الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۸/۰۳/۲۲ چاپ
 

ما هو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟ (المحاضرة9)

نحن بحاجة إلى إطلاق "حركة إزالة سوء التفاهم"!/ خطابنا الديني الرائج للتعريف بالدين ليس واضحاً/ إن كان تديّنُنا من منطلق النفعية فماذا عن الحب إذن؟!/ الإنسان يحب الله بباعث النفعية.

  • المكان: طهران، مسجد الإمام الصادق(ع)
  • الزمان: 14/أيار/2019 ـ 08/رمضان/1440
  • الموضوع: ماهو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟

كثير من المتملصين من الدين، سواء الفارين منه أو حتى المناوئين له، ليسوا أناساً سيئين ولا يصح أن يقال إنهم مرضى، بل إنهم ضحية سوء تفاهم، ولو أزيل سوء التفاهم هذا لفهموا الدين وقبلوه. لذا فإننا بحاجة إلى إطلاق "حركة إزالة سوء التفاهم".

أيمكن أن يعيش الكل في المجتمع العالمي تحت ظل دولة واحدة ودين واحد؟

  • لقد خُلقت في مجتمعنا بل وفي المجتمع العالمي أنماط عميقة وكثيرة جداً من سوء التفاهم استغلها أعداء البشرية وأعداء الدين لصالحهم. ولو أُزيلَت أنماط سوء التفاهم هذه لرأيتم كيف ستتمكن دولة عالمية واحدة يحكمها دين ومسلك واحد أن تبقى مستقرة أبداً بلا توتر وضغوط، دون أن يلجأ صاحب الزمان(عج) فيها إلى الكثير من أساليب السيطرة على المجتمع وأدوات حفظ نظامه.
  • هل من الممكن حقّاً أن يعيش الكل في المجتمع العالمي، بكل ما فيه من تنوع في المذاهب واختلاف في الأذواق وتباين في التاريخ ـ أن يعيشوا تحت ظل دولة واحدة ودين واحد؟ أجل ممكن، وإن استبعد أحدٌ هذا الآن فذلك بسبب أشكال سوء التفاهم المغروسة في الأذهان، وإلا ففطرة الناس فطرة  إلهية: «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» (الروم/30).
  • على سبيل المثال، الكل في العالم يفهم ويُقرّ بأن السرقة بذيئة. فتخيل لو أن الناس فهموا ديناً واحداً وشريعة واحدة أفضل فهم وقبلوهما أحسن قبول ماذا سيحصل؟ عندها سيكون في الميسور أن يكون لنا دين عالمي واحد كميثاق دولي! فحينما يكون الدين على أعلى مستوى من الوضوح، والعقلانية، والجذابية، والمنطقية فلا بد أن يقبل به الجميع، إلى درجة أن يعبّر الله عز وجل عنه: وهل يرفض الدين إلا الجاهل: «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» (البقرة/130).

نحن بحاجة إلى إطلاق "حركة إزالة سوء التفاهم"!

  • كثير من المتملصين من الدين، سواء الفارين منه أو حتى المناوئين له، ليسوا أناساً سيّئين ولا يصح أن يقال إنهم مرضى. نعم، قد يكونون ضعفاء نفوس، لكنهم ليسوا مرضى، بل إنهم ضحية سوء تفاهم، ولو أزيل سوء التفاهم هذا لفهموا الدين وقبلوه.
  • نحن بحاجة إلى إطلاق "حركة إزالة سوء التفاهم"؛ ذلك أن سوء التفاهم هذا قد استفحل واتسعت دائرته جداً ولن يتبدّد بالرد على بضع شبهات والإجابة على بعض التساؤلات. ففي سياق حركة إزالة سوء التفاهم لا بد أن نقول أمام كل نزاع يطرأ: "قد يكون ثمة سوء تفاهم! لعله نزاعٌ حول العنب والكَرْم؛ فكلاكما يتحدث عن العنب لكنكما تستخدمان لفظتين مختلفتين!"

خطابنا الديني الرائج اليوم للتعريف بالدين ليس واضحاً

  • خطابنا الديني الرائج للتعريف بالدين ليس خطاباً واضحاً، وهو عاجز عن حل المعضلات أو إزالة الأفكار الخاطئة التي يحملها الكثير من أفراد المجتمع، ولا بد لهذا الخطاب أن يتغير. لا ندّعي أنه: "لا بد من تغيير الدين من الأساس!" بل نقول: "ينبغي تغيير خطابنا الديني كي لا يولّد سوء تفاهم حول الدين".
  • عندما لا نطرح الدين بشكل صحيح تطرأ إشكالات؛ كأن لا يكون هذا الدين جذاباً للكثيرين، فيعزفون عنه، بل ويكرهونه أيضاً. بل سينفذ العدو هنا ويبدأ باستغلال الوضع وإضلال الناس.
  • لاحظوا كيف يعرّفون التلاميذَ بالدين في المناهج الدراسية؟ إنهم يثبتون وجود الله أولاً ثم يقولون: "يجب أن تطيعوا الله"، ومن ثم يقولون: "إن لم تطيعوا الله فإن مصيركم نار جهنم!" صحيح أن كل عبارة على حدة هي عبارة صائبة لكنك إذا ركّبتها مع بعضها فستكون النتيجة التالي: "لقد أثبتنا أن الله موجود، والآن إن لم تعبد هذا الرب فستذهب إلى النار!" حسنٌ، من الطبيعي أن حالة من سوء التفاهم ستتولد إذا قدّمتَ الدين بهذه الطريقة!

أغلب معارضي الثورة واقعون في سوء تفاهم، وإزالة اختلاف الرأي ممكن

  • الكثير من المعاندين، أو المعارضين للثورة الإسلامية، أو الذين حادوا عن خط الإمام الراحل(ره) إذا أصغيتَ لكلامهم اكتشفت أن مأربهم أساساً هو الصواب لكنهم واقعون في لَبس وسوء تفاهم. من هنا فإن إمكانية عودتهم متاحة تماماً، وهناك حقاً إمكانية لإزالة اختلاف الرأي.
  • مشكلتنا هي أننا لا نتكلم بالشكل الصحيح ولا نطرح الدين بصورة سليمة، وحركة إزالة سوء التفاهم هدفها اجتذاب معظم الذين عزفوا عن الدين وعن الله وعن الإسلام الأصيل وإعادتهم إلى هذه الجادة.
  • لقد قدمنا أكثر من 200 ألف شهيد لنقول: "طيلة تاريخ إيران وخلال أي عهد من عهودها لم يتم الدفاع عن تراب الوطن والمصالح الوطنية كما قد دُوفِع عنها في عهد هذه الثورة!" لكنه، وبسبب سوء التفاهم هذا، ترى البعض اليوم، وتحت شعار "الذود عن المصالح الوطنية"، يهاجم نهج الشهداء! والسبب هو أن مؤيدي هؤلاء الشهداء لا يُحسنون الخطاب إلى حدٍّ ما. بالطبع كلام معظم المتدينين والثوريين ليس خاطئاً، بل وصائب، لكنه يخلق حالة من سوء التفاهم.

لماذا يُنظر في مجتمعنا إلى موضوع "الكف عن الذنب" على أنه موضوع غير جذاب؟

  • موضوع بحثنا هو "الكف عن الذنب". وكما تقدم فإن مشكلة الدين الأساسية – مع المتدينين والمجتمع الديني والمجتمع البشري – تدور حول قضية "الكف عن المعاصي"، لا حول مسألة مخالفة الله! والسؤال هنا هو: كيف للناس أن يقتنعوا بأن لا يرتكبوا الذنب؟ الجواب: لا بد أولاً أن يفهموا "ما هو الذنب؟"
  • أفراد مجتمعنا عموماً، ومن خلال هذا الخطاب الديني الشائع، لا يدركون تماماً المراد من الذنب! إنهم عموماً لم يتربّوا على ترك المعصية. بل إذا تحدث عالِم دين عن المعاصي ترى الكثيرين يكرهون الإنصات إليه ويفرون منه، لأنهم يرون أنفسهم عاصين فيقولون في ذات أنفسهم: "لا بد أنه يريد الآن موعظتنا بأن: لا تذنبوا!"

الفهم العام للمعصية في مجتمعنا ليس فهماً صحيحاً

  • في مجتمعنا – مع الأسف – إذا طُرح موضوع المعصية فُهم على أنه موضوع غير جذاب وأنه مدعاة لفرار الناس من الدين؛ ذلك أن الدين لم يُقدَّم للناس بشكل جيد وهو ما خلق حالة من سوء التفاهم حوله. بل إن بعض السياسيين يهزأون في حملاتهم الانتخابية من "النهي عن المنكر" (النهي عن المعصية) فيفوزون في الانتخابات! أي إن الناس تمنحهم أصواتها دون أن تجد فيهم كفاءة خاصة أو قابلية معيّنة!
  • لماذا وضعُ مجتمعنا هكذا؟ لماذا يفوز في الانتخابات مَن يسخر من فريضة النهي عن المنكر؟ ذلك أن الفهم العام للذنب في مجتمعنا فهم خاطئ ويشوبه سوء تفاهم؛ أي إن الأغلبية لا تعلم أن المعصية هي حقاً ضارة بالفرد والمجتمع، وإن الكف عنها هو في صالحنا، وإلا فليست القضية أبداً أن معظم أفراد شعبنا سيّئون! فهم في أغلبهم لا يعانون نقصاً على مستوى الإيمان والمعرفة. نعم هناك الكثير من الضعف والقوة بين المستويات الثقافية المختلفة لكنه يمكن التفاهم مع الكثير منهم.

كيف نتكلم في الدين بما لا يخلق سوء تفاهم؟

  • كيف نتكلم في الدين بما لا يخلق سوء تفاهم؟ كيف نقيم حالة تربوية دينية بحيث لا يتولد سوء تفاهم؟ كما قد أسلفنا فإن الخطوة الأولى على طريق الاقتناع بترك المعصية هي أن ينشأ الإنسان "صاحب خطة وبرنامج"، ويؤمن بأنه بحاجة إلى منهاج، وأن العيش بلا منهاج غير ممكن! لا بد أن يمتلك الإنسان القدرة على التخطيط ويقتنع بأن يعيش أكثر حياته وفق برنامج.
  • إنك إذا أصبحتَ ذا منهاج فستكون ذا تخطيط طويل الأمد، وإنْ أمسيت ذا تخطيط طويل الأمد فستجعل منك النظرةُ البعيدة الأمد هذه شخصاً بعيد النظر. وبعد أن تصبح بعيد النظر وترى مصالحك الأبعد فستغدو رجلاً إلهياً ودينياً! بل في ميسورنا أن نقول في تعريفنا لأمير المؤمنين(ع) إنه كان رجلاً ذا نظرة بعيدة المدى في تخطيطه لحياته!
  • قد تسأل: "الغربيون أصحاب منهاج وتخطيط، فهل هم مقبولون لديك؟" من محاسن الصدف أن مأخذي على الغربيين هو أنهم ليسوا أهل برمجة وأنهم ضعفاء في التخطيط! فلو كانوا ذوي برنامج وقمّةً في التخطيط لما احتاجوا إلى ارتكاب كل هذه الجرائم والمجازر في العالم لكي يصبحوا، ويظلوا أكثر ثراءً! فلأنهم فاشلون في التخطيط فإنهم لا يجدون بُداً من اللجوء إلى السلاح وقتل الشعوب الضعيفة. فلماذا يقترفون كل هذه الجرائم؟ لأنهم يفتقرون إلى المنهجة الصحيحة وأنهم غير قادرين على دفع عجلة تقدّمهم عبر التخطيط الاقتصادي المحض. فإن ضعفهم – بالمناسبة – هو في افتقارهم إلى المنهجة!

الخطوة الثانية للاقتناع بالتدين هي أن تكون نفعياً!

  • كما قد مر في المحاضرات الفائتة فإن الخطوة الأولى لاقتناع الإنسان بالتدين هي أن يكون مُخطِّطاً في حياته، وإذا قُدِّم الدين إلى الناس بهذه الطريقة يكون قد قُدِّم بشكل صحيح.
  • الخطوة الثانية هي أن يكون الإنسان نفعياً، ويحب نفسه أيما حب، ويهوى مصالحَه. علينا أن نلقّنه بأن: لا تتغاضَ عن أي منفعة من منافعك؛ بمقدورك أن تستمتع بعشر لذات، فلماذا لا تستمتع بها؟! في استطاعتك أن تكتسب هذه القدرات العشرة، فلماذا لا تكتسبها؟!

رَبِّ ولدك على عدم القناعة بالقليل/ الإمام الصادق(ع) يدعو إلى التسابق إلى أعلى درجات الجنة

  • الذي يتغاضى عن معظم مصالحه تعيس الحظ! هدفنا هو أن نربي أولادنا على أن لا يتنازلوا عن أي مصلحة ولا يقنعوا بالقليل؛ فهذا أهم عندنا من أن يخافوا من الخطر! وهذا أهم لدينا من أن يُقدِم ولدُنا على فعلٍ خشية أمرٍ آخر!
  • إذا رغبت في تربية طفلك أو تهذيب نفسك  فاطمع بالمنافع الكبيرة التي ينبغي أن تصيبها. حتى الخوف من نار جهنم لا يفعل كل هذا الفعل! فعن الإمام الصادق(ع) لشعيته: كونوا مرتاحي البال، إذ سنشفع لكم لتخليصكم من النار، فتسابقوا أنتم لبلوغ أعلى الدرجات: «وَاللهِ لا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْكُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَتَنَافَسُوا فِي الدَّرَجَات» (الأمالي للطوسي/ ص296)، و: «لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، كُلُّكُمْ‏ فِي‏ الْجَنَّةِ، فَتَنَافَسُوا فِي الدَّرَجَات» (الأمالي للطوسي/ ص722-723).
  • إن أردتَ تنشئة شيعي فنشّئه من البداية بحيث إذا قلت له: "إنك تستطيع اجتياز هذه المراتب أيضاً.. إن باستطاعتك امتلاك هذه الأمور كذلك.." فسوف لا يغض طرفاً عن هذه المراتب العالية وسيقول: "أصبو لهذه أيضاً!"

أحد أساليب إبليس هو أنه يجعل الإنسان يقنع بالقليل

  • أحد أساليب إبليس اللعين هي أنه يجعل الإنسان يقنع بالقليل قائلاً: "هذا يكفي!" بل ويهمس في أذنيه بمواعظ أخلاقية تدعو، في الظاهر، إلى التواضع من أنه: "ولِمَ تريد هذا؟!" فإن قلت مثلاً: "أريد أن أكون كآية الله بهجت(ره)" يقول: "لا تمزح! أين أنت من الشيخ بهجت! حسبُك أن تصلي ركعتين!" أما أنت فأجبه: "ولِمَ أقنع بالقليل!"
  • القائلون: "فليُدخلونا الجنة على أية حال.. لا يهم في أي موضع منها! حتى لو في أوطأ درجاتها!" أمثال هؤلاء نسمّيهم: "جهنّميّي الجنة!" فهؤلاء ليس لهم رصيد تربوي سليم أبداً. فمَن إذن الذي يملك رصيداً تربوياً سليماً ليمارس التدين؟ إنه الشخص النفعي.. الذي لا يقنع بالقليل.. إنه الذي يحاول أن يسبق الآخرين.

عُلُوّ الهمة وعدم القناعة بالقليل هو أحد عناصر النفعية

  • الراغب في التدين لا بد أن يكون نفعياً. وهنا نضيف إلى النفعية قيداً آخر هو "عُلُوّ الهمة وبعد النظر".
  • إن من ركائز التدين لمن يشاء أن يتدين هو أن يكون ذا شخصية صفتها أنه يحب نفسه، بل ولا يقبل ببيع نفسه بثمن بخس، ولا يقنع بالقليل، ويهوى مصالحه إلى درجة أنه إذا مُني بخسارة توجه إلى ربه منتحباً قائلاً: "إلهي، لقد خسرت في هذه القضية، ولا أحب الخسران.." هذه هي مختلف عناصر النفعية.

"الأنانية السيئة" هي أن تُفني مصالحك الطويلة الأمد لأجل مصالحك القصيرة الأمد

  • إن لم تكن نفعياً فكيف تريدنا أن نحدثك عن الجنة والنار؟! من الجيد جداً أن يكون الإنسان نفعياً، فالأنانية السيئة التي توصَف في الأخلاق بأنها بذيئة هي شيء آخر! أولاً عبارة: "الأنانية سيئة" لا وجود لها في الدين. ومراد البعض من أن الأنانية سيئة هو "أن تقوم بنفسك بإفناء مصالحك الطويلة الأمد لأجل مصالحك القصيرة الأمد!" وعلى فكرة، فإنك سوف لا تكون أنانياً في هذه الحالة! النفعية السيئة أيضاً هي أن يختار المرء منفعة ضئيلة ويفرط بأخرى عظيمة.
  • "الأناني السيّئ" هو الذي يلتقط مصالحه القصيرة الأمد والقليلة ويبيد مصالحه الطويلة الأمد؛ كالطفلة الجاهلة إذا أتاها لص قائلاً لها: "هاك هذه الحلويات ودعيني أنتزع قرطك وآخذه!" فتفرط بقرطها الذهبي من أجل بضع قطع حلوى!

الدين منهاج ينال الإنسان به مصالحَه؛ مصالحه المادية والمعنوية.. الدنيوية والأخروية

  • لو أزيل سوء التفاهم حول الدين فسيقول بعض غير المتدينين: "إذن فأنا مخطئ إذ لا أمارس الدين بدافع الأنانية!" أجل، لأن الدين يقول لك: "إذا أحببت نيل مصالحك فتعال أدلك على الطريقة، بل إن الدين هو منهاج ينال الإنسان به مصالحه؛ سواء المصالح المادية أو المعنوية والروحية، وسواء المصالح الدنيوية أو الأخروية. وإذ ذاك سيصوّت الناس في الانتخابات، حتى وإن كانوا بلا دين، للشخصية المتدينة على أساس "أنه يعرف كيف يضمن للشعب مصالحه." بل إن الدين يعلّمنا هذا تحديداً.
  • البعض يأخذ عليّ أن: "لماذا تفسّر الدين تفسيراً نفعياً؟! أوَتَحمل رؤية وضعية يا ترى؟!" أقول لهؤلاء: "لكن هل في الدين شيء آخر غير أن يعلّمنا كيف نوفّر مصالحنا؟!" ولو قلتَ: "ماذا عن المقدسات والقيم الدينية؟" لأجبتك: "حتى المقدسات والقيم الدينية هي في صالحنا! فهل هناك قيمة فيها ضرر لنا؟!" وإذا قلتَ: "إن هدف الدين هو إيصالنا إلى الله!" لقلتُ لك: "حسنٌ، وهل في هذا خسارة لنا؟! إنه لصالحنا أيضاً!"
  • إن من الخطأ أن نقول: "الدين أمرٌ يضر بنا أيما ضرر، لكن دعونا نتضرّر مرضاةً لله وفي سبيل قِيَمنا!"

لماذا يعارض الأمريكيون ديننا؟ لأنه في صالحنا نحن ويضر بمصالحهم هم!

  • لماذا يعارض الأمريكيون ديننا؟ لو كنا عبدة بقر أوَكانوا سيعارضوننا أيضاً؟ كلا.. إذن لِمَ يخالفون هذا الدين تحديداً؟ لماذا لا ينقلون الواقع ويعتّمون إعلامياً إذا اجتمع 20 مليون زائر لاطمين الصدور حول مقام أبي عبد الله الحسين(ع)، مُعلنين مثلاً: اجتمع 200 ألف زائر! في حين إذا اجتمع 20 مليون شخص في نهر في الهند قالوا بكل دقة: "اجتمع في الهند 20 مليون شخص إحياءً لمراسم كذا..!" لماذا يعتّمون على أخبارنا؟ لماذا يخافوننا؟ السبب هو أن ديننا هو في صالحنا نحن لكنه يضر بمصالح هؤلاء المجرمين! أما في الهند فمهما عبدوا الأبقار فهو لا يضر بأمريكا، ولا هو لصالح الهنود أنفسهم، لذا يقولون: "دعهم يعبدون البقر!"
  • أتظن أن الأمريكان والانجليز يخالفون الدين عموماً ويعارضون كل ذي دين؟! كلا أبداً.. بل – بالمناسبة - لو استطاعوا عن طريق الدين أن يُنزلوا بشعبٍ ظُلماً لأمسوا من دعاة الدين أيضاً، بل لخلقوا هم ديانة؛ كما فعل الانجليز في بلدنا هذا؛ فالبهائية ديانة صنعها الانجليز! إذن لماذا يعارضون ديننا هذا؟ لأنهم يرونه في صالحنا.

الدين يدلنا على الطريق التي نصبح عبرها قوة عظمى

  • يقول لنا الدين: "تعالوا أدلكم على الطريق التي تصبحون من خلالها قوة عظمى!" إسلامنا هذا يدلنا على الطريق التي نصبح عبرها قوة عظمى، بل هذه هي حقيقة الدين. لكن في أي مدرسة وفي أي صف علّمونا هذا؟!
  • أثناء دعوة رسول الله(ص) الأولى ولدى نزول الآية: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين» (الشعراء/214) جمع(ص) عشيرته وطائفة من أهل مكة يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم بأنهم إذا رغبوا في زعامة العالم كله فليقبلوا بدينه: «فَأَجِيبُونِي تَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ بِهَا لَكُمُ الْعَجَم» (أعلام الورى/ ص39). فالدين إذن يدل على سبيل التحول إلى قوة عظمى.. هذا الدين سيصنع منا قوة عظمى، فلماذا نخالفه إذن؟!
  • الدين لا مهمة له سوى أنه يحقق للإنسان مصالحه كلها وليس ثمة غير الدين منهاج يُتقن أو يستطيع فعل ذلك.

إن أردنا ممارسة الدين من منطلق النفعية فماذا عن الحب إذن؟!

  • السؤال الذي نود هنا الإجابة عليه هو: "إذا كان من المقرر أن نصبح نفعيّين وأصحاب تخطيط ومنهجة فماذا سيكون دور الحب والعاطفة في هذا الخضم؟"
  • إذا أردنا أن نمارس الدين عن منفعة محضة ونكلم الله من منطلق النفعية فماذا عن حديث الحب مع الله تعالى؟ وماذا عمّا في الدين من الحب والعاطفة والروائع الفنية؟ ألا يكون التديّن عن منفعة بارداً وجافاً بعض الشيء؟

مناجاة وأدعية أهل البيت(ع) أغلبها تنم عن منفعة لا عن حب!

  • الجواب الأول: أساساً، لماذا تريد مبادلة الله بالغزل؟ من هو قدوتك في هذا؟ بمن تريد أن تتأسى؟ فلو تصفحت أدعية ومناجاة أولياء الله، في مفتايح الجنان مثلاً، لرأيت أن أغلبها تنم عن منفعة! فمَن من أهل البيت(ع) خاطب الله في مناجاته بالقول: "يا عزيزي، أحبك! أشتاق إليك!" أليس محور الأدعية هو الاستغفار؟! ألا ينم الاستغفار عن منفعة؟!
  • الإمام الحسين(ع) الذي هو مظهر العشق والتجسيد له يخاطب ربه في ذروة دعاء عرفة قائلاً: «وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حَاجَتِيَ الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي وَإِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي أَسْأَلُكَ فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّار» (إقبال الأعمال/ ج1/ ص347-348). أوَليست هذه المناجاة ذات بعد نَفعي؟!

الإنسان يحب الله بباعث النفعية

  • الجواب الثاني: الإنسان مخلوق أعمق محبة في نفسه لا تنفصم عن منفعته، وهو يحب لباعث نفعي. فليس الحب أن يفدي المُحبُّ (المحبوبَ) بنفسه! فالله عز وجل يقول في الشهداء الذين يفدونه: إننا نعقد صفقة بيع وشراء؛ امنح أنت نفسك وأنا أشتريها! «إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذي بايَعْتُمْ بِه» (التوبة/111).
  • إذا شئتَ أن تحب فأحِبّ الرب الذي يضمن لك جميع مصالحك، وهذا الحب هو "حب عن تواضع"، فالله لا يتقبل حباً عن تكبر! ادخل في تجارة مع الله وانظر أي صفقة فيها عظيم الربح سيعقدها الله معك، وعندها ستحبه رويداً رويداً وتشعر بالخجل منه! إنك ستكون مديناً لإحسانه، والإنسان عبد الإحسان.
  • إن هويتَ الحب فتعامل بنفعية وانظر كيف سيضمن الله مصالحك، ويثيبك إزاء كل عمل صالح تأتي به بعشرة أضعافه، بل بألف ضعف منه! انظر كيف سيتجاوز الله عن معاصيك! إنك ستتعلق شيئاً فشيئاً بهذا الرب، ثم ستحبه وستهيم به حباً، ثم سترى نفسك في أمَسّ الحاجة إليه. علاقة الحب بين العبد والمولى هي علاقة الفقير المستعطي بالغني؛ فلا نخلط بين حب الله وحب الولد والزوج!

الحب والمنفعة يمكن أن يجتمعا/ إذا أحببت الله رغبت في فدائه بنفسك لكن لا تستطيع ذلك

  • إذا دخلت في تجارة مع الله من منطلق المنفعة وتوجّهت إليه ملتمساً دفعاً للضرر ورأيت كم سيتعاطى الله معك بروعة فستتعلق به تدريجياً كل تعلق حتى لتودّ أن تفديه بنفسك، لكنك لن تستطيع ذلك! ولذا فإنك ستظل تتقلب في نار هذا الحب، وسيشكل هذا نقطة العقدة في قصة علاقة حبك مع الله عز وجل.
  • لقد هَمّ نبي الله إبراهيم(ع) بذبح ابنه بأمر من الله تعالى، فقال لابنه: «فَانْظُرْ مَاذا تَرَى»، «قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِين» (الصافات/102). وكان إبراهيم(ع) قد أعد كل شيء وهم بذح ابنه فأشار الله عليه أن: لا حاجة، هذا يكفي...
  • فاغتم نبي الله إبراهيم(ع) كثيراً إذ لم يقدّم لمعبوده قرباناً... وضاق صدره إذ قد أعفاه الله من هذا الأمر!" فسأله الله إن كان يود حقاً أن يقدم له قرباناً؟ فكان جواب إبراهيم(ع) إيجابياً.. فقلبه كان ملوَّعاً.
  • فرفع الله تعالى من أمام ناظريه الحجاب عن حادثة استشهاد الإمام الحسين(ع) وسأله: «...فَذَبْحُ وُلْدِهِ [ولد النبي محمد(ص)] ظُلْماً عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ أَوْجَعُ لِقَلْبِكَ، أَوْ ذَبْحُ وُلْدِكَ بِيَدِكَ فِي طَاعَتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ بَلْ ذَبْحُ وُلْدِهِ ظُلْماً عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ أَوْجَعُ لِقَلْبِي‏» فقال الله عز وجل بعد أن أخبره بقبوله قربانَه: «يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ فَدَيْتُ جَزَعَكَ عَلَى ابْنِكَ إِسْمَاعِيلَ لَوْ ذَبَحْتَهُ بِيَدِكَ بِجَزَعِكَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَقَتْلِهِ وَأَوْجَبْتُ لَكَ أَرْفَعَ دَرَجَاتِ أَهْلِ الثَّوَابِ عَلَى الْمَصَائِب» (الخصال/ ج1/ ص59).
  • فانظر أي صفقة وضعها الله بين يديك! إنه يعطي الجنة إزاء دمعة على الحسين(ع).. إذن فمن صالحك أن تبكي على الحسين(ع)! ها قد علمتَ بأن هذا في صالحك، فهل ستمتنع عن البكاء بعد اليوم؟ إذن الحب والمنفعة يمكن أن يجتمعا، بل إن هذا الحب بالمناسبة أكثر تلويعاً للإنسان؛ لأنك ستكون عاشقاً، وتود لو تتنازل عن منفعتك، لكنه يُمنحك نفعاً أكبر، فتزيد تلوّعاً واحتراقاً.

تعليق