الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
18/01/15 چاپ
 
  
الطريق الوحيد للحصول على الحياة الأفضل ـ 6

بناهیان: لا ينبغي أن نبالغ في التعويل على إيمان الناس ونتوقع الكثير منه/ لا تنجم مشاكل المجتمع من ضعف دروس العقائد والأخلاق/ المشكلة المهمّة هي أننا لم نعرف الحياة قبل العبوديّة/ من لم تُذلّه الحياة ولم تسلب كِبْرَه فمن البعيد أن يتواضع بالصلاة   

  • الزمان: 06/رمضان/1436
  • المكان: طهران ـ مسجد الإمام الصادق(ع)

بعد ما ألقى سماحة الشيخ بناهيان سلسلة محاضراته في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» ونالت إعجابا من قبل الشباب، بدأ بطرح موضوع «الطريق الوحيد للحصول على الحياة الأفضل» ليجيب عن سؤال «كيف نحظى بحياة أفضل؟» فإليك أيها القارئ الكريم نصّ أهم المقاطع من محاضرته في الجلسة السادسة:

لا يسعنا أن نحظى بتعريف صائب عن العبودية ما لم نتمتّع بتعريف صحيح عن الحياة/ إن لم ندرك خصائص الحياة ومعالمها، سنقع في مشاكل كثيرة مع الدين

  • ما لم نحظَ بتعريف صائب عن الحياة، لن يسعنا أن نتمتّع بتعريف صحيح عن العبودية. فإن البرنامج الذي يقدّمه الدين للإنسان والعبوديّةُ التي تفرض علينا في متن هذه الحياة، متعلّقة برؤيتنا عن الحياة. فإن لم ندرك خصائص الحياة ومعالمها سنصطدم بالدين مرارا وتكرارا.
  • يزعم غير قليل من الناس أن أوامر الله سبحانه وتعالى، غير طبيعية وغير معقولة. ومردّ هذه الرؤية في الغالب هو أن ليس لهؤلاء معرفة صحيحة بالحياة. فإن أدركنا الحياة بشكل دقيق، تسنّى لنا بعد ذلك وبكل سهولة أن ندرك العبودية والديانة. ومن أجل أن نفهم ضرورة الصلاة والحجاب والخمس والزكاة وكثير من أحكام الدين، لابدّ لنا قبل ذلك من معرفة حقيقة الحياة. فمن لم يعرف الحياة جيّدا لن يقدر على إدراك العبوديّة ولذلك فإنه سيشعر دائما أن الدين ليس سوى مجموعة من الأحكام والقوانين التي فُرضت على الإنسان وأكره عليها رغما عليه.
  • لا ينبغي أن نقتصر في معرفتنا على تعريف الحياة، بل يجب أن نحظى بتعريف وانطباع صحيحين ومعقولين عن «الحياة الأفضل» أيضا. فإن كانت لدينا نظرة خرافية عن «الحياة الأفضل» سنصطدم بالدين مرّة أخرى. فلم ينزل الدين لإنسان يعيش في الجنّة أو في الآخرة أو في السماء مثل الملائكة، بل قد جاء لإنسان يعيش في هذه الأرض.

أحد أفعال إبليس هو تشويه رؤيتنا عن الحياة

  • أحد أفعال إبليس هو تشويه رؤيتنا عن الحياة. والعمل الإبليسي هو أن يعزّز المرءُ أوهامَه وخيالاتِه أو خداعَ إبليس في حياته.
  • يرى الإنسان في بعض المناجاة فقراتٍ ناجمةً عن معرفة صحيحة للحياة. فعلى سبيل المثال يقول الإمام السجاد (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَدْعُو غَيْرَه‏» [مصباح المتهجد/ج2/ص582] فقد يبدو في بادئ الأمر أن هذه هي عبارة توحيدية وتحكي عن أوج الإخلاص والتعلّق بالله عز وجل. ولكن الإمام السجاد (ع) يقول في تتمّة هذه العبارة: «وَ لَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي‏» [المصدر نفسه] فقد قال (ع) هذا لمعرفته بالحياة الدنيا. وكأنه يقول لربّه: «أنا لم أنجز شيئا ولم أضحِّ بشيء حين دعوتك مخلصا، فقد دعوتك وحدك إذ لم يستجب لي غيرُك».
  • إن معرفة الحياة تقرّب الإنسان إلى ربّ العالمين كثيرا. يسأل كثير من الناس: «کیف نعرف الله؟ وکیف نحبّه؟ وكيف نلفت أنظارنا إليه فقط؟» ثقوا بأن مردّ أكثر هذه المشاكل هو كوننا لا نحظى بانطباع صائب عن الحياة.

تعالَج كثير من مشاكلنا المعنوية والأخلاقية والروحية بفهم صحيح للحياة/ لا ينبغي أن نبالغ في التعويل على إيمان الناس وتوقّع الكثير منه

  • عندي اقتراح جادّ وأساسي؛ وهو أن نعدّ قائمة لمشاكلنا المعنوية ولندرس مشاكلنا الأخلاقية والروحية والنفسية، ثم نبادر إلى معالجة جميع هذه المشاكل بفهم الحياة بالشكل الصحيح وعبر استيعاب تعريف الحياة الدقيق. وأنا أعتقد أن الإنسان إذا أراد أن يعالج مشاكله بعقيدة المعاد من دون أن يصحح قبل ذلك رؤيته عن هذه الحياة الدنيا، فقد اتخذ طريقا صعبا. إذ يجب عليه أن يلقّن نفسه دائما ويؤكّد على نفسه أن: «احذري، فإنّ هناك جنّةً ونارا ويومَ قيامة و...»  
  • و يا ترى كم يسعنا أن نعوّل على هذا الإيمان والاعتقاد؟ وفي كثير من الأحيان لا يحظى الإيمان بقوّة ومتانة بحيث يعوّض عن معرفة الحياة. وأساسا ليس من المعقول أن نتوقّع من إيماننا وعقيدتنا مثل هذه الآثار البالغة. نحن نودّ أحيانا أن نبالغ في التعويل على إيمان الناس ولكن الواقع هو أنه لا ينبغي أن نتوقّع من إيمان الناس آثارا مبالغا فيها.

ليس من الطبيعي أن نعاني في مجتمعنا من هذا الكمّ من المشاكل الثقافية والدينية/ نحن لم نقدّم لشبابنا رؤيةً صحيحةً عن الحياة

  • كثير من مشاكلنا هذه إنما ناجمة من كوننا غير حائزين على عملية تربويّة صحيحة، فلم ندرك طبيعة الحياة جيّدا ومن ثَمّ لا نعيش حياة طبيعيّة.
  • ليس من الطبيعي أن نعاني في إيراننا الإسلامية من هذا الكمّ من المشاكل الثقافية والدينيّة مع كلّ ما نحظى به من ذكاء وسلامة الفطرة وعدد كبير من الأسوات الحسنة وهذه التجارب التاريخية الجيّدة والسابقة العريقة في الأدب الديني والعرفاني. كما لو سَعَل امرءٌ مئةَ مرّة في يوم واحد، فليس ذلك طبيعيّا وعليه أن يراجع الطبيب. فلا تزعمون أن هذه الظواهر طبيعية وأن الشباب يفرّون بطبيعة حالهم من الصلاة ويتعاطون الفسق والفجور بمقتضى طبيعتهم. فلا ينبغي أن نتبنّى هذه الرؤية فإنها رؤية العوام.
  • مشكلتنا هي أننا غير حائزين على عملية طبيعية صحيحة للتربية وتعليم الأولويات والضروريات، كما ليس لنا برنامج دقيق لفكرنا الإنساني. نحن لا نقدّم للمجتمع ولشبّاننا رؤيةً صحيحة عن الحياة، ولذلك تراهم غارقين في خضمّ كبير من الأوهام الخرافيّة. ولا يخفى أن هناك عوامل أخرى أيضا. فعلى سبيل المثال إن الأفلام السينمائية والمسلسلات المُنتجة هنا أو هناك لا تخلو من تأثير وهي تحرف أذهان الناس والشباب.
  • ما أكثر التعاليم الدينية في مجتمعنا ولكن من دون تأثير. أفهل يمكن ذلك، مع أننا نحظى بأيام عاشوراء وشهر رمضان؟! لقد قال لي أحد أساتذة الجامعة في فرنسا: إن موسم الدخول في الإسلام في فرنسا هو شهر رمضان. فما إن يأتي موسم الصيام وضبط النفس، يزداد الإقبال على الدين. فهل تصدّقون أن في مجتمعنا، لا يترك شهر رمضان أثره في ارتقاء تديّن كثير من الناس؟! فليس هذه بظاهرة طبيعية ولابدّ من وجود خلل ما.  

لا تنجم مشاكل المجتمع من ضعف دروس العقائد والأخلاق/ مشکلتنا الرئيسة هي أننا لم نعرف حقيقة الحياة قبل العبوديّة

  • لا تكمن المشكلة في ضعف دروسنا العقائديّة أو الأخلاقيّة. الحقيقة هي أن تأثير النصائح ينتهي إلى مدى، كما لا يمكن التعويل على الإيمان بلا حدود. فإن بعض الشباب المتورطين ببعض المشاكل والانحرافات هم مؤمنون بالله ولكنهم يزعمون ـ والعياذ بالله ـ أن اللّه يأمرهم بتحكّم وإكراه. فمثل هؤلاء يجب معالجة ما اعتراهم من المشاكل الذهنية والروحية.
  • نحن لسنا بحاجة إلى نصائح أخلاقية كثيرة، ولا بحاجة إلى أكثر مما نحظى به من إيمان، ولا أنّ أذهاننا مليئة بالشبهات حتى نبادر إلى حلّ هذه الشبهات الذهنية المختلفة من قبيل الشبهات حول عدل الله وغيرها. إحدى مشاكلنا هي أننا لم نتعرّف على الحياة قبل معرفتنا بالعبودية. فإن أدركنا متن الحياة جيّدا، عشقنا الدين بعد ذلك. كما إن تمرّض مرءٌ وعرف مدى حاجته إلى العلاج، سيبذل المال ويراجع الطبيب ويطبّق وصفته بدقّة. أ فليس الأنبياء هم أطباؤنا؟ فلماذا لا نشعر بالحاجة إليهم؟! إذ لم تتبلور حاجتنا في الظرف الطبيعي لحياتنا، ولأنه لم يُشرح لنا هذا الظرف الطبيعي جيّدا. فلابدّ لنا من تغيير رؤيتنا عن الحياة بشكل عميق.

جواب الإمام الصادق(ع) لمن طلب منه الدعاء بزيادة الرزق: لا! أخرج فاطلب

  • لقد أشارت بعض الروايات إلى هذه الحقيقة وهي أن الشيطان يخدعنا في أمر حقيقة الدنيا. فعلى سبيل المثال قال أميرالمؤمنين (ع): «إحذَر کُلّ الحَذَر أن یُخدِعَكَ الشّیطان فَیُمَثّلَ لَكَ التَوانِي في صوُرَة التَوَکّل» [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد/ج20/ص306]
  • وجاء شخصٌ إلى الإمام الصادق (ع) فقال له: ادْعُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لِي فِي الرِّزْقِ فَقَدِ الْتَاثَتْ عَلَيَّ أُمُورِي. فأجابه الإمام مُسْرِعاً: «لَا! اخْرُجْ، فَاطْلُب‏» [الكافي/ج5/ص79] ومعنى هذا الجواب هو أن «العمل واکتساب المال لا یخلو من مشقّة، فلا معنى في أن تطالبني بالدعاء! اذهب وصارع مشاكلك!» فيبدو أن هذا السائل كان يحمل رؤية خاطئة عن الحياة ويزعم أنها كلعق الحلوى! ولذلك فما إن واجه مشكلة توقّع من الإمام الصادق (ع) أن يدعو له!

قد نزعم على أثر الأوهام والخيالات أو خداع الشيطان أن «یمکن العيش في حياة مريحة ومن دون مشقّة»!  

  • قال أَيُّوبَ أَخِي أُدَيْمٍ بَيَّاعِ الْهَرَوِيِّ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِذْ أَقْبَلَ الْعَلَاءُ بْنُ كَامِلٍ فَجَلَسَ قُدَّامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي فِي دَعَةٍ فَقَالَ: «لَا أَدْعُو لَكَ اطْلُبْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.» [الكافي/ج5/ص78]
  • هنا أحد مآزق انخداع الإنسان. فإما الشيطان يخدعنا، وإما أن نحمل نحل انطباعا خاطئا بأوهامنا وخيالاتنا. فلابدّ أن نعلم أن الأوهام والتخيّل لا يغيّر الواقع للإنسان. فإن الإنسان ولكونه يرغب في حياة مريحة خالية من الكبد والمعاناة، يزعم أن الأمر متاح وممكن.
  • من أفعال الشيطان هي أنه يجعل الإنسان يزعم أنه قادر على العيش في حياة مريحة لا مشقّة فيها. إنها من إلقاءات الشيطان إذ يوحي إلى الإنسان دائما أن: «بإمكانك أن تكوّن لك حياة مريحة تماما»! في حين أن ذلك كَذِبٌ، فلا سبيل لأحد إلى أن يعيش حياةَ راحةٍ ودعة في هذه الدنيا، فلماذا نكذب على أنفسنا؟ هذا وترى بعضهم قد انجرف في أوهامه بحيث إذا قلنا له: «لن تكون لك في هذه الدنيا حياةً مريحة أبدا»، يزعل ويقول: «إذن فلماذا أسعى وأجتهد؟!» فكان حافزه في سعيه كلّه ناجما ممّا كان يتوهّمه من حياةٍ مريحة!

كما لا ينبغي أن نتوهّم في حياتنا المعنوية/ لا تخلو الحياة المادّية وكذا المعنويّة من الاحتكاك

  • كما لا ينبغي أن نتوهّم في حياتنا المعنوية. فإن كنّا لا ننفكّ عن بعض المشاكل في حياتنا المعنويّة، فلا ينبغي أن نقنط أو تهبط معنوياتنا كما لا ينبغي أن يعترينا اليأس في حياتنا المادّية أيضا. فإن المؤمن لا يزال يواجه تحدّيات في حياته المعنويّة. فقد قال النبيّ الأكرم (ص) عن المؤمن: «فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ عَيْبٌ إِلَّا بَدَا لَهُ عَيْب‏» [الكافي/ج2/ص148] فعلى سبيل المثال، الشابّ الذي يصارع نظراته المحرّمة، فإن استطاع بعد جهد جهيد لفترة أن يترك عيبه هذا، بدا له عيب جديد مباشرةً وعليه أن يتصدّى له أيضا. فلابدّ أن يعلم أن هذا الصراع دائم.
  • في الكتاب الحادي والثلاثين من نهج البلاغة الذي هو أول كتاب يخاطب الشبّان في تاريخ الإسلام، بدأ أمير المؤمنين (ع) بوصف الشابّ بهذه العبارة حيث قال: «إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا یُدْرك» [نهج البلاغة/ الكتاب 31] فعلى أساس قول أمير المؤمنين (ع) لن يصل الإنسان إلى أغلب آماله.
  • لماذا ابتدأ أمير المؤمنين (ع) في رسالته إلى الشابّ بهذا الخطاب وهو «أنك لن تنال آمالك»؟ ذلك لكي ينقذه من الأوهام والخيالات. فإن هذه الأوهام قد أهلكتنا. وفي الواقع إنّ توهّمَ حياةٍ موهومة مزيّفة لا واقع لها في الخارج مفسدةٌ الإنسان.

اضطراركم إلى اختيار بعض رغباتكم دون بعض، هو عناء في حد ذاته

  • كما ذكرنا في الجلسة السابقة لقد انتهينا في تعريف الحياة إلى هذا التعريف: «الحياة عبارة عن صراع وجهاد في سبيل نيل الرغبات التي لا مناص من اختيار بعضها دون بعض.» فاضطراركم إلى اختيار بعض رغباتكم دون بعض هو عناء في حد ذاته. إذ لابدّ لكم من التخلّي عن بعضها وهذا عناء وغمّ وغصّة. ولذلك يقول القرآن: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فی‏ کَبَد) [البلد/4]
  • وقلنا أن الحياة بمعنى «السعي والصراع» وهذا هو «الكدح» الذي أشار إليه القرآن حيث قال: (یا أَیُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ کادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ کَدْحاً فَمُلاقیهِ) [الانشقاق/6] وكذلك قال الله عز وجل: (وَ أَنْ لَیْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعی) [النجم/39] ولا يخفى أن السعي ليس مشيا عاديّا، وإنما هو مشي مصحوب بالإسراع وبذل الجهد.

عدم مبادرة شبّاننا إلى العمل بعد السنة الرابعة عشرة من عمرهم لفاجعة إنسانيّة

  • قلنا إن الحياة صراع وجهاد، فمتى ينبغي البدء بهذا الصراع؟ يجب أن نوطّن أطفالنا على هذه الحقيقة منذ المرحلة الابتدائية. يتساءل البعض باستغراب: «هل أنك تعتقد بأن الطفل يجب أن يكابد المتاعب منذ دخوله في السابعة من عمره؟» وأحيانا نزعم أن الطفل في إحدى عشرة سنة إن جَمَع بين الدراسة والعمل فإنه لفاجعة عظيمة! طبعا أنا أفضّل أن يتفرّغ أطفالنا للدراسة حتى السنة الرابعة عشرة، ولكنّنا إن سلّمنا إلى كون عمل الأطفال قبلَ الأربع عشرة سنة فاجعةً، فإن الأفجع من هذه الظاهرة هو أن لا يعمل أولادُنا بعد اجتياز الأربع عشرة سنة وهذه لفاجعة إنسانيّة قبل أن تكون فاجعةً معنوية. نحن نأمر الشاب الحافل بالطاقة والقدرة والقوّة أن يجلس في مكانه ويدرس! و يا ترى كم تستهلك دروس الثانوية من وقت الشاب؟! لقد قال الإمام الصادق(ع): «أَ لَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُدْفَعُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ وَ هُوَ طِفْلٌ لَمْ تَكْمُلْ ذَاتُهُ لِلتَّعْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ لِيَشْتَغِلَ عَنِ اللَّعِبِ وَ الْعَبَثِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا جَنَيَا عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِهِ الْمَكْرُوهَ الْعَظِيمَ وَ هَكَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ خَلَا مِنَ الشُّغُلِ لَخَرَجَ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ وَ الْبَطَرِ إِلَى مَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْه‏» [توحيد المفضل/ص87] و كذلك قال أمير المؤمنين (ع): «إِنْ یَکُنِ الشُّغُلُ مَجْهَدَةً فَاتِّصَالُ الْفَرَاغِ مَفْسَدَة» [الإرشاد للمفيد/ج1/ص298]

من لم يجهد نفسه في صِغَره لم يجد راحة في كِبَره

  • قال أمير المؤمنين (ع): من لم يجاهد نفسه في أيام صباه أو مراهقته ولم يصارع كسله، لن يستطيع أن يصرع كسله في كبره؛ «مَنْ لَمْ یُجْهِدْ نَفْسَهُ فِي صِغَرِهِ لَمْ یَنْبُلْ فِي کِبَرِه‏» [غررالحكم/8272] يعني يجب أن تبدأ عملية جهاد النفس منذ الصغر. و قد جاء في رواية مشابهة: «مَنْ لَمْ یُجْهِدْ نَفْسَهُ فِي صِغَرِهِ لَمْ یَجِدْ رَاحَةً فِي کِبَرِه‏» [عيون الحكم/446] إن كلام أمير المؤمنين (ع) هذا، ليس بكلام ديني بحت، بل إنما يحدّثنا الإمام عن حقيقة الدنيا وطبيعة الحياة. فليس من الضروري أن نثبت هذه الحقائق بكلام الله ورسوله والإيمان بالقيامة، بل إنها جزء من واقع الحياة.
  • قال أمير المؤمنين (ع): «لَا یُدْرَكُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ» [غررالحكم/10684] فأنّى يمكن للشاب غير النشيط الذي لا يُجهد جسمه أن يتوفّق في طلب العلم؟! أنا أقبّل يدي ذاك المعلّم الشهيد الذي كان يعدّ لنا رحلات لتسلّق الجبال الوعرة؛ فلم تكن تسلّقَ نزهة. وبعد تسلّق شاقّ، كان يتحدث إلينا ويعلّمنا فوق الجبال.

كان النبي(ص) إذا رأى شابّا لا حرفة له قال: سقط من عيني!

  • يجب على الشابّ أن يتعرّف على طبيعة الدنيا جيّدا ويعيش عيشة حقيقيّة. إن أردتم أن تقيّموا امرءاً ما وأن تعرفوا كم هو إنسان مهذّب، فلا تسألوا عن إيمانه في بادئ الأمر، بل اسألوا عن مدى معرفته بالحياة وأنه: «هل يحسن العيش والحياة؟ وهل عرف الحياة؟» وبعد ذلك يأتي دور السؤال عن عبادته.
  • رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا نَظَرَ الرَّجُلَ فَأَعْجَبَهُ قَالَ: «هَلْ لَهُ حِرْفَةٌ؟» فَإِنْ قَالُوا لَا قَالَ: «سَقَطَ مِنْ عَیْنِي» قِیلَ وَ کَیْفَ ذَاكَ یَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَمْ یَکُنْ لَهُ حِرْفَةٌ یَعِیشُ بِدِینِه» [جامع الأخبار/ص139] يعني كأنه يقول: «قدّروني واحترموني لأني مؤمن متديّن!» ولا يخفى عليكم مدى خطورة الاستئكال بالدين!

يجب أن يكون صُنعُ الإنسان المتديّن من الجودة بمكان بحيث لا يحتاج إلى توصية/ كان الشهيد ابراهيم هادي قد فهم الحياة

  • لا ينبغي أن يقدَّر صنعُ الإنسان المتديّن لدينه، بل يجب أن يكون قد بذل سعيه وجُهده ويكون صنعُه من الجودة والروعة بمكان بحيث ينتشر صيتُ الصنعة نفسها. كما قال النبي الأكرم (ص) إن لم يعرف الشابّ المؤمن حرفةً فإنه سوف يستئكل بدينه غدا. فعلى سبيل المثال قد يتوقّع أن يُوَظّف لتديّنه! بينما إن كان يُتقن صنعة أو حرفة، فلم يعد إهماله وتجاهله بأمر هيّن حتى إذا كان صاحب العمل كافرا.
  • كان الشهيد إبراهيم هادي قد فهم الحياة وعرف العيش وعلم معنى الحياة. وأنا أعتقد أنّ إيمان الشهيد هادي لم يجعله أسوة حسنة، بل نمط حياته قد رقّاه إلى هذا المقام الرفيع. اقرأوا كتاب ذكريات الشهيد إبراهيم هادي (كتاب سلام على إبراهيم) أكيدا.

لا نصارع الحياة، بل لنجاهد من أجل حياة حسنة

  • لنستعرض تعريف الحياة مرّة أخرى. إن الحياة بمعنى السعي والصراع لنيل الرغبات الأسمى ـ ومن الواضح أن كلّا يرى رغبته الأسمى في شيء، إذ ليس مستوى الناس سواء ـ وليست الحياة هي سعي وصراع لنيل الرغبات الأسمى فحسب، بل إن إدارة الرغبات وزيادتها ونقصانها هي أيضا جزء من أركان الحياة. ثم لا تقتصر الحياة على إدارة الرغبات والسعي لنيلها، بل هي تشتمل على التسليم للمحدوديّات أيضا. وكلّ ذلك لا يكون في خلأ وفراغ، وإنما سيكون في ساحة المقدّرات الإلهية وفي ظرف الامتحانات الإلهية.
  • فيا حبّذا لو لم نصارع الحياة، بل نجاهد من أجل حياة حسنة. فلا يمكن مصارعة الحياة إذ سنهزم. فإن السنن الإلهية الثابتة في حياة الإنسان تترك أثرَها فينا بكل قوّة. فلابدّ أن نتعاطى الحياة برويّة ومنهج منطقي.

من لم تذلّه الحياة ولم تسلب كِبْرَه فمن البعيد أن يتواضع بالصلاة

  • إن التواضع للّه من الأهمّية بمكان بحيث قالت فاطمة الزهراء (ص): «فَرَضَ اللَّهُ... الصَّلَاةَ تَنْزِیهاً عَنِ الْکِبْرِ» [من لا يحضره الفقيه/ج3/ص568] فإن الحكمة من الصلاة التي هي عمود الدين، هي التنزيه عن الكبر. ولكن دعوا الحياة تنزّهكم عن الكبر وتجعلكم متواضعين، فعند ذلك تؤثر الصلاة فيكم بكلّ سهولة. فمن لم تذلّه الحياة ولم تسلب كِبْرَه فمن البعيد أن يتواضع بالصلاة. فهو قد يسجد للّه ولكنّه لا يتواضع حقيقة.
  • لقد عرّف أمير المؤمنين (ع) نفسه في بداية الكتاب الواحد والثلاثين من نهج البلاغة حيث قال: «الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْر» [نهج البلاغة/الكتاب31] و قد سبق أن أشرنا إلى أحد أقسام تعريف الحياة هو التسليم للمحدوديّات.
  • إن استسلم شاب للدهر قبل أن يبلغ الثماني عشرة سنة، فما أروعه! فهو في الواقع قد تأثّر بهذا القسم من تعريف الحياة فأصبح متواضعا وتنزّه عن العصيان والتكبّر. نسأل الله أن لا يؤدّبنا بعقوبته؛ «إِلَهِي لَا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِك» [مقطع من دعاء أبي حمزة الثمالي؛ مصباح المتهجد/ج2/ص582] بل يؤدّبنا بمعرفته. فمن لم يتأدب بالمعرفة فإما أن يتأدب بالبلاء وإما أن يتأدب بكربلاء...

تعليق