله الملتمسة. النظر إلى مدى عشق الضيوف الذين لم يمدّوا أيديهم إلى طعام المائدة، وإلى ضعف رمق أجسامهم ممتع وجميل. يبدو أن جميع أهل المدينة عشّاق بحيث لم يطعموا الماء مع أنه في متناولهم، وكأنهم مفتونون بحيث يملكون الطعام ولا يلتفتون إليه. كلٌّ مطلع عن أحوال الآخر، ولكن وبالرغم من تحاببهم الشديد، يصبر بعضهم على جوع بعض في النهار ويتسابقون في إطعام بعضهم البعض في الليل.
  • إنما في هذه المدينة فقط يمكن مشاهدة حقيقة الدنيا وذوق حلاوة الآخرة. فقبل أن يدخل الإنسان في هذه المدينة لم يكن يصدّق كم أن الحياة المنزّهة عن أردان الدنيا تلصق بالفؤاد. وهناك يتسنّى إدراك أنك كلّما حظيت بملذّات الدنيا، يقلّ حظك من لذة الحياة. إن الإمساك عن الطعام والشراب يقويك ويحقّر الدنيا في عينك. وفي هذه المدينة يمكنك أن ترى كيف أن الدنيا أسيرة بيد الإنسان وليس لها أن تهيمن عليك.   

إمساك الضيف حبّا لأمر صاحب البيت

  • قد لا يصدّق أحد وهو أن الله نفسه قد أمر ضيوفه الذين يعيشون بحبّه وقد أتوا هذا المجلس بأمنية وصاله، بتحمّل الجوع والعطش. والجدير بالذكر هو أنه لا اعتراض لأحد بل قد امتثلوا أمر صاحب البيت عن رضا. فكأنهم يريدون أن يساهموا في مباهاة الحبيب، ويكونوا دليلا على أهليته للعبادة. بودّهم أن يكونوا آية لحكومته على العالم، وأن ينهضوا بأمره في هذه الدنيا قبل يوم القيامة.
  • إن حقيقة الأمر هي أن المهم في هذه المدينة هو علاقة الضيوف مع صاحب البيت. وإنه من الأهمية بمكان بحيث إذا كان الجوع يساعد في تعزيز هذه العلاقة، يخضع له الجميع بكل رحابة صدر.

استعراض ملكية الله في قيامة مبكرة

  • إن إيمان أهالي هذه المدينة بيوم القيامة من الشدّة بمكان، بحيث لا يقعدون ساعة ويقضون أيام صيامهم ولياليه قائمين، والحال أنه لا أحد قد فرض عليهم ذلك. كلٌّ يحاسب نفسه ويدين نفسه قبل أن يحاكمه أحد، ويطلب العفو والمغفرة بجانب مشنقته التي تصوّرها بخياله. فكأنهم واقفون في يوم القيامة وقد انتهوا إلى نهاية الطريق. يجهشون بالبكاء وتجري الدموع على وجوههم.
  • عندما يقفون للصلاة، يناجون ربّهم بأروع مناجاتهم ويبرزون أقصى مشاعرهم بين يدي ربّهم، ثم يودّعون سجادتهم ويناجون اللّه مودّعين. ثم كلّما يوفّقون للمناجاة، كأنهم يقفون بين يدي الله لأوّل مرّة، ولا يستذكرون أنهم قد استغفروا ربّهم مرارا وتكرارا. كلّما تسمع صوت بكائهم، تشعر كأن الله قال لهم: كلا! فلا أغفر لكم بعد. ثم يعلو منهم أنين ونحيب جارح ليجلبوا رضا الله. والحال هو أنك إذا رأيت بتمعّن تجد أن حالاتهم تعبّر عن لحظات تحنّن الله عليهم وضمّهم إلى دفئ قربه ورحمته.
  • إحدى خصائص مناجاتهم في هذه الضيافة هي أنك لا تستطيع أن تشخّص هل أنهم يناجون الله حبّا له ويبكون شوقا إليه، أم يئنّون ويبكون خوفا وخشية منه. فبالرغم من أنهم يهابونه ولكنّهم لا يفرّون منه. وبالرغم من كونهم سارين نحوه وقد نالوا لقائه، غير أنه لا نهاية لهذا اللقاء ولا يملّ العبد منه.

أوصاف الضيوف

  • إن رأيت ضيوف هذه المدينة، لا يتكاسلون، فإنهم لم يقوموا بعمل جبّار، بل نشطوا لكونهم مُخِفّين، وإن رأيتهم لا يتوقّفوا عن العمل فلكونهم لا يتعبون أبدا. وإذا رأيتهم دقيقين في أعمالهم فلكونهم غير مشغولين بعمل آخر. وإن كانوا قد رأوا جمال يوم الغد، فلكونهم قد غضّوا أنظارهم عن اليوم.
  • إنهم إن طاروا وحلّقوا فلأن الأرض لا تسعهم، وإن كانوا بصدد العروج فلأنهم يحبّون الطيران. إن كانوا ترابيّين، فلأن لهم مقاما في الأفلاك فلم يهتمّوا إن جلسوا على التراب أياما قليلة. إن كانت أعينهم تمطر دموعا، فلأن مناخ قلوبهم ربيعي، وقد نشأت السحب من محيط حزنهم الرائع والمتلاطم. فلم ينجزوا بعمل جبّار إن كانوا أخيارا صالحين، ولكنّهم رائعون ويستحقون المدح والثناء.
  • يطيعون الله ويعبدونه وكأنهم قد ضيّعوا كلّ عمرهم بالبطالة، فعادوا ليتداركوا ما فرّطوا به من قبل. ويخافون من الذنب بشدّة وكأنهم قد سلبوا الفرص كلّها، أي ما إن ارتكبوا ذنبا واحدا، ساءت عاقبتهم وحرموا السعادة. لا يسجّلون في دفتر مذكراتهم إلا ذنوبهم ولا يضيّعون وقتهم في تسجيل حسناتهم وأعمالهم الصالحة.

أهل التشدد مع أنفسهم، والتساهل والرفق مع الآخرين

  • لقد ملأت أرجاء هذه المدينة شميم الرأفة وعطر الجنّة. فمهما كان ضيوف هذه المدينة متشدّدين مع أنفسهم، كانوا متساهلين ورافقين مع غيرهم. فقد يشعر الإنسان بأنهم قد خلطوا بين أنفسهم والملائكة الموكّلين لخدمتهم. يشعرون بأنهم مدينون للجميع وليس لهم أي طلب من الله. لا تفارق البسمة شفاههم ويتعاملون برأفة ورحمة مع الجميع وبشكل سواء، حتى قد يشعر الإنسان من حميمية معاشرتهم بأنه من أصدقائهم القدامى. فمع أنهم متشدّدون على أنفسهم ولكن يشعر الإنسان بالراحة عندهم.
  • كلما ازدادوا جوعا، يزدادون اندفاعا لإشباع الآخرين، وإن شبعوا، يؤنّبهم ضميرهم ويعتريهم الخجل. بالرغم من كونهم ضيوفا في هذه المدينة ولكنهم يسعدون بنزول الضيف عندهم، إنهم يتمتّعون بالإطعام أكثر من الطعام.

الحي المركزي في المدينة

  • أنصحكم أن لا تسافروا إلى هذه المدينة، إذ لو اقتربتم إلى حصن النور الواقع في مركز المدينة، تعمى أعينكم عن مشاهدة الغير، وسوف لا تنظروا إلّا إلى ذاك الحبيب المستور، وسوف يراكم الجميع دوما وأعينكم مغرورقة بالدموع.
  • إنها المنطقة الشامخة من المدينة. اسم زقاقها الرئيس زقاق بني هاشم. ولابدّ أن قد طرق اسمه أسماعكم. لا تخشوا! فإن في هذه المدينة السماوية لن تعتري هذا الزقاق أيدي الفجرة أبدا. يلوح لك بيت الأحرار من بين النخيل الباسقات، وتفوح منه رائحة يد أمّ حنون تدير الملائكة رحاها لتعينها على الخَبز. إن موطئ أقدام أهل هذا الزقاق موطن تقبيل أولياء الله.
  • إن كنتم لا تخافون على أرواحكم، فلأزدكم عن هذا البيت المركزي. يلوح بيت أمير المؤمنين(ع) في مركز المدينة وفي تلك المنطقة المشرقة، عن بعد مسافة طويلة. لقد أحاط بيته ببيت رسول الله(ص) وكأنه مدينة في داخل هذه المدينة.
  • فكلّ من أراد بيت رسول الله(ص)، لابدّ أن يمرّ من بيت أمير المؤمنين(ع)، وكلّ من يطرق باب علي(ع)، عادة ما يسمع صوت فاطمة الزهراء(س) من داخل البيت. إنها تعرف المراجعين جميعا، وتنادي كلّا باسمه بصوتها الحنين. لو خطوت صوب ذاك البيت الرفيع الذي هو مصدر كل اعتبار الأنبياء والأولياء، فيخشى على روحك إن رأت ربّة بيت عليّ(ع) أن يضيق بها بدنك وتفارقك.

إحرام قبل اللقاء، وحلم بعد الفراق

  • من أجل كلّ الهدايا والعطايا التي حظيت بها في مدينة الله هذه، حريّ بك أن تقبّل وجه هذا الشهر الكريم، وتشمّ زهرة وجوده. لابدّ من إضاءة ليل وجودنا المظلم بنوره، ووجْد طرق السماء عبر نور بدره المشرق. ينبغي أن يدخل الإنسان بطهارة في مدينة الله ويسجد على تربتها بكلّ وجوده. يجب تعظيم مدينة الله كما نعظّم بيته، وأن يحرم الإنسان عند الدخول فيها. إنها لمدينة مترعة بالعطف والحنان وهي مصدر المعرفة ومأوى الأبرار والمقرّبين في العالم.
  • إن الحضور في مدينة الله لفرصة عظيمة، فإذا نسمت عليك نسمة واحتوتك بين جنبيها، يخيّل إليك أنها لن تنفك عنك بعد، ولكن سرعان ما ترتحل وتعبر وتتركك في حلم جميل، فتذهب مسرعة ولا يبقى منها سوى خيال من بردها ولطافتها ثمّ تضمحلّ في خضمّ رتابة الحياة. إن ليل وصاله قصير ويوم فراقه طويل...    

تعليق