الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
۹۸/۰۳/۲۵ چاپ
 

ما هو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟ (المحاضرة10)

لماذا الدين غريب؟ لأننا لا ندرك أن فيه نفعنا/ اِقصِد الدين تحصيلاً للربح!/ ليس العشق "أن تتنازل عن جميع مصالحك!"/ أولياء الله تغاضوا عن منافع حقيرة من أجل منافع أضخم.

  • المكان: طهران، مسجد الإمام الصادق(ع)
  • الزمان: 15/أيار/2019 ـ 09/رمضان/1440
  • الموضوع: ماهو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟

أنانية الإنسان لا تزول أبداً، فاقصد إلى الله عن أنانية. والله تعالى هو الآخر يريد أن يعمل من أجل مصالحنا، بل إنه لم يخلقنا إلا لنجني نحن منافع لأنفسنا، لا ليجني هو نفعاً منا! إنّ من المقرر أن نكتسب في هذا الخضم منافع، إذن فلنقصد الدين تحصيلاً للربح!

ما الأضرار الناجمة عن فكرة "أن التدين صعب"؟

  • بعض التعاريف والتعابير التي نسوقها لبيان الدين تبعث على سوء التفاهم وتغرس فكرة أن التديّن أمرٌ صعب! وغرسُ هذه الفكرة يدفع الكثير من غير المتدينين إلى تبرير عزوفهم عن الدين متذرّعين بأن "التدين أمر شاقّ، ولسنا نقوى عليه!"
  • يعمل جانب من رسالات الأنبياء على إقناعنا "بأن التدين ليس صعباً" وليس إقناعنا، بصورة من الصور، بتقبّل صعوبة الدين! فلو قيل لنا: "الدين صعب، لكن اقبلوا به رجاءً!" لاغترّ المتقبّلون للدين ويئس الرافضون له، وكلا الحالتين سيئة!
  • إذا شئنا إقناع أنفسنا بالتدين وترْكِ المعصية خطوة بخطوة فلا ينبغي أن نجعل التدين في أنظارنا شاقّاً، بل إننا لو اجتذَبْنا أحداً إلى الدين بهذا المنطق الخاطئ فسنخلق منه متديناً مغروراً؛ أي يرى نفسه صاحب حق على الله، إذ يتصور أنه أتى بأمرٍ في غاية المشقة، وفي سبيل الله لا من أجل منفعته هو!

لماذا عبارة "دُسْ على رغباتك" غير سليمة؟

  • إننا قد نستخدم عبارات عن الدين وفي سبيل إقناع الآخرين بالتدين تولّد فهماً معيّناً هو أن "الدين صعب". كأن نقول: "دُسْ على رغباتك!" وهذه العبارة خاطئة حتى من الناحية الفلسفية.
  • كيف لي أن أدوس على رغباتي إن أردتُ هذا؟ لا بد لي أن أدوس على بعض رغباتي عبرَ بعض رغباتي الأخرى. ومن هنا فإن مجاهدة النفس تعني أن تخالف مجموعةٌ من الرغبات الموجودة في نفسي مجموعةً أخرى من الرغبات الموجودة في نفسي أيضاً! وإلا فإن مخالفة الرغبات (كلها) شيء مستحيل.

ما من تصرّف يقوم به الإنسان إلا ويقوم به انطلاقاً من رغبته!

  • ما من تصرف يقوم به الإنسان إلا ويقوم به انطلاقاً من رغبته! كأن يعطوك دواءً مُرّ المذاق لا تحب تناوله فلا تتناوله، فيخبرونك: "إن لم تتناول هذا الدواء فستصاب بالسرطان وتموت!" وستقول حينها: "حسنٌ، سأتناوله".
  • إنك تريد أن تواجه رغبتك في أنه "لا أحب الدواء المُرّ". كيف تفعل هذا؟ تفعل هذا بواسطة رغبة أخرى لك هي: "أحب أن أبقى حيّاً". إذن في الحقيقة قد تصرّفتَ هنا أيضاً على أساس رغبتك. فحينما تخالف رغبتك فإنك في الواقع تتصرف وفقاً لرغبتك أيضاً! فمن المستحيل أن تخالف رغبتك ثم – في الوقت ذاته - لا توافق أي رغبة أخرى من رغباتك!

"مخالفة رغبة" تعني "موافقة رغبة أخرى"

  • إذن فالمعنى الأدق لقولنا: "خالف رغبتَك" هو: "خالف رغبتك الأدنى هذه ووافق رغبتك الأعلى، والأقوى، والأشد قيمة، والأكثر لذة تلك". فصاحب السلوك السيئ إنما يخالف رغباته القوية؛ كأن يخالف "رغبته في أن يكون إنساناً". فهو أيضاً يجاهد نفسه، لكنه يجاهد الجوانب الجميلة من نفسه!
  • والذي يجتنب الفعل القبيح هو أيضاً يجاهد نفسه، لكنه يجاهد الأقسام السيئة منها ويُشبع أقسامَها الحسَنة. فإن للصائم حال الإفطار نشاط وبهجة، وهو إن صام شهر رمضان كله كان له يوم عيد الفطر نشاط وبهجة أكبر بكثير! لماذا النشاط والبهجة؟ لأنه قد عمِلَ بمقتضى رغبته؛ وهي: "أريد - بأمر من الله - أن أتغلب على رغبتي في الأكل والشرب." فإنك تود أن تنجز هذا الفعل الصعب في الظاهر، وتستمتع بنجاحك في إنجازه.
  • يوجد في كياناتنا رغبات وزوايا نورانية جميلة لو أشبعناها لأصبنا لذة أكبر بكثير؛ "كالرغبة في العبادة".

ما الرغبة التي تبعث على تقبّل الأُم مشاق تربية طفلها؟

  • الأُم التي تتحمل المصاعب وتسهر الليالي للعناية بطفلها إنما تُشبع رغبة الأمومة في ذاتها وتتصرف، في الواقع، وفق مصلحتها وتلتذ بتلبية رغبتها هذه. فهذه الأم قد تخلّت عن رغبة من رغباتها (مثلاً النوم، والخلود إلى التكاسل، ..الخ) من أجل رغبة أخرى (هي حُب الأمومة). بالطبع نحن قد نسمي هذا "تضحية" أو "فداءً".
  • وهل يا ترى ثمة أُم تكره تربية الطفل مطلقاً؟! كلا، بل هي تحب هذا كثيراً بالمناسبة. إذن هي تُشبع رغبتها أثناء تربيتها للطفل. فهل يجيز لنا العوام أن نقول: "هذه الأم في الحقيقة تقوم بعمل ينم عن أنانية؟!" فإنها تُشبع رغباتها الحسنة وذلك الجزء الجميل من وجودها.

ما الفرق بين الرغبة السيئة والحسنة؟/ الرغبة السيئة هي الرغبة القليلة اللذة

  • أتدري أين تكمن مشكلة الله مع الإنسان؟ أتعلم متى تبرز المشاكل لدى تعامل الدين مع الإنسان أو تعامل الإنسان مع الدين؟ يقول الدين للإنسان: "أشبع الجانب الجميل من رغباتك... لماذا تُشبع رغباتك التي لا قيمة لها؟!" وهاهنا يُطرح موضوع "الهوى"، فالهوى يمثل الجوانب السيئة من رغبات الإنسان!
  • والسؤال هنا هو: "ما الفرق بين الرغبة السيئة والرغبة الجيدة؟" الرغبة السيئة هي الرغبة القليلة اللذة، والرغبة الجيدة هي التي تكون أكثر لذة! فما هي الرغبة السيئة التي يوصي الإسلام بمخالفتها؟ إنها تلك التي تجني منها لذة أقل. وما هي الرغبة الجيدة التي ينصح الدين بالإنصات إليها وإشباعها؟ إنها تلك التي لذّتُها أكبر!

لو أنك رأيتَ اللذةَ في ترك اللذة، لما رأيتَ في لذّةِ النفسِ لذةً!

  • ما مصدر النشاط الذي ينتابك ساعة الإفطار؟ أوليس في تناول الطعام من لذّة؟! ما المتعة الموجودة في عدم الأكل كي تصيب كل هذه اللذة من الصيام؟ لقد تداول حكماؤنا بيتَ شعر يقول: "لو أنك رأيتَ اللذةَ في ترك اللذة، لما رأيتَ في لذّةِ النفسِ لذةً!" فالصائم يجني من صومه لذة هي أشد بكثير من لذة تناول الطعام.
  • فرق الإنسان عن الحيوان هو أن الأخير لا يستمتع إلا بلذات ثابتة لا تتغير أما الإنسان فبإمكانه أن يعيش لذات أسمى لا يملك الحيوان أن يدركها على الإطلاق.

لو علم الناس أن الدين يصب في صالحهم لتسابقوا في التديّن

  • لو أننا تكلمنا كلاماً دقيقاً عن الدين لتسابق الناس في التدين بالضبط كما يتسابقون إلى موضع إذا علموا أن فيه المال والثروة، أو عرفوا أن فيه منفعة مالية! وسيأتي يوم يصبح فيه التدين هكذا أيضاً.
  • بتصورك، ماذا سيحدث في دولة صاحب الزمان(ع) حتى يتمكن من حكم العالم بأسره؟ أسوف يتغير الناس دفعة واحدة وتجتاحهم حالٌ معنوية؟ ليس هذا بالمنطقي! قيل في الحديث عن أبي جعفر الباقر(ع): إنه(عج) يمسح على رؤوس الناس فتزداد عقولهم: «إِذَا قَامَ‏ قَائِمُنَا(ع) وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُم‏» (كمال الدين/ ج2/ ص675). فإن كمُلَت عقول الناس فهموا أن الدين في صالحهم، وإذا فهموا أن الدين في صالحهم تسابقوا فيما بينهم من أجل التدين وفعل الخير؛ كأن لا يذروا على الأرض فقراً ويفتشوا عن الفقير تفتيشاً ليتصدقوا عليه حتى لا تعود تجد فقيراً لتدفع له صدقة! لماذا هذا التحول؟ لأن الفرد بات يدرك أن هذا الفعل يصب في صالحه.

إن كنت تفتش عن المنفعة المطلقة فإنك تفتش عن الله، وعندئذ ستبلغ "الإخلاص" أيضاً!

  • إن كان في التدين صعوبة فلا صعوبة إلا في جانب واحد منه وهو أن نفهم "أن التدين هو في صالحنا!" أما الباقي فسهل. المهم هو أن تفتش عن المنفعة.. المنافع كلها بالطبع، لا الحد الأدنى منها فحسب! فحينما تفتش مطلقاً عن المنفعة، بل عن المنفعة المطلقة، فإنك في الحقيقة تفتش عن الله تبارك وتعالى؛ ذلك أن الله هو في صالحك، وحينئذ ستكون "مخلصاً" أيضاً!
  • يتصور البعض أن المخلص هو من تخلّى عن جميع مصالحه قائلاً: "لا أريد شيئاً لمصلحتي أبداً، بل أريد كل شيء لمصلحة الله وحسب!" وهذا تصورٌ عامّي عن الإخلاص.

الإخلاص هو "أن تعمل من أجل أسمى مصالحك وحسب"!

  • الإخلاص هو أن تعمل من أجل أسمى مصالحك.. من أجل أسمى مصالحك وحسب. فإن ضُمنَت أسمى مصالحك فسوف لا تعود بحاجة إلى مصالحك الأدنى. الترجمة الحقيقية للإخلاص لله هي أن لا تضع نُصب عينيك إلا مصالحك الأرفع. وما هي أرفع مصلحة للإنسان؟ هي أن يحب أن يكون الله عز وجل رفيقَه.
  • أتعلم ما هو أشد عذاب على الإنسان يوم القيامة؟ هو أن لا يكلمه اللهُ في ذلك اليوم! «لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة» (آل عمران/77). فأشد عذاب على الإنسان ليس هو حرق جسده، بل هو الألم الذي يصيب قلبه، فهو إن لم يكلمه الله يموت حسرةً.. يقول: "إلهي! كلّمني!.. حسنٌ، سأذهب إلى النار.. فقط قل لي شيئاً! لماذا تكلّم باقي أصحاب النار؟ لماذا لا تتحدث إليَّ؟!"
  • لا بد أن نترجم الإخلاص بصورة صحيحة؛ وهو ما معنى: "أن تكون خالصاً لله؟" معناه أن تعثر على ذلك الجزء من نفعيتك الذي يقول: "إن في أعماقك رغبة هي أن تكون أنت ملكاً لله فحسب، ويكون الله لك وحدك". فإن عثرت على رغبتك هذه وأشبعتها فهذا هو غاية الإشباع بالنسبة لك.

اِقصِد الدين تحصيلاً للربح!

  • أنانية الإنسان لا تزول أبداً، فاقصد الله عن أنانية. والله تعالى هو الآخر يريد أن يعمل من أجل مصالحنا، بل إنه لم يخلقنا إلا لنجني نحن منافع لأنفسنا، لا ليجني هو نفعاً منا! ولماذا يريدنا الله أن نجني نحن نفعاً؟ لأنه كريم.. لأنه رَبّ! إذن مَن مِنَ المقرر أن يكتسب منفعة في هذا الخضم؟ إنه نحن.. إذن فلنقصد الدين تحصيلاً للربح!
  • ما من أحد لا يجني من التدين نفعاً! فمهما توغلت في التدين سترى أنه في صالحك. ألم يكن رسول الله(ص) وأمير المؤمنين(ع) أكثر من نالوا من ربهما نفعاً؟! يقول القرآن الكريم: هناك من بين الناس من يبيع نفسه لله إزاء رضاه تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبَاد» (البقرة/207). لكن لماذا يبيع نفسه؟ لأن قلبه يهفو إلى رضى الله وإن في هذا ربحَه؛ أي إنه يجني من رضى ربه هذا لذة أكبر من التي يجنيها من أي شيء آخر.

لماذا الدين غريب؟ لأننا لا ندرك أنه في صالحنا

  • لماذا الدين غريب؟ لأننا لا ندرك أن التدين هو في صالحنا. كما أن أغلبنا ليس نفعياً، بالمعنى التام للكلمة، أبداً؛ أي إننا لا نفتش عن أسمى منافعنا. من هنا فإنه لا بد أولاً أن يُنشئنا أحدٌ على النفعية!
  • أليس من القبيح أن لا يطالب الإنسان بأرفع مصالحه؟ ألا يشبه إنسانٌ كهذا الحيوانَ؟ ألا يكون شخص كهذا غريباً وضيّق الصدر ومكتئباً ومتعباً وعاجزاً؟! فالقبيح هو أن يقاسي المرء العذاب والآلام من دون جدوى، والجميل هو أن ينال الإنسان أسمى المنافع، ويحصّل النشاط، ويزدهر.

كيف يجتمع التدين عن نفعية مع العشق؟

  • السؤال الذي كان قد طُرح في المحاضرة الأولى هو: "كيف يمكن الجمع بين التدين عن نفعية والعشق والتدين عن عشق؟"
  • علينا أولاً أن نعرف ما هو العشق؟ وهل إن تصوّرنا عن العشق صحيح أساساً أو لا؟ بأبسط العبارات نقول: "العشق هو الحب العارم أو أشد أنواع الحب". على أن العشق في اللغة العربية يعني اللجاجة.
  • إذا أخذنا العشق بمعنى "المحبة الشديدة" فهذا صحيح، ففي الذكر الحكيم أيضاً قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلهِ» (البقرة/165). أما إذا ترجمناه بمعنى: "أن تفدي المعشوق بنفسك وتتنازل عن مصالحك!" فلا معنى لهذا عند الإنسان! اللهم إلا إذا تشتت ذهنه، أو دُفع إلى التسرّع ففدَى نفسَه، وهاهنا أيضاً سيكون هذا مثار ندمه، لأن الإنسان مخلوق أناني!
  • روي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «جُبِلَتِ‏ الْقُلُوبُ‏ عَلَى حُبِّ مَنْ يَنْفَعُهَا وَبُغْضِ مَنْ أَضَرَّ بِهَا» (الكافي/ ج8/ ص152).

ليس العشق أن "تتنازل عن كل مصالحك"/ أولياء الله تغاضوا عن منافع حقيرة من أجل منافع أضخم

  • العشق بمعنى أن تتنازل عن مصالحك تماماً هو ما لم يحصل حتى مع أولياء الله وفي علاقتهم معه عز وجل؛ فأولياء الله لا يتغاضون عن جميع منافعهم في سبيل الله! بل لقد تغاضوا عن نفع أقل في سبيل نفع أكثر! ولهذا السبب تحديداً كان الإمام الحسين(ع) قد اعتذر إلى الله حتى في مصرعه ورأى نفسه مديناً له تعالى!
  • لماذا يشعر أولياء الله دوماً أنهم مدينون لله تعالى؟ لأن الله في كل خطوة تخطوها نحوه (سواء أكانت كاملة أو ناقصة) سيهيل عليك من الأجر ما يُخجِلك ويجعلك مديناً له عز وجل! بل ليس باستطاعتنا أن نخطو خطوة لصالح الله دون أن نكون فعلنا ذلك لمصلحتنا، بل ولا أن نتخذ خطوة لا تكون فيها منفعة لله في الوقت الذي نكون قد تغاضينا عن أنفسنا! وهل يسمح لنا الله أصلاً أن نتغاضى عن أنفسنا؟!
  • تفسير العشق بالتضحية أو بالرغبة التي تجر صاحبها إلى التضحية بالمصالح وإفنائها هو ما لا يتسنى للإنسان تصوّرُه. خُذ حب الأم لولدها مثلاً، فالأم التي يقال إنها "تضحي في سبيل ولدها!" هي، في الواقع، تُشبع رغباتها الجميلة والسامية. وإن الذي يُشبع رغباته السامية سيجني منفعة أكبر من الله ومن الحياة على حد سواء. ناهيك عن أن الإنسان إذا أشبع رغباته العالية فإنه سوف يتنامى ويزداد عظمة.

الشهداء ضحوا بمصالحهم الهابطة في سبيل مصالحهم العالية

  • حتى الشهداء وضعوا مصالحهم العالية بعين الاعتبار، فما إن شاهدوا الأخيرة حتى فدَوها بمصالحهم الواطئة. إذن ليس في قاموسنا "حُبٌّ" تفسيره أن يضحي المرء بنفسه مطلقاً، أو أن يتنازل عن جميع مصالحه، أو عن أسماها.
  • قد يقول قائل: "إنني أفديك بمالي"، وهو إذ يضحي بماله إنما يُشبع في نفسه رغبة أسمى، فتراه يلتذ بإنفاق أمواله في سبيل حبه! إذن هو يُرضي نفسه أيضاً. فالذي لم يضحِّ بماله هو متعلق "بحب المال"، أما هذا الشخص فقد تعلق "بحب المعشوق"، لكن كلاهما يتصرف وفقاً لرغبته.

هل تجتمع النفعية مع العشق؟!/ المنفعة الضئيلة لا تستثير العشق

  • كيف يجتمع العشق، بمعنى الحب الغامر، مع النفعية؟ هذا السؤال عادة ما يطرحه مَن يرى النفعية في المصالح الدنيوية الضحلة؛ مثلاً: أخذُ "شهادة الدكتوراه" من قبل المرء فيه منفعة له لكنه لا يملك أبداً أن يحب هذه الشهادة إلى حد إنشاد الشعر فيها وذرف الدموع من أجلها، لأنها منفعة ضحلة لا عليا.
  • المصالح الضحلة لا تختطف قلوبنا، أما المصالح العليا فبإمكانها فعل ذلك. فلا تقل إذن: "لا يمكن الجمع بين النفعية والعشق؟" فإنها المنفعة الضحلة التي لا تستثير فينا حباً غامراً.

المصالح السامية هي التي من شأنها أن تغرس فينا الحب

  • السبب في طرح الناس للسؤال التالي: "كيف يُجمع بين النفعية والعشق؟" هو أن المنافع الضحلة لا تستثير حباً جامحاً، وهي لا تُشبع هذا اللون من الحب أيضاً، ولهذا فإنها لا تجتمع مع العشق، لكن الذي قد شاهدَ منافعه الإنسانية والروحية السامية فإنه سيقع في حبها وسيذرف الدمع من أجلها. وهاهنا سيتحقق مصداق: «أَشَدُّ حُبّاً»، وهو العشق.
  • مرادنا من العشق هو محبة المصالح الرفيعة العالية، وإن الذي في ميسوره أن يثير في أعماقنا العشق ويُضرم في أرواحنا النار ويُلهبنا هو المصالح السامية. فإن بلغتَ مصالحك العالية وضحّيتَ بمنافعك الواطئة في سبيلها فستشتعل نار العشق في كيانك، وستقول حينئذ: «أعشق العالم كله لأن العالم "له!» (شعر)

السبيل إلى حب الله هي النفعية!

  • لماذا يتكلم خلقٌ كثير عن حب الله ثم لا تجد مُحبّاً لله إلا نادراً؟ على كم مُحبٍّ لله يمكنك العثور؟! إنهم ندرة! لماذا؟ لأنهم لم يسلكوا سبيله! وما هي سبيله؟ هي النفعية ولا غير! ونحن الآن نسلك السبيل ذاتها.
  • حينما تكون العقدة الأساسية في قصة الدين هي ترك المعصية فإنها إذن نقطة الانتقال إلى العشق! وأين يكمن العشق؟ أين يكمن أشد ألوان الحب الذي يُحرق الإنسان؟ أين تكمن تلك المحبة الجامحة التي يسكب المرء من أجلها الدمع غزيراً ويُعوِل لها كل عويل؟ إنها تكمن في مصالح الإنسان السامية، لا في تلك الهابطة!

ما دامت عينك تلاحق منافعك الضحلة فإنك لن تعشق الله!

  • يروى عن رسول الله(ص) قوله: «حُبُّ الدُّنْيَا وَحُبُّ اللهِ لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ أَبَداً» (مجموعة ورام/ ج2/ ص122). فإنك لا تظفر بمحبة الله حتى تُخرج حب الدنيا كله من أعماقك. فما دامت هناك ذرة من محبة الدنيا في قلبك فلن تدخله ذرة من محبة الله! أي ما دامت عينك تلاحق منافعك الضحلة فلن يضطرم في قلبك ذلك العشق الذي هو نتاج المصالح العليا.
  • الكل يود أن يعشق.. الكل يهوى أن يلتهب.. فلماذا لا يلتهبون إذن؟ لأن عليك غض الطرف عن منفعتك الهابطة! ليس أن تتغاضى عن منافعك عموماً، بل أن تهتم بمنافعك الرفيعة وتتنازل عن تلك الواطئة.
  • إذا رغب الإنسان بمصالحه العليا جاشَ في قلبه حبٌّ عارم سيلتهب كيانُه له التهاباً شديداً لا حد له!
  • لِمَ حبّ الدنيا سيئ؟ لأنه متاع قليل.. لأن لذته طفيفة.. لأنك إذا أُصبتَ به لم تفرح كثيراً. ولماذا تنتهي بعض الزيجات بعد مدة قصيرة إلى الطلاق؟ لأن الزوجين يتوقعان أشياء مهمة ستقع بعد الزواج، لكنهما يخرجان بخُفَّي حنين، فيبغض أحدهما الآخر! والحال أنه ما كان من المقرر أن يقع شيء مهم! بل كان من المقرر – بالمناسبة - أن تكتشف أنه لا شيء مهم هنا، فتمرّ، ماضياً إلى حيث ثمة شيء حقّاً!

تعليق