الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
14/12/31 چاپ
 

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني (الجلسة الثالثة)

ملخص الجلسة الثالثة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» حيث ألقاها في ليالي شهر رمضان المبارك عام 1434هـ. في مسجد الإمام الصادق(ع) في مدينة طهران + ترجمة صوتیة

المدت: 53 دقیقة | تنزیل (36MB)

  إن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على إنتاج قوة مضافة

لقد خلقنا من أجل أن نحدث تغييرا وتحولا في أنفسنا ونستعين بذلك على إنتاج قيمة مضافة، إذ الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على إنتاج قوة مضافة. فعلى سبيل المثال إنه قادر على استخدام بعض النباتات والأعواد اليابسة المهملة لإنتاج بعض الصنائع اليدوية كالسلال، وهذا ما يمثّل ضربا من إنتاج القوة المضافة.

وإن ما ننتجه من قوة مضافة هو الذي سوف يوصلنا إلى الكمال وهو الذي يقربنا إلى الله، وبه سوف نفوز بالجنة. ومن أهم تجليّات هذا الإنتاج هو أننا قادرون على تحديد نوع حياتنا الأبدية بأنفسنا. نحن لسنا أولي تأثير كبير على كيفيّة حياتنا الدنيوية، إذ قد قدّر معظمها مسبقا، بينما نملك الحريّة والاختيار في اختيار نوع حياتنا الأخرويّة وكيفيّتها، وبإنتاج القيمة المضافة إنما نحدّد نوع حياتنا الأخرويّة. فالجنة التي سوف نفوز بها غدا إن شاء الله ليست مجرد أجر وحسب بل هي أكثر من ذلك، لأن الإنسان الذي يبني لنفسه بيتا ثم يسكن فيه، لا ينظر إلى بيته كجائزة حصل عليها بعد معاناته في بناء البيت، بل يراه نتيجة عمله.

أحد أسباب رهبة يوم القيامة هو أن الإنسان سيدرك كم كان له دور وأثر مباشر في تحديد جزئيّات وتفاصيل حياته الأخرويّة. لقد تمّ القرار الإلهي على أن نكون نحن أصحاب التأثير المباشر على مليارات السنين المؤبدة وغير المحدودة، وذلك عبر إنتاج القيمة المضافة.

  إن نطاق اختيارنا في هذه الدنيا ضيّق ومحدود جدا إلا في...

لقد تم تصميم جزء كبير من حياتنا الدنيوية على يد الله سبحانه دون إدخال إرادتنا ومشيئتنا في ذلك. فقد اختار والدينا وجسمنا وشكلنا ومواهبنا وكثيرا من مقدرات حياتنا بلا أن يكون لنا دخل في هذه الشؤون. نعم، إن مدى تأثيرنا في هذه الحياة غير معدوم على الإطلاق ولكنه في نطاق ضيق جدا.

أما الشيء المطلق وغير المحدود الذي نملكه في هذه الحياة الدنيا هو فكرنا وفهمنا، ومن هذا القبيل أميالنا ورغائبنا القلبية. إن الدنيا وما فيها هي بمثابة المعرض، وليس شأننا في هذا المعرض إلا أن نؤشر ونختار ونسجّل بعض الموارد في قائمة الرغبات المادية والمعنوية. ولكن لا مجال للانتفاع والحصول على ما سجلناه واخترناه في هذه الدنيا، إذ أنها معرض ليس إلا.

وما نحصل عليه في هذه الدنيا من النعم المادية والمعنوية فهي كالشطيرة التي يقدّمها لك صاحب المعرض لتتقوّى بها على مشاهدة باقي أقسام المعرض. فعندما تقوم للصلاة بين يدي ربك، حتى وإن كنت خاشعا في صلاتك ومتمتعا بها، في الواقع أنت كنت تؤشر وتختار بعض البضائع في معرض الدنيا. فكأنك كنت تعبّر عن رغبتك في لقاء الله، حتى تحصل على مزيد من هذا اللقاء في الجنّة. فإذا اخترت هذا الشيء في هذا المعرض سوف تدعى إلى لقاء الله باستمرار، كما سوف تحظى بلقاءات أمتع وأرفع.

وكذا الحال في الزواج والأكل والشرب وباقي ملذّات العيش، فإن ما نملكه في هذه الدنيا هو أن نختار ونؤشر ونوصّي، ولن نحصل على شيء من هذه البضائع في الدنيا إلا الحد الأدنى.

أما بالنسبة إلى الحياة الآخرة الأبدية اللانهائية فإن لنا اختيارا كبيرا في نطاق واسع جدا، وما أعظمها من حقيقة. إن القيمة المضافة التي نستطيع أن ننتجها هي ليست مجرد نقود وأموال، بل نحن قادرون على تحديد مصيرنا ومؤثرون في مقدرات عالمنا الكبير. وسوف نشاهد مدى تأثيرنا الكبير بمجرد دخولنا في الجنة وسوف نعيش هذا الواقع إلى الأبد.

وقد تعترينا الرهبة والدهشة بعد ما نشاهد مدى تأثيرنا في ذاك العالم، ولا سيّما إن كنا غير مؤمنين بمدى هذا التأثير. فلا تزعموا أن مدى تأثيرنا في الآخرة بمقدار تأثيرنا في هذه الدنيا. وفي المقابل لا تتوهموا أنكم قادرون على التأثير في مقدرات هذه الدنيا، ولكن كل لحظات حياتنا في هذه الدنيا تؤثّر في جميع تلك الحياة الأبدية في الآخرة.

  إن تصور أكثر الناس عن الجنة تصور خاطئ

إن تصور أكثر الناس عن الجنة تصور خاطئ، فهم يتصورون أن الجنّة ليست بمحل حياة طيّبة. بل هي محلّ يمكث ساكنوها فيها عَطَلةً بَطَلة ولا شأن لهم فيها سوى استلام الجوائز والتمتع بالنعم. فكأننا بأحدهم يجلس تحت ظل شجرة في الجنّة فما يلبث ساعة إلا ويأتيه غلام بملعقة من عسل لذيذ ويقدّمها له، ثم يأتي الآخر ويقدم له كأسا من لبن. فما إن ينتهي من وجبة العسل واللبن يقفز في نهر من عسل. ثم يخرج من النهر ويتكئ على أريكة تحت ظلال أشجار الجنة، وإذا بحورية تأتي وتمرّخ كتفيه. ثم يأتى له بعد التمريخ طبق من دجاج. وبعد أن ينسف الطبق يقدّم له ملعقة من عسل مرة أخرى... وهكذا إلى أبد الآبدين. فإنّ مثل هذه الحياة تحطّم الإنسان ولا يكاد أن يطيقها أسبوعا واحدا فضلا عن أبد الآبدين. ولا شك أننا مخطئون في هذا التصوّر عن حياة الجنّة.

لقد قال الله سبحانه في القرآن: (وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوان‏)[العنكبوت:64] إذن سوف تكون لنا في الجنة حياة بكل ما تعنيه الكلمة من تعاقيد ومنعطفات وأحداث وجَمال. إن هذا التصور الخاطئ قد دفع بعض الشباب ليسأل: ألى متى نجلس ونتمشى في بساتين الجنان وعلى ضفة أنهارها؟ أفلا نملّ ونضجر من تلك الأجواء الرتيبة؟! أو يتساءل: إن هذه الحياة الدنيا مع كل ما تشتمل عليه من مواجهات ونزاعات وأحداث وملاحم وقضايا، تُضجِر الإنسان وتملّه، فما بالك بالحياة الآخرة الرتيبة التي لا يواجه فيها الإنسان أي قضية تحتاج إلى حلّ أو علاج؟! وكل هذه الأسئلة ناتجة من تصورنا الخاطئ عن حياة الآخرة.  

إن واقع الأمر هو أننا سوف نكون أحياء في الجنة وسوف نعيش حياة راقية هناك. فعلى سبيل المثال إن من خصائص حياة الآخرة هي أننا سوف نحظى بطاقة هائلة في الجنان، فهل يعقل أن تكون طاقتنا الهائلة من أجل لعق العسل وحسب؟!           

  نحن نبذل معظم طاقتنا من أجل حل مشاكل حياتنا الدنيوية، بيد أن جلّ «اختيارنا» هو مختصّ بتحديد كيفية حياتنا الأخروية

لقد خلقنا من أجل إنتاج القيمة المضافة، وإن مفعول هذه القيمة المضافة هو تحديد نوع حياتنا الأخرويّة. فما ننتجه في هذه الدنيا من قيمة مضافة فهو يؤثر بشكل مباشر في كيفية حياتنا الآخرة لا الدنيا. ونحن سوف نموت ونحيى مئة مرة حسرة ونتمنى أن نرجع إلى الدنيا ونقول: لقد أدركنا الآن ما كان يجب علينا، حيث كنا نسعى وراء سراب لحلّ مشاكلنا الدنيوية، وكنّا نجرب مختلف الطرق والوسائل في سبيل تعديل حال هذه الدنيا التعيسة. ولكن هيهات فما اهتدينا إلى ذلك سبيلا.

فلماذا لا نعتبر ولا نعي هذه الحقيقة وهي أن الدنيا ليست بأيدينا ولا دور لنا فيها تقريبا. ولا شأن لنا فيها سوى إنتاج القيمة المضافة التي بها نصنع حياتنا الآخرة؟ من هذا المنطلق أعمروا بيوتكم فإنكم في حال صنعها وهندستها الآن، وإنكم الآن في حال تعيين مساحة أرض قصركم، كما أنكم الآن تختارون جيرانكم وأصحابكم، ومضافا إلى ذلك أنتم تحددون مستوى منطقتكم في الجنة. إنكم سوف تعيشون في تلك الجنة ما لن تقدروا على إحصاء عقودها المليارية في مليارات السنين، وإنها لحياة أضخم وأكبر وأوسع وأرقى جدا من أن تتمدّد في بستان بلا شغل ولا عمل، ثم تستقبل ملاعق العسل وأكواب اللبن بين الساعة والأخرى.

  ليست «القيمة المضافة» بمعنى ما نفهمه من الأجر والثواب

الحياة الحقيقية والأصيلة هي في الآخرة، لأن الحياة في هذه الدنيا مصحوبة بالممات، فإننا نطوي جزء كبيرا منها في النوم، أما هناك فنحن صاحون دوما. وتارة نتثاقل عن أداء الأعمال وتارة نتكاسل، بينما في الحياة الأخروية لا ننفك عن النشاط والطاقة دوما. نحن أصحاب الأمر والقرار في كيفية حياتنا الأخروية وهذا هو معنى إنتاج القيمة المضافة. فما إن نذكر «القيمة المضافة» لا يقتصر ذهنكم على الأجر والثواب، مع أنه أجر وثواب أيضا، ولكنه أجر في نطاقه الواسع جدا، بمعنى أنك قادر على تنظيم آخرتك في هذه الدنيا. فلابد من ترجمة كلمة الأجر والثواب على أساس ذاك العالم العظيم اللانهائي.

  إن فهم هذه الحقيقة يحلّ لنا بعض أسئلتنا الكلامية

كل ما موجود في هذه الدنيا فهو وسيلة لنتمكن به من إنتاج القيمة المضافة، وهنا منطلق بحثنا. إن ميزة آدم الذي خلقه الله هو القدرة على إنتاج القيمة المضافة. فكان الملائكة في غفلة عن هذه الحقيقة وهذا ما دفعهم للاستفسار عن سبب خلق آدم والآدميّين، إذ وجدوا أن من شأن هذا الكائن بما يشتمل عليه من حريّة وقوّة وشهوات، أن يسفك الدماء وأن يستغلّ قدراته وإمكاناته في الفساد. فلمّا طرحوا سؤالهم، قال الله لهم: إنّي أعلم ما لا تعلمون.

ولعلّ إحدى الحقائق التي كانت قد خفيت عن علم الملائكة هو مدى قيمة إنتاج القيمة المضافة، فإنّ قيمتها وثمنها يستحقّ خلق الناس حتى إذا فسد وأفسد جمع منهم. وهذا ما لم يفهمه كثير من الناس أيضا. حيث يسأل بعضهم، هل كان يستحق خلق الإنسان بغية إنتاج القيمة المضافة مثلَ هذه المظالم والإجرام وسفك الدماء؟ نعم يستحق.

فإن كنت ترى عدم استحقاقه، قل لي أين موقعك الآن في هذا العالم وما الذي تراه الآن حتى تقيّم وتستنتج؟! ألك ميزان يقارن بين قيمة خلق الإنسان والظلم الذي ارتكبه في العالم؟! فإذا أردت أن تخرج بنتيجة أدقّ لابد أن تتأمل بمزيد من الدقّة، ثم تحاول أن تدرك الحياة الأخروية، كما ينبغي أن تشاهد قيمة أولئك الذين أنتجوا القيمة المضافة وعاشوا في أجوائها. فإن استطعت أن ترى هذه الحقائق سوف تقرّ باستحقاق خلق الإنسان على رغم ما قد يرتكبه من إجرام.

  أطيلوا الفكر والتأمل في المعاد

نحن الآن وفي كل آن من حياتنا نعيّن ونحدّد كيفية حياتنا الأخروية وذلك من خلال آمالنا وأهوائنا وأدعيتنا وسلوكنا وأفكارنا وأقوالنا وبكل فعل نقوم به.

نحن ـ أيّها الإخوة ـ بأمسّ الحاجة إلى تغيير رؤيتنا عن المعاد. فقد استوقفني بحث المعاد في هذه الليلة ولا أدري كيف أمرّ من موضوع المعاد وأدخل في بحثنا؟ إن إدراك المعاد يمثّل إحدى مشاكلنا فلابدّ من إطالة الفكر والتأمل فيه. فلا ينفع الإيمان بالله وبأنبيائه ورسله ما لم يؤمن الإنسان بالمعاد.   

فإن لم نأخذ المعاد وحياة الآخرة بعين الاعتبار، يصبح كل شيء عبثا بلا معنى. والمعاد، هو أصل الحياة. على أي حال لا مجال لنا للوقوف عند موضوع المعاد فلابد من مغادرته. اللهم! أنر أبصارنا برؤية المعاد. فمن أجل أن أشرح لك يا إلهي كيف تنر أبصارنا، دعني أقرأ هذه الرواية. وبالتأكيد إنك عالم بكل الحقائق وتعلم كيف تنير أبصارنا إن شئت ذلك، ولكن لعلّ بعض الإخوة لم يدركوا المقصود من هذا الدعاء ولم ينتبهوا إلى مستواه الرفيع فلا بأس أن أقرأ لهم هذه الرواية الشريفة عن أمير المؤمنين(ع) حيث يصف المتقين: «فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ کَمَنْ‏ قَدْ رَآهَا فَهُمْ‏ فِیهَا مُنَعَّمُونَ‏ وَ هُمْ وَ النَّارُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُعَذَّبُونَ»(نهج البلاغة/الخطبة193).  فلنشاهد الآخرة هكذا. ويا حبذا لو استطعنا أن نرى الجنة أيضا ولا نار جهنم فحسب. إذ غاية ما يناله بعض ضعاف النفوس هو أن ينتبه إلى نار جهنّم، فيصبّ كل اهتمامه بالخلاص منها بلا أن يهتمّ بالجنّة. فيقول: حسبي أن أخلص من نار جهنّم ولا يهمّني بعد أين ما حُشِرت وسكنت. أما أنتم فحاولوا أن تتألموا من نار جهنم بدافع شوقكم إلى الجنّة. فانظروا إلى نار جهنّم كمانع مزعج حال بينكم وبين الجنّة. فلابد أن يصحب الخوفَ من النار شوقُ الجنة.

  ما دور العلم في إنتاج القيمة المضافة؟

فلنرجع إلى موضوعنا إذ قد ابتعدنا عنه كثيرا. لابد أن ننظر إلى موضوع جهاد النفس كهدف خلقة الإنسان. إذ خلق الإنسان لكي ينتج القيمة المضافة، وبالتأكيد إن نطاق هذه القيمة التي يستطيع الإنسان إنتاجها نطاق واسع جدا، فإنه سوف يكون أبديا في حياة الآخرة وهو الذي يحدد مصيره ويتحكم في كيفية حياته.

انطلاقا من مدى تأثير القيمة المضافة في نوع حياتنا الأخروية، يتبادر هذا السؤال وهو أن كيف يمكن إنتاج القيمة المضافة. أرجو أن تطيلوا الوقوف عند هذا السؤال. بودي أن تطيلوا التفكير حتى يتكوّن حزن في قلوبكم ثم تنقلبوا إلى ربكم وتناجونه بهذا الحزن في ليالي مناجاتكم. فلا تبكوا بلا سبب وغمّ ولا تكونوا بلا حزن وغمّ معنوي، فإنّ البهائم لا يحزنون لشيء وحاشاكم أن تكونوا مثلَهم. ولكن بودّي أن يكون حزنكم مستوحى من هذه المعرفة ومن التأمل في هذا الموضوع.

كيف يمكن للإنسان أن ينتج القيمة المضافة؟ إذا أردت أن أفتح الموضوع بالتفصيل سوف لا أقدر على إنهائه حتى بعد خمس ساعات، ولكن أحاول أن أطرحه بإيجاز.

إذا ازداد الإنسان علما، هل يمكن أن نفترضه قد أنتج قيمة مضافة؟ فهل يعقل أن يكون الإنسان قد أنتج القيمة المضافة بمجرد أن علم شيئا بعد ما كان يجهله؟! إن مجرد ازدياد المعلومات لا ينتج القيمة المضافة للإنسان، ولا سيما إذا لم يكن للإنسان دور في ازدياد معلوماته، كمن كان يمشي في مكان وإذا به يسمع معلومة جديدة لم يكن يعرفها. أو كالذي حصّل على بعض التجارب في حياته ومن مواقف فشله وخسرانه. فهل يعقل أن يكون هذا الإنسان قد أنتج قيمة مضافة بكسب هذه المعلومات؟! كلا.

طبعا، لا أعتقد أن العلم بلا قيمة وثمن في هذا المسار، ولكنه يعين الإنسان على إنتاج القيمة المضافة، وبهذا القدر إنه ذو قيمة. أما إذا لم يعن الإنسان على إنتاج القيمة المضافة عند ذلك يصبح صاحبه (کَمَثَلِ الْحِمارِ یَحْمِلُ أَسْفاراً)(سورة الجمعة/الآية 5) وأنتم تعلمون أن هذه الآية هي في شأن بعض العلماء الذين حصلوا على معلومات، ولم تنزل في حق الحاسوب الذي خزنت فيه ملفات الكتب. مع هذا قد يصير مَثَل الإنسان العالِم كالحمار يحمل أسفارا. إذن لا يكفي العلم بوحده لإنتاج القيمة المضافة.       

  ما دور العمل في إنتاج القيمة المضافة

هل أن العمل يكفي لإنتاج القيمة المضافة؟ كلا. فعلى سبيل المثال إن بعض الكائنات كالنمل في عمل دؤوب بلا ملل أو تعب، فلا نقدر على القيام بنصف ما يقومون به، حتى قد ضرب بهم المثل في العمل والاجتهاد، لشدة عملهم وجهدهم، ولكن لا يمكن أن نعتبر مثل هذه الأعمال تنتج القيمة المضافة التي نبحث عنها.

إن العمل قادر على معونتنا في إنتاج القيمة المضافة، ولكن ليس هو بقيمة مضافة بالأصالة. إذ كما ذكرت إن الحيوانات تعمل وتخدم أيضا. فانظروا إلى الأبقار مثلا، فإنهم لا يقفون عن العمل النافع لحظة. نحن نقف عن العمل ولكنّهم لا يقفون. فتارة يعتلفون توفيرا للحليب، وأخرى يعدّون تقرير ما اعتلفوه قبل ساعة، ليستعرضوه مرة أخرى [كناية فكاهية عن اجترارهم]. فيا لها من عامل مجتهد خدوم! حتى أن البعض أصبحوا من عبدتها، ولا يدرى فلعل السبب هو ما شاهدوه منها من عمل مستمرّ وخدمة متواصلة، وهذا ما جرّهم إلى عبادتها. [كان الشيخ ممازحا في هذه العبارة]. فلا يستطيع الإنسان أن ينتج القيمة المضافة على سبيل الأصالة لا بالعلم ولا بالعمل. 

  إن ما ينتج القيمة المضافة هو جهاد النفس

إن ما ينتِج القيمة المضافة باستخدام العلم والعمل، هو كيفية مواجهة الإنسان مشتهياته ومدى إعمال التغيير فيها. فإذا استطاع الإنسان أن يؤثّر على أهوائه ومشتهياته، سوف يقدر على ترك بصمة تأثيره على العالم بأجمعه. لقد خلق الإنسان لصنع التغيير وإنتاج القيمة المضافة ومن أجل التأثير على العالم. وإنّ مركز هذا التغيير هو نفس قلب الإنسان ونزعات الإنسان ذاته. ثم لا سبيل لصنع التغيير القيّم إلا فيما إذا واجه الإنسان موانع ومصاعب في مسار صنع التغيير. لا أن يكون ذاك التغيير ملائما لأهوائه وشهواته. إذن لا تنتج القيمة المضافة بما يلائم هوى الإنسان كالأكل والشرب والنوم وغيرها.

لا يمكن إنتاج القيمة المضافة إلا بمخالفة الأهواء والمشتهيات. فعندما تقاوم نزعاتك السطحية متخلّصا منها إلى النزعات الأصيلة والعميقة، هنا تنتج القيمة المضافة، ومقاومة النزعات السطحية هذه هي ما يسمّى بجهاد النفس. فأنت صرت إنسانا من أجل جهاد النفس وإنتاج القيمة المضافة والوقوف أمام بعض نزعاتك ورغباتك. ومن هذا المنطلق إن إنسانية الإنسان وهويته الإنسانية مرهونة بمدى مخالفته لرغباته وشهواته.

  عدم تلبية الأهواء هو ما يسبب إدراك الهوية الإنسانية

فاختاروا ما شئتم من رغباتكم لتقضوا عليها. ولكن ليس لكم حقّ الاختيار إذ قد أحاطكم الله ببرنامجه بكلا نوعيه المتمثل بمقدّراته وتكاليفه. فتأملوا إذ سوف نخوض إن شاء الله في البرنامج الإلهي لجهاد النفس.

أما الآن فلأضرب لكم مثالا؛ ما إن يدخل الطفل في السابعة من عمره، يواجه بعض الموانع في محيطه وفي بيته. وهذه السنة هي منطلق حياته الإنسانية. فمنذ  السنة السابعة لابد أن يعرف أنه قد يحبّ شيئا ولكن يجب أن يكفّ عنه، وقد يرغب في شيء غير مرغوب لدى أمّه وأبيه، فينبغي أن يمتنع عنه.  

إن الكفّ عن المشتهيات موضوع حياتك، وليس بقضية مقطعية لتحاول حلّها وتعيش باقي حياتك بدونها. إن موضوع حياة الإنسان هو أن يفتش عن مشتهياته لسحقها. فهي ليست مشكلة الإنسان ولا بقضيّة طارئة في حياته بل هي قاعدة أساسية في حياة الإنسان. فإن زعم أحد أنه قادر على حلّ جميع مشاكله وبإمكانه أن يصل إلى جميع رغباته، فليسع ويكد ما يشاء لنرى أين يبلغ؟

بعد ما انصرفتَ عن هذه الجلسة، كيف تريد أن تجاهد نفسك؟ سوف تنام في وقت متأخر وسوف يصعب عليك الاستيقاظ بطبيعة الحال، إذن اتضح أحد مواطن جهاد النفس بحمد الله. بعد ذلك وفي وجبة السحور قد لا تشتهي الطعام فتأكل رغما على نفسك، أو تشتهيه وتأكله بلذة، فينتظرك النهار الطويل حيث تمنع فيه من الأكل والشرب، فيجوع ويعطش جسمك ويطالب بالطعام، ولكنك تُسكته وتأمره بالصبر إذ ليس بجسم حيوان بل جسم إنسان.

فعندما يصوم الإنسان يشعر بإنسانيته. لا أدري كم تدركون هذه الحقائق أيها الإخوة، ولا شك في أنكم أعرف مني بها. حينما ينهى الإنسان نفسه عن بعض ملذّاتها وشهواتها، هناك يشعر بأنه إنسان ويشعر بهويته الإنسانية. ولكن لا ينبغي أن يخالف الإنسان هواه بلا ضابط وبرنامج. فهناك برنامج لابدّ أن يمشي الإنسان على أساسه.

  أنواع جهاد النفس

على أساس تقسيم شامل جدا، تنقسم مقاومة النفس على شكلين، وأرجوا أن نوفّق لدراسة كلا الشكلين إلى آخر رمضان: فتارة ترغب في شيء ولم تعطَه، فلابد أن تتحمّل هذا الحرمان وتصبر، بل يجب أن ترضى بما قُسِم لك. وتارة أخرى تشتهي شيئا تملكه وتقدر عليه، ولكن يجب أن لا تمدّ يدك عليه وتكفّ عنه. فكلا هذين الشكلين هما نوعان لجهاد النفس.

يفرض الله عليك نوعين من الجوع؛ فتارة تصفر يدك من المال لتأكل بها شيئا، وتارة تملك مالا ولكنك صائم. فهناك عملان لابدّ لك منها في مسار جهاد النفس؛ الطاعة والرضا؛ الطاعة في قبال التكليف، والرضا في قبال التقدير.

وهنا تُظهر بعضُ النفوس عقدَها وأمراضها، فقد يسأل الله أحد أن يغنيه ولا يحرمه شيئا، على أن يكفّ هو بنفسه عن بعضها بدافع التكليف! وهذا ما لا ينسجم مع الأطروحة الإلهية، إذ إن الله شاء أن يحرمنا من بعض مشتهياتنا تقديرا ولا تكليفا، ليمتحن مدى رضانا بتقديره. إنه يعلم جيدا مدى حاجة الإنسان إلى مال الدنيا ولوازم الحياة، ولكنه شاء أن يحرم الناس من بعضها، ليرى ما يخطر في قلوبهم وما رأيهم. فلماذا خلقهم الله أناسا؟ إنما ذلك من أجل جهاد النفس. يبدأ موسم الرضا بقدر الله من السنّة السابعة، وكذلك موسم الطاعة فإنه يبدأ من ذاك الوقت. فلابد أن نبدأ بمصارحة الصبيّ بحقيقة الحرمان والمنع من ذاك الوقت.

أرجوكم أيّها الإخوة أن لا تجعلوا جهاد النفس كفضيلة إلى جانب سائر الفضائل، فإن هذه الرؤية جفاء بحقّ هذا الموضوع وفلسفة خلق الإنسان، وجفاء بحق الدين كلّه. إذ إن جهاد النفس ليس بواحد من المواضيع بل هو أصل حياتنا ومن أجله خلقنا.

  ألا يتعارض هذا البحث مع الروايات المؤكدة على العمل وكسب الرزق؟

لا يخفى عليكم أيها الإخوة أنني لم أبلّغ لدين انفعالي بلا أثر. فلا تسألوني بعد المحاضرة عن الروايات التي تدعونا إلى مكافحة الفقر والعمل الاقتصادي، إذ إنّها لا تتعارض مع هذه الأبحاث بل تؤكدها. فإن جمال الأطروحة الإلهية هو أن لابد من أن تسعى ضد عيلتك، أما إذا أصابك فقر رغما على سعيك وعملك فلا تحزن كثيرا، وابتسم رضاً بقضاء ربك.

لعلك تقول: «إذا كان الله قد قدّر علينا بعض المشاكل رغما على اجتهادنا وسعينا، فلماذا نعمل ونجتهد، ولنترك الدنيا برمتها إلى أن نموت جوعا». الجواب هو أن لو كان القرار على أن لا تسعى لإبعاد الفقر عن حياتك، لما استطعت بذلك أن تنتج القيمة المضافة. ولكن المشكلة وصعوبة هذا الإنتاج هو أنك مكلّف بالعمل وتعمل فعلا لكسب الرزق الحلال، فيقدّر الله لك من يعتدي على أموالك وينهب ما حصلت عليه بكدّ يمينك، فتتألم وتحترق. فإذا استطعت أن ترضى بقدر الله وقضائه وتبتسم في أعماق قلبك، يرتقي مستواك وتنتج شيئا من القيمة المضافة. ولا شك في أن هذا الرضا لا يتعارض مع غضبك على المعتدي والسعي لاقتصاص حقك منه.

لقد أوجب الله علينا العمل وطلب الرزق وأذاقنا حلاوة الغنى وكسب المال، ثم يسلب منّا المال بأنواع الحيل والأساليب في منعطفات الحياة وأحداثها. إنها لأطروحة الله الرائعة في إذاقة عباده مرارة الحرمان، وذلك في سبيل توفير أرضية جهاد النفس الذي خلق من أجله الإنسان.

  هل في ترك اللذة لذة

بعد هذا الكلام كلّه، يبقى سؤال لابدّ من طرحه، وهو ما حلاوة هذه الأطروحة؟! لعلك تقول لي: قررنا على تحمل مرارة حياة الدنيا في قضائها وتكليفها، فما لنا والسؤال عن اللذة والحلاوة؟! ولكن هل يمكن أن يفرض الله على الإنسان عملا مرّا ثم لا يذيقه حلاوة في هذه الدنيا قبل الآخرة؟! كان يقول الشيخ بجهت(رض): «إن طويت طريق السعادة، فمن المحال أن لا يذيقك الله طعمه في هذه الدنيا».  فأين حلاوة هذه المرارة؟ إن حلاوة هذه المرارة هي أنك قد جاهدت نفسك من أجل أحدٍ، وهو الله سبحانه. والله هو الذي سوف يذيقك حلاوة تنتعش بها. أيها الأحبة! إننا قد خلقنا من أجل الله نفسه ومن أجل التقرب إليه ومن أجل شمّه ومن أجل إدراكه ومن أجل رؤيته ومن أجل الشعور به، وكل هذه الكلمات عاجزة عن حكاية تلك الحقيقة الرائعة التي يعيشها الإنسان مع ربّه

لقد خلقنا من أجله وأمامنا طريق واحد للاتصال بالله وهو إنتاج القيمة المضافة عبر جهاد النفس. لابد لك في هذا المسار أن تقضي على أنانيتك، ولا سبيل لهذا الهدف سوى أن تكفّ عن شهواتك في مقام كسب رضا الله وطاعته. فإنك إن فعلت ذلك تزداد لطافة وخلوصا يوما بعد يوم.

فهذا شوطك والميدان ميدانك، إذهب وابحث وفتّش عن أوامر الله وبرامجه لتهديك وتعينك على جهاد نفسك. إذهب وفتش عن هذه الأوامر ومواطن جهاد النفس ولو تحت التراب والصخور. فإن عثرت على عشرة أحكام وعملت بها لا تقف عن التفتيش فإن تبحث تجد مزيدا من أمثالها.

فلا تقف عن مجاهدة نفسك وسحق هذا التنين ذو الألف رأس الذي إن قطعت له رأسا، ينبت مكانه سبعون ألف رأس كلها تختفي تحت أغصان الحياة وأوراقها، فاستخرجها من تحتها وابدأ بقطعها واحدا بعد الآخر، و لا يزال تنمو رؤوسه إلى أن يتوفاك الله. فعند ذلك تلقي سيفك من يدك وتتنفس الصعداء.     

  لقد خلقنا لجهاد دائم مع شهواتنا

إن الحسن والصلاح إنما هو جهد وسعي دائم لذبح تنين النفس، لا أن تبلغ مكانة أو مقاما وحسب. فإن كنت بخيلا وقطعت رأس البخل من نفسك، لا تقف إذ ما إن قطعت رأسا يخرج رأس آخر. فاذهب في عملك وواصل جهادك.

يتجسد الحسن والصلاح في الجهاد الدائم لا في قتل رجل أو رجلين. إنه جهاد مستمر دائم مع رغبات الإنسان وشهواته التي تتجدّد وتستحدث ولا تنتهي. فليس معنى الامتحانات الإلهية غير أنه يستخرج كل آن إحدى رغبات نفسك ويجعلها أمامك لتحزّ رأسها. وأحيانا تجد هذه المشتهيات جيّدة، وأحيانا تجدها من حقك، وتارة تجدها رغائب ضرورية ليست بكمالية.

لقد خلقنا لجهاد مستمر مع رغباتنا، سواء أكان طريق الجهاد عبر التكاليف الإلهية التي لابد من إطاعتها، أم كان عبر التقديرات الإلهية التي لابد أن نرضى بها. فليس لنا تجاه أحداث العالم كله سوى تكليف واحد، وهو ذبح نفسنا الأمّارة.

فعلى سبيل المثال قد يأتي أحد ويشتمنا ويسبّنا كذبا وعدوانا، فتكليفنا الأول هو أن نذبح نفسنا أولا، ثم نرى هل لنا تكليف آخر تجاهه. فهل ينبغي أن نردّ عليه أو يجب أن نؤدبه، ولا بأس أن نؤدبه أن استدعى التكليف. ينقل عن أمير المؤمنين(ع): «أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَعَ النَّاسِ فِي مِيضَاةِ الْمَسْجِدِ فَزَحَمَهُ‏ رَجُلٌ‏ فَرَمَى‏ بِهِ‏ فَأَخَذَ الدِّرَّةَ فَضَرَبَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ لَيْسَ هَذَا لِمَا صَنَعْتَ بِي وَ لَكِنْ يَجِي‏ءُ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنِّي فَتَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ هَذَا فَتَضْمَن‏»[الاختصاص/ص159]

فانظر ما هو تكليفك؟ إن تكليفك هو أن تذبح نفسك وتقطع رأسها. ويمكن مشاهدة مدى أهميّة جهاد النفس من خلال بعض الروايات. قال أمير المؤمنين(ع): «فِی‏ خِلَافِ‏ النَّفْسِ‏ رُشْدُهَا»(تحف العقول/ص91)  وقال كذلك: «الرُّشْدُ فِی‏ خِلَافِ‏ الشَّهْوَة»(تحف العقول /214)

وكذلك روي عن الإمام الجواد(ع) أنه قال: «لَن یَسْتَکمِلَ العبدُ حقیقةَ الإیمانِ حتّى یُؤْثِرَ دِینَهُ على شَهْوَتِهِ، و لَن یَهْلِکَ حتّى یُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ على دِینهِ» (کشف الغمه/ج2/ص348).  فنحن نتصور أن محل استكمال الإيمان في استماع الدروس العقائديّة، ولكنه تصور خاطئ. إن أصل الموضوع ومنطلق ازدياد الإيمان ونقصانه هو شهوة الإنسان. ولهذا ترى بعض الناس يكرهون الدين، لأن مقتضى العمل بالدين هو مخالفة الهوى.

  اتباع الهوى هي النقطة المقابلة لعبادة الله

واستمعوا إلى هذه الرواية يا عباد الله، الذين تعبدون الله ولا تعبدون شيئا سواه. روي عن الرسول الأعظم(ص): «ما تحت ظِلِّ السَّماء مِن إلَهٍ یُعبَد مِن دونِ الله أعظم عندالله من هَوَیً مُتَّبَع»[الدرّ المنثور/ ٦/٢٦١].  فاتباع الهوى وعبادة الهوى هو النقطة المقابلة لعبادة الله. وهي ضرب من أنواع العبادة؛ (أَفَرَأَیْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)[الجاثية:23]  

  العامل الوحيد الذي يعيننا على مخالفة الأهواء هو الخوف

يقول الله سبحانه: «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ * فَإِنَّ الجْنَّةَ هِىَ الْمَأْوَی)[النازعات/40 و41]

هل رأيتم أن كثيرا من الناس يجهلون أهمية الخوف من الله وضرورته؟ فهناك الكثير يقولون لماذا يجب أن نهاب الله، ولماذا تؤكد على أن نخافه، ولماذا تأتي بجهنّم دائما أمام أعيننا.

إن كثيرا من الناس بل حتى المؤمنين لا يدركون أمرين. فلا يدركون السبب من كثرة ذكر جهنّم في القرآن؟ ولا يعرفون لماذا يجب أن يخافون الله سبحانه؟ إنهم يدركون ضرورة إصلاح نفسهم ولكن لا يفهمون السبب من هذا التخويف. وهذا سؤال متبادر لدى كثير من الناس.

أتعرفون لماذا يتبادر هذا السؤال لدى أكثر الناس؟ لأنهم لا يعرفون موضوع حياتهم الرئيس. إن موضوع حياتك أخي العزيز هو مخالفة الهوى والرغبات، وليس شيء يعين الإنسان على مخالفة الهوى كالخوف. فاكتبوا هذه العبارة مئة مرّة؛ إن العامل الوحيد الذي يعين الإنسان على مخالفة أهوائه الممتعة واللذيذة والمشهّية هو الخوف. فخذ الخوف عسى إن شاء الله أن تصل إلى مرحلة العشق، وعند ذلك يشتدّ خوفك. ومن أجمل أنواع الخوف هو مهابة المقام الربوبي؛ (وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏)[النازعات:40] ولكن كثيرا من الناس لا يعرفون تكليفهم الرئيس، ولا يدرون لماذا جاءوا إلى هذه الدنيا، ولا يعرفون أن شغلهم الأصلي هو مخالفة الشهوات. فزعموا أنهم يقدرون على إصلاح نفسهم مع حفظ ما طاب ولذّ لهم. فلا يدرون أصل المشكلة والعلّة.     

لقد جاء في رواية عن الإمام الصادق(ع) : «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ وَ عُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً وَ لَا يُصْلِحُهُ‏ إِلَّا الْخَوْفُ‏»[الكافي/ج2/ص71] ثم يأتي من يدعي الفهم في القضايا الدينية والتربية والأخلاق والعرفان، ويعطيك صورة عن الدين وإذا به قد حذف نصف القرآن! فلا يتحدث عن نار جهنم وعن العذاب وعن ضرورة خوف الله. فإن سألته عن السبب يقول: «أليس المهم أن يصلح الإنسان ويحسن، فها أنا قد انتهجت طريق الصلاح فما الداعي للخوف إذن. ثم إن عثرتُ على ما راق لي من الحسن والصلاح أسعى لاكتسابه وإضافته إلى سائر أعمالي وصفاتي الصالحة»

فإنه قد أخطأ الطريق ويتصور أن الصلاح هو أن يضيف إلى صالحاته ما استحسنه من الصالحات، وإنه في الواقع لم يخالف هواه شيئا. وسوف ترون يوم القيامة كم من أمثال هؤلاء الصالحين سوف يكبّه الله على وجهه في جهنّم؛ هؤلاء الصالحين الذين انتحلوا القداسة والصلاح عبر انتقاء ما طاب لهم ونبْذِ ما لم ينسجم مع هواهم.  

ما هو الطريق الذي تريد أن تسلكه؟ إنه هو الطريق الذي يتحدث عنه قوله: (وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏)، ولا يتحقق هذا السلوك إلا بـ (وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ)

  إن بعض المؤمنين يتكبرون على بعض آيات القرآن

اسمعوها منّي أيها الإخوة! يشهد الله أن بعض المؤمنين يتكبرون على آيات العذاب في القرآن، فعندما يمرّون من إحداها يمرون منها وكأنها لا تعنيهم وكأنهم أرقى مستوى من الوقوف عندها! فلا أدري لعلهم يريدون التمتع والتلذذ بالآيات العرفانية التي تتحدث عن جمال الله! أو يريدون أن يعيشوا أجواء العشق ومناجاة الله بلا أن يقفوا عند قوله: (وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ)! اقرأوا هذه الآية القرآنية حيث يقول الله: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا)[مريم/71] فهل ينبغي أن يستهين الإنسان بأمثال هذه الآية؟!

إخوتي الأعزة! أينما وجدتم في أنحاء طهران جلسة تجمع نفرا من المؤمنين وكانوا يبكون ويضجّون خوفا من نار جهنّم فاقصدوها وتمسّحوا بجدرانها وأبوابها، تزدهرْ قلوبكم نورا. وإن استطعتم أن تبكوا مثلهم فلا تنسونا من الدعاء.

هل قرأتم دعاء الإمام الحسين(ع) في يوم عرفة؟ إذ بعد دعاء وبكاء طويل وفي أوج الدعاء رفع الإمام الحسين(ع) رأسه وبصره نحو السماء ودموعه تجري كالقِرَب فقال بصوت عالٍ: «يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين... وَ أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حَاجَتِي إِلَيْكَ الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي وَ إِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي أَسْأَلُكَ فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّار» [زاد المعاد/ص182]. فهل كان مستوى الإمام الحسين(ع) نازلا ومستواك عال؟! وكذا الحال في دعاء جوشن الكبير إذ تنادي ربّك ألف مرة وبعد كل مقطع تقول: «سبحانك يا لا إله إلا أنت الغوث الغوث خلصنا من النار يا ربّ». فإن هذا الخوف من نار جهنم هو الذي يشحن الإنسان بطاقة يتقوّى بها على حرق هوى نفسه.

  أسأل الله أن يفهمنا معنى الهوى

اللهم وفقنا لمعرفة هوى النفس. فقد يكابد الإنسان عمرا طويلا بلا أن يعرف هوى نفسه. فتراه يتحدث عن الهوى تلبية لهواه، ويجاهد نفسه بدافع هوى نفسه، فهو متنقل من سيئ إلى أسوأ. أذ ليست معرفة الهوى بأمر بسيط؟ إنه سرطان خفي لا يمكن كشفه في أيّ مختبر، ولا علاج له سوى نار جهنّم. فلا سبيل لك سوى أن تخاف نار جهنّم، فعند هذا الخوف تتفتح عليك أبواب المناجاة.

كل من يعاني من مرض في دينه ونفسه، فالسبب هو أنه لم يدرك نار جهنّم جيدا، فإن عرفها لن تبقى له مشكلة بعد. أنا لا أعرف ما هذا الخوف الذي جعل الحسين(ع) يستغيث بربّه في آخر ساعة من حياته في حفرة المذبح وينادي: «یا غیاث المستغیثین»! ولیت شعری ما هذه الخشية التي كانت تعتري أمير المؤمنين(ع) حتى يغشى عليه ويصير كالخشبة الملقاة؟![راجع أمالي الصدوق/ص79]. نحن لم نخف نار جهنم بعد، فأصبحت نصف آيات القرآن لنا بلا أثر، ونتلوها بلا تأمل ووعي. فلا نخاف الله ولا نخاف نار جهنّم.

إذا دخل هذا الحزن في قلوبكم وأصبحتم بحاجة إلى هذا الخوف، فاسمحوا لي أن آخذ بأيديكم إلى باب من أبواب الحوائج. فإن هذا الباب قد أعطى حوائج الكثير من الناس مع صغره. فتعالوا هذه الليلة ندقّ هذا الباب ونسأل هذه الحاجة المعنوية.      

إن للحسين(ع) بنتا صغيرة قد أودعها في خربة الشام. تلك البلاد التي كانت أموية في ذاك الزمان وإذا بها انقلبت على يد هذه البنت الصغيرة، فإن تذهب الآن إلى الشام وتسأل عن دين الناس، سيجيبك الكثير أننا علويّون. وكان مبدأ تحول الشام من ذاك اليوم الذي دفنت فيها هذه البنت الصغيرة.

بأبي الطفلة المضروبة المهضومة! فإن لم تضرب هذه البنت لما ضرب طفل في التاريخ. فلا أدري بأي ذنب ضربوها؟! هل كان ذنبها هو أن قتلوا أباها ورفعوا رأسه فوق الرماح؟! فهل حقها هو أن تضرب بالسياط بهذا الذنب؟! ما كان ذنب هذه الطفلة وما كانت جريمتها؟! كفاها ذنبا أن تكون بنت الحسين(ع)! ويكفيها جريمة أن كانت تنادي أباها الحسين(ع) شوقا ولهفة إليه!

ألا لعنة الله على القوم الظالمين

تعليق