الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
۹۵/۰۶/۰۲ چاپ
 
الطريق الوحيد للحصول على الحياة الأفضل ـ 3

الحياة المليئة بالمشاكل لا تدلّ على الإيثار وعبادة الله/ ينبغي للمتديّنين أن يكونوا طلّاب الحياة الأفضل أكثر من غيرهم/ نريد أن نكتشف طريق الحياة الأفضل بالعقل لا بالأبحاث الدينيّة/ إن الانتفاع الكثير من الدنيا جائزة الالتزام بالدين

  • الزمان: 20/06/2016
  • المكان: طهران ـ مسجد الإمام الصادق(ع)

بعد ما ألقى سماحة الشيخ بناهيان سلسلة محاضراته في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» ونالت إعجابا من قبل الشباب، بدأ بطرح موضوع «الطريق الوحيد للحصول على الحياة الأفضل» ليجيب عن سؤال «كيف نحظى بحياة أفضل؟» فإليك أيها القارئ الكريم نصّ أهم المقاطع من محاضرته في الجلسة الثالثة:

ينبغي للمتديّنين أن يكونوا طلّاب الحياة الأفضل أكثر من غيرهم

ليس موضوع بحثنا هو علاقة الدين مع الحياة، إذ لا نريد أن نعرف «كيف نكون متديّنين ونعيش في حياة مريحة في نفس الوقت؟» كما لا نريد في بادئ الأمر أن نفتّش عن طرق «تحسین حیاتنا عن طريق الدين؟» كما لا نريد في بادئ الأمر أن نخوض في موضوع «رؤية الدين تجاه الحياة الأفضل وما هي الطرق التي يقترحها علينا في هذا المسار؟» بل موضوعنا هو «كيف نصل إلى الحياة الأفضل؟» بغض النظر عن دور الدين في وصولنا إلى الحياة الأفضل. نريد أن نعرف أن ما هو الطريق إلى الحياة الأفضل؟

لماذا جئنا إلى موضوع الحياة الأفضل؟ لأننا بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتخلّى عن تحسين حياته. الإنسان يحبّ حياته من جانب، ويصبو إلى تحصيل الحد الأقصى من الحياة، ولا يزال يغيّر بعض أجزاء حياته ويحسّن من أوضاع حياته دون ملل أو كلل.

وقد فسح ديننا المجال لوصولنا إلى هذا المطلب الإنساني المتمثّل بتحسين الحياة. إن للدين كلاما حول تحسين الحياة وسوف نقف عند بعض عباراته من بين آيات القرآن وأحاديث الأئمة المعصومين(ع) لكي تروا أنه يجب على المتديّنين وطلّاب المعنويّة أن يسبقوا غير المتديّنين في طلب الحياة الأفضل. وسنأتي بدليل قرآني على ضرورة ذهاب المؤمنين إلى تحقيق هذا الهدف. إن غير المتديّنين يبحثون عن بعض الخصوصيات في الحياة ولكن لا يمكن تسميتها بالحياة الأفضل بالضرورة.

القرآن الكريم: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجیلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَیْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم)

لقد قال الله تعالى: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجیلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَیْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِم وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم) [المائدة/66]. لم يقل الله: «ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل لازدادوا نورا»! ولم یقل: «ولو أنهم فعلوا ذلك لأسكناهم مساكن طيبة في الجنان!» طبعا قد ذكر هذه الآثار في آيات أخرى من القرآن، ولكن لأنّه قد حصل سوء فهم لدى بعض الناس بحيث زعموا أن جميع وعود القرآن تختصّ بيوم القيامة، نريد التأكيد هنا على هذه النقطة وهي أنه إذا رأيتم أن الحديث عن القيامة كثير جدّا في القرآن الكريم فلأنه أهمّ، لا بمعنى أن لا فائدة للتديّن في هذه الدنيا.

إن الانتفاع الكثير من الدنيا جائزة الالتزام بالدين/ طريق تحسين الحياة طريق إلهي

من خلال هذه الآية يتّضح أن وفور النعمة ـ ولا التخمة ـ بحيث تنفتح عليك بركات السماء والأرض، إنما هو جائزة الالتزام بالدين. وليت شعري أين حصل البشر على مثل هذه الجائزة عن طريق غير التديّن؟! نحن نرغب في الحياة التي وصفها القرآن في قوله: (لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِم وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم). وهناك آيات أخرى في القرآن تشير إلى هذا المعنى، ولكنّها ليست بهذه الصراحة بحيث تتطرّق إلى الطعام وأسباب العيش. فعلى سبيل المثال جاء في القرآن: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَیْهِمْ بَرَکاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ) [الأعراف/96]

نحن بصدد الوصول إلى الحياة الأفضل ولا نريد أن نقول في هذا الحوار بأننا نريد الرجوع إلى الدين. نريد أن نبحث بهذه الطريقة؛ وهو لو كنّا نبحث في هذه الدنيا عن الحياة الأفضل فقط، فكيف يجب أن نعيش؟ طبعا إن الله قد وعد المؤمنين وبشّرهم بنيل الحياة الطيّبة والحياة الأفضل في هذه الدنيا وهذا ليس بأمر سيّئ. فهذا يعني أن من حسّن حياته في هذه الدنيا فهو في الواقع قد سلك طريقا إلهيّا. ولكنّنا في بادئ الأمر لا نريد أن نسلك طريق الله، نريد أن نبحث عن كيفية تحسين الحياة الدنيويّة عبر أيّ طريق كان.

هل يفترض العقل طريقا للحياة الأفضل غير طريق الدين؟

قبل أن ننطلق لطلب الحياة الأفضل، لابدّ لنا من تعريف الحياة لنعرف ما هو مقصودنا وتعريفنا عن الحياة؟ ثانيا علينا أن نبيّن مقصودَنا من الحياة الأفضل. وثالثا يجب أن نفتّش عن مختلف الطرق للوصول إلى الحياة الأفضل لنرى الأفضل من هذه الطرق. وفي آخر المطاف نريد أن ننتهي إلى هذه النتيجة وهي أنه لا يعرف العقل أي طريق للحياة الأفضل غير طريق الدين. يعني نريد أن نرى هل سننتهي إلى هذه النتيجة أم لا. نحن لا نريد أن نكتفي بقول أن «للدين تأثيرا في تحصيل الحياة الأفضل» فإن هذا ما يقوله حتى علماء النفس الآن!

ترى الآن الكثير من المتحدّثين الذين طرحوا كلاما جديدا في الساحة، يتكلمون بهذا الكلام. يقولون: «أساسا لابدّ للإنسان أن يعبد أحدا. وحتى ليس بمهمّ أن يكون هذا المعبود موجودا فعلا! بل حسبك أن تعبد شخصا ما، فهذا يمنحك اطمئنانا في الحياة.» نحن لا نريد أن نتحدث بهذا الكلام. حتى لا نريد أن نكرّر كلام بعض المتديّنين الذين يقولون: «لا یخلو الدين من تأثيرات إيجابية في الحياة». نحن لا نريد أن نكتفي بهذا الحدّ الأدنى في الرؤية

إن بدء الدين من «إثبات الصانع» لا يخلو من ضغط نفسيّ عالٍ على الناس، فلنبدأ من هذه الحياة

نريد أن نعرف هل نستطيع أن ننتهي إلى ضرورة الدين عن طريق الحصول على الحياة الأفضل. نحن غالبا ما ننطلق في معرفة الدين والالتزام به من إثبات الصانع والخالق. نبدأ من التوحيد والعدل ثم ننتهي إلى النبوّة والإمامة والمعاد. ثم نقول: «فلنبدأ بالعمل وفق الدين!» لا بأس بذلك طبعا، إذ أنه طريق معقول ومنطقي. ولكنّه لا يخلو من ضغط نفسي عال على الناس.

هذا الإنسان الذي يباشر حياته وقد تعلّق قلبه بها، فنقطع طريقه ونترصّد له في المدرسة ونقول له: «قف! من صانعك؟ من خالقك؟ لا يمكن لهذا العالم أن يكون بلا خالق!» سيقول: «طيّب؛ قبلت! ولكن دعني أستمر في حياتي» فنقول له: «اصبر! فإن لخالقك حقّا عليك...» طبعا لا بأس بهذا الخطاب، إذ أنكم تتحدّثون بكلام منطقيّ وصحيح. وكلّ من يدرك حديثكم المنطقي هذا، سيقف عند كلامكم ويتفاعل إيجابيّا معكم. فلا نقاش في مضمون هذا الكلام. ولكن بحسب ما نرى المجتمع، إن أكثر الناس مشغولون بحياتهم وهم غير مبالين بأن هل لهذا العالم خالق وصانع ومبدأ ومعاد أم لا. فتعالوا نخاطب هؤلاء الناس أيضا ونتحدث معهم كلمتين.  

الناس مشغولون بحياتهم ومنطلق جميع نشاطاتهم وأفكارهم هو هذه الحياة. كما أن الحياة تمثّل أغلب همّهم وغمّهم. فتعالوا نحترم طريقة تفكير الناس ونبدأ من هذه الحياة. فنقول لأحدهم: ماذا تريد؟ فيقول: أريد حياتي. فنقول له: وهل تريد أن تتحسّن حياتك؟ سيقول: «نعم» بلا شك. فنقول له: إذن لنجلس ونفكّر في أنه كيف يمكن تحسين هذه الحياة. فإن انتهى بحثنا عن طريق تحسين الحياة إلى وجود الله وضرورة عبادته سنسلّم ونقرّ بكل رحابة صدر.

نحن لا نريد أن نتفلسف. لا نريد أن نتفضّل على الله بتأييدنا له! نحن طلّاب الحياة ونريد أن تتحسّن حياتنا. هذا هو همّنا ليس إلّا. فلنذهب لنرى كيف يمكن أن نحسّن الحياة. اذهبوا وحاولوا أن تحسّنوا حياتكم بضمائر حيّة، ثم انظروا هل ستصلون إلى الله في طريق تحسين الحياة أم لا؟ نريد أن نمشي ونتقدّم بهذه الرؤية وثقوا بأننا سنصل إلى الله وإلى عبادته. كما سنصل إلى المعنويّة والتديّن. طبعا بشرط أن يكون المعيار في هذه الدراسة هو العقل.

لقد حصل سوء فهم كثير في داخل مجتمعنا وفي العالم بأسره، فلابدّ من إزالته/ إن إزالة سوء الفهم من أي شخص هو نصرة لإمام الزمان(عج)

لماذا جئنا نتكلّم عن هذا الموضوع؟ كما ذكرت في الجلسة السابقة، أحد أهدافنا في هذا البحث هو إزالة أنواع الخلط وسوء الفهم. أنتم تعلمون أنّ آخر الزمان زمن ظهور أكبر الامتحانات والابتلاءات الإلهيّة. فعندما يغربل الناس في آخر الزمان، يصلح فيه الكثير من السيّئين ويسوء فيه الكثير من الصالحين ـ  لا أقصد من «الكثير من الصالحين» أكثر الصالحين ـ فيتّضح بأنهم كانوا قد فتحوا دكّانا إلى الآن ولم يكونوا متديّنين حقيقيّين.

لقد حصل التباس وسوء فهم كثير في داخل مجتمعنا وفي العالم بأسره ونحن نخوض هذه الأبحاث لمعالجة سوء الفهم هذا. أحد الأعمال التي يجب أن نقوم بها كمنتظرين للإمام المهدي(عج) هو إزالة سوء الفهم. إن هؤلاء الناس الذين يعيشون في أطراف الأرض وأكنافها كلّهم أهداف قيام الإمام(عج) وسيظهر من أجلهم. فإذا أزلت سوء الفهم عن كل واحد من هؤلاء قد نصرت إمام زمانك. كلّ امرءٍ تأهّله لقبول رسالة صاحب العصر(عج) فإنك قد خدمت الإمام.

أحد أعمالنا في آخر مراحل الانتظار هو إزالة ظواهر سوء الفهم التاريخية/ لقد أصبح اليوم إزالة ظواهر سوء الفهم أسهل جدّا

أحد أعمالنا في آخر مراحل الانتظار هو إزالة ظواهر سوء الفهم التاريخية التي حاول إبليس أن يوجدها منذ اليوم الأول وقد نجح في ذلك، وإلى الآن. ولكن قد نشأت أرضيّات وأسباب جيّدة جدّا لإزالة هذا الالتباس وسوء الفهم.

لقد أصبحنا والحمد لله نعيش في زمن وعالم يمكننا إزالة سوء الفهم فيهما. فعلى سبيل المثال إذا أراد امرء أن يتغرّب كثيرا ويبالغ في الدفاع عن الحياة الغربيّة، بإمكانكم أن تقولوا له: «هل تقصد حياة الشعب الفرنسي، تحت ظل السياسيّين الوحوش؟ أم تقصد الحياة في إنكلترا أو أميركا؟ فاذهب وتصفّح حياتهم! أفهل تعجبك كل معالم تلك الحياة؟» لم يعد بإمكان التغرّب المتطرّف أن يكون له حضور في أوساط مجتمعنا اليوم.

لقد أمكن التصريح بالكثير من الحقائق. وأمكن الكلام ضدّ كلّ الخداع الذي منع البشر من التفكير في الحياة الأفضل بالشكل الصحيح. لقد تيسّر عملنا الآن في إزالة حالات سوء الفهم. كما لدينا بعض النماذج من المؤمنين الذين طبّقوا الدين وحسّنوا به حياتهم. بإمكاننا أن نطرح هذه النماذج فهي تمثّل إمكاناتنا الخاصّة في هذا المسار.

كلّ من ترك الدين عن سوء فهم، فلابد أن ينتقل إلى هذا الجانب؛ هذه هي وظيفتنا التاريخية

يجب أن ينتقل جميع غير المتديّنين الذين قد ابتعدوا عن الدين بسبب سوء الفهم، إلى هذا الجانب؛ هذه هي وظيفتنا التاريخية. كما يجب أن ينتقل كلّ من فتح دكّانا في أوساط المتديّنين ويتظاهر بالديانة بشكل مزيّف إلى ذلك الجانب. علينا أن نساعد في إنجاز هذه الغربلة ولا نكون من هؤلاء المتديّنين المزيّفين. أنا لا أريد أن أتكلم ضدّ المتديّنين ولكن انظروا إلى منظمة داعش في المنطقة. إن هؤلاء يعملون ضدّ جميع مظاهر الحضارة والعقلانية باسم الدين. ولا شك في أن الغربيّين هم الذين أنتجوا داعش ليشوّهوا به سمعة الإسلام.

إن كانت حياة متديّن غير صحيحة، فهو غير صادق في ادعائه

وكذلك أنا وأنتم فإن كنّا ندّعي التديّن، فلابدّ أن تكون حياتنا صحيحة وإلا فادعاؤنا غير صادق. من المؤكد أن بعض المتديّنين يعارضون طرح موضوع «الحياة الأفضل»، لأنك ستستطيع أن تعيبه بعدئذ وتقول: «يبدو أنك لست متديّنا حقيقيّا إذ لا تشتمل حياتك على خصائص الحياة الصحيحة!» فبعد أن ذكرنا خصائص الحياة الطيبة وتفاصيلها سيتسنّى لكم أن تؤاخذوا بعض المتديّنين المصلّين الذين لم يكوّنوا حياة طيّبة صحيحة.

من تورّط بالمشاكل على أثر الحياة غير الصحيحة، لن يحصل على مهجة للمناجاة/ لماذا مجالس الدعاء بهذه القلّة في مدينتنا طهران؟

لعل بحثنا لا ينسجم مع المشاعر المعنوية والحالات الرائعة واللطيفة والعرفانية التي نترقّبها في شهر رمضان. ولكن نقول بأنها تنسجم من عدّة جوانب! إن الذين يعيشون حياة صحيحة بلا هموم لا مورد لها فهم لا يواجهون «معيشة ضنكا»، فيتفرّغون بمزيد من الفرصة للمناجاة. بينما أولئك الذين قد اعترتهم هموم وهواجس إضافيّة لا داعي لها على أثر الحياة غير الصحيحة تراهم بلا مهجة ولا فرصة للمناجاة. إذا أراد الله أن يعاقب أحدا يشغله همّا بالدنيا بحيث إن دعي إلى العبادة والدعاء والمناجاة، يقل: يعجبني ذلك ولكن ليس لدي وقت كاف، لدي مشاكل كثيرة فلا أستطيع! كما روي عن الإمام الصادق(ع): «فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى وَ لَا أَكِلْكَ إِلَى طَلَبِكَ وَ عَلَيَّ أَنْ أَسُدَّ فَاقَتَكَ وَ أَمْلَأَ قَلْبَكَ خَوْفاً مِنِّي وَ إِنْ لَا تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ شُغُلًا بِالدُّنْيَا ثُمَّ لَا أَسُدَّ فَاقَتَكَ وَ أَكِلْكَ إِلَى طَلَبِك» [الكافي/ج2/ص83]

لماذا مجالس الدعاء في مدينتنا طهران بهذه الدرجة من القلّة؟ لأن الناس متورّطون في مشاكل. ولكن من أين أتت كل هذه المشاكل؟ من الابتعاد عن الدين! إذ من يعيش حياة صحيحة وجيّدة لا يورّطه الله بحيث يُسلَب فرصة العبادة. طبعا قد يكون بعض الناس يتعبّد الله في بيته، ولكن مجالس الدعاء أيضا لها شأنها. لماذا لا تزداد المعنوية؟ لأننا مشغولون بمشاكل الحياة. فلابدّ أن نعرف لماذا شغلتنا الحياة أكثر من اللازم؟! أفهل قد أصبحت معيشتنا «معيشة ضنكا»!

نريد أن نكتشف طريق الحياة الأفضل بالعقل لا بالأبحاث الدينية/ نفس هذا العقل الذي يفترض أن يصلح دنيانا، كفيل بإصلاح آخرتنا أيضا

إن موضوع بحثنا هو أنه هل من طريق للحصول على الحياة الأفضل؟ إن أصل ضرورة الحصول على الحياة الأفضل أصل محرز ولكن هل من طريق إلى هذه الحياة؟ نعم، نحن نريد أن نكتشف هذا الطريق ولكن باستعانة العقل. لا نريد أن نتحدّث بأدبيات دينية، لكي يستطيع من لم يقتنع بالدين مبدأيّا أن ينتفع بالكلام. إذن فمنهجنا في التفتيش عن مقتضيات الحياة الأفضل هو حوار عقلاني.

في البداية أقرأ عليكم بعض الروايات في شأن العقل وكونه متلازما مع «الدين» و «الحياة الطيّبة» لنرى كم أن ديننا متعلّق بالعقل. نفس هذا العقل الذي يُفترض أن يصلح دنيانا، كفيل بإصلاح آخرتنا أيضا.

قال النبي الأعظم(ص) في حديث شريف: «إِنَّمَا یُدْرَكُ الْخَیْرُ کُلُّهُ بِالْعَقْلِ ثم قال: وَ لَا دِینَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَه» [تحف العقول/54] يعني يجب أن نشغّل العقل في سبيل نيل الخير كلّه بما يشمل الدين. ثم ندرك دور الدين بين جميع مصاديق الخير.

کلمة «القیم» التي روّج لها بعض الناس، جاءت بثقافة لسانيّة خاطئة/ أمير المؤمنين(ع): ملاك الدين العقل

بادر البعض إلى ترويج ثقافة لسانية خاطئة فقال عن المتديّنين: «هؤلاء يتحدثون بمنطق قيمي» وفي المقابل قالوا بشأن غير المتدينين: «هؤلاء يتحدثون بمنطق عقلاني». يعني أن المتديّنين طلّاب المقدّسات وغير المتديّنين طلّاب المعقولات. لقد قاموا بهذا التقسيم كما أعجبت بعضَ المتديّنين كلمتا «القيم» و «القداسة» فقمنا نردّد نفس هذه الثقافة وأننا ندافع عن القيم! ولكن القوم كانوا يقصدون أن تفكير هؤلاء المتديّنين قيمي لا عقلاني! يعني يريدون أن يصوّروا عمل المتديّنين غير عقلاني. في حين أن مشكلتنا معهم في العقل ذاته، ومن هنا قال الله سبحانه: (أَکْثَرُهُمْ لا یَعْقِلُون) [المائدة/103] فلو كان لهم عقل لكان دينهم سالما.

في رواية أخرى يقول أميرالمؤمنين(ع): «مِلَاكُ الدِّینِ الْعَقْل» [غررالحكم/702] وعن النبي الأعظم(ص): «لَا عَقْلَ کَالدِّین‏» [إرشاد القلوب للديلمي/ج1/ص74] يعني يمكن أن ننظر إلى الموضوع من ذلك الجانب أيضا ونقول أن الدين يمنح الإنسان أفضل عقل.

قال أمير المؤمنين علي(ع): «الدِّینُ وَ الْأَدَبُ نَتِیجَةُ الْعَقْل» [غررالحكم/1693] يعني من كان متحلّيا بالعقل ينحو باتجاه السلوك المؤدّب تلقائيّا. ولذلك أينما أجد إنسانا مؤدّبا، أقول في نفسي: كم هذا الشخص نافع للدين؛ إذ من المؤكّد أن عقله قد أرشده إلى السلوك بأدب ويكفيه عقله في التزامه بالدين. وقد قال أميرالمؤمنين(ع) في حديث آخر: «إنَّما العَقلُ التَّجَنُّبُ مِنَ الإثمِ و النَّظَرُ فی العَواقِبِ و الأخذُ بِالحَزمِ» [غررالحكم/3887] وروي عن رسول الله(ص): «فَنَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِل» [المحاسن/ج1/ص193] فانظروا أي علاقة عقدها الله بينه وبين العقل ومدى احترامه للعقل.

القرآن يروّض عقل الإنسان/ نحن بصدد الذهاب باتجاه تحصيل الحياة الأفضل بمعيار عقلاني

لابدّ لكم من ترويض عقولكم. وأحد الآثار التي يتركها القرآن في وجود الإنسان هو أن يربّي عقله. إن شهر رمضان ربيع القرآن وقد وصّونا كثيرا بكثرة تلاوة القرآن فيه وهذه لفرصة قيّمة لازدياد العقل.

إياك أن تقضي شهر رمضانك باستماع موسيقى عرفانية وأن تقول: «لقد عشت أجواء ممتعة وروحانية في شهر رمضاني هذا مع هذه النغمة العرفانية!» إن عليك هو أن تجعل شهر رمضانك مفعما بالنور والأجواء الروحانية عبر ترويض عقلك. طبعا لا يتعارض ذلك مع استماعك إلى بعض النغمات العرفانية ولكن لا تضيّع الأصل واعرف أين الركن والأساس.

نحن بصدد الذهاب باتجاه تحصيل الحياة الأفضل بمعيار عقلاني وكونوا مطمئني البال والخاطر بأننا وفي مسار حركتنا سننتهي إلى ضرورة الدين والالتزام به. ولكننا لا نريد بادئ ذي بدء أن نتحدّث عن الآخرة والقيامة والمعاد. نحن الآن وفي بادئ الأمر نريد أن نعرف أن لو تحسّنت الحياة فكيف تتحسّن؟ لكي لا يشعر أحد بأننا نريد أن نفرض عليه العبادة! ينبغي لمن يريد أن يصلح حياته أن يرى بعقله ضرورة العبادة.

أميرالمؤمنين(ع): وَ لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِیَّهُ اتَّبَعُونِی وَ أَطَاعُونِی لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ

لقد وعدتكم أن أقرأ عليكم روايات حول الحياة الأفضل. قال أميرالمؤمنين(ع) حول قوله تعالى (لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [المائدة/66] «وَ لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِیَّهُ اتَّبَعُونِی وَ أَطَاعُونِی لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ رَغَداً إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَة» [كتاب سليم بن قيس/ج2/ص658]

هنا تعرّفوا على أحد أسباب لطم جميع اللاطمين على مصائب أهل البيت(ع)! فانظروا من أي نعمة قد حرم البشر! لقد كان حديث أميرالمؤمنين(ع) ينطوي على نظرة عامّة لهذا الموضوع. وهناك نظرة أخص نجدها في رواية الإمام الصادق(ع) حول هذه الآية الكريمة نفسها حيث يقول: «یَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَوْ أَنَّ شِیعَتَنَا اسْتَقَامُوا لَصَافَحَتْهُمُ الْمَلَائِکَةُ وَ لَأَظَلَّهُمُ الْغَمَامُ وَ لَأَشْرَقُوا نَهَاراً وَ لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَ لَمَا سَأَلُوا اللَّهَ شَیْئاً إِلَّا أَعْطَاهُم» [تحف العقول/302]

ولكن ما هذا الطريق المنتهي إلى هذه الحياة الطيّبة التي وصفها الإمام الصادق(ع) ولم نسلكه؟ نحن الذين نقرأ دعاء الندبة، ونتطلّع للحياة تحت ظل الإمام الحجة، هل نرى الحياة غير هذا؟ أ ولسنا أقمنا هذه الثورة في سبيل نيل مثل هذه الحياة؟ هل قد أقمنا الجمهورية الإسلامية لكي نصلّي وحسب؟ وجدير بالذكر أننا لم نصلِّ بشكل صحيح، لأن حياتنا غير صحيحة. كما عندما يقال لبعض الناس: لماذا لا تصلّي؟ يقول: إنني مشغول ومشاكلي كثيرة.

يجب أن نصمد في طلب الحياة الصحيحة/ أولئك الذين قد اهتمّوا بالعبادة في شهر رمضان، فليهتمّوا قليلا بالحياة أيضا

علينا أن نصمد في طلب الحياة الصحيحة ونثابر من أجلها. وإلا فلو كنّا بصدد الوصول إلى الله بممفردنا بغضّ النظر عمّا يجري في العالم، لكان الأولى أن نعتزل في زاوية وننشغل بالعبادة دون أي علاقة بالآخرين!

ينبغي للمهتمّين بالعبادة في شهر رمضان أن يهتمّوا قليلا بالحياة أيضا، ويثابروا قليلا في سبيل الحياة الطيّبة التي منحها الله للمؤمنين. طبعا إن فراعنة العالم وخبثاء العالم الأراذل قد وقفوا سدّا منيعا أمام هذا الطريق، فلابدّ من إرغام أنوفهم وإزالتهم من الوجود!

الدين مدّعي توفير الحياة الأفضل/ الحياة المليئة بالمشاكل لا تدل على الإيثار والزهد وعبادة الله

نحن مدّعو الحياة الأفضل؛ وإذا يأتي أناس من الخصم ويتحدّثون عن الحياة متبجّحين! وهذا ما يدلّ على أننا لم نكن نتحدّث بالشكل الصحيح فاختلط الأمر على البعض. نحن يجب أن نحقّق هذه الحياة التي تحدث عنها القرآن في قوله تعالى: (لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِم وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم). يجب أن نحظى بهذه الحياة. وهذا ما يريده منّا الله وهو أن نرقّي حياتنا إلى هذا المستوى.

التديّن بغير اعتناء بالحياة خداع للنفس

إذا كنّا نعيش في حياة مليئة بالمشاكل فهذا لا يدلّ على الإيثار والزهد والتضحية والعبادة والإخلاص. لابدّ أن نرى ما هي العوامل التي تمنعنا من التمتّع بالحياة الطيّبة والصحيحة. إن الحياة الطيّبة لنا ونحن الذين نستحقّها فيجب أن نحقّقها. إن كنّا ملتزمين بالدين ولكن لم نبالِ بالحياة فنحن في الواقع قد خدعنا أنفسنا، إذ ليس هذا بالتديّن الصحيح.

تعليق