الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۸/۰۳/۲۸ چاپ
 

ما هو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟ (المحاضرة11)

هل يمكن للتدين عن منفعة أن يكون عن حب أيضاً؟/ الإنسان يحب مَن ينفعه نفعاً عظيماً/ أربعة شروط أساسية لحب الله تعالى

  • المكان: طهران، مسجد الإمام الصادق(ع)
  • الزمان: /أيار/2019 ـ 10/رمضان/1440
  • الموضوع: ماهو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟

الإنسان مخلوق نفعي لا يحب إلا إذا انتفَع، وهو لهذا يحب كل من يُحسن إليه. إذن الطريق إلى حب الله هو أن نعرف إلى أي مدى يوفّر لنا الله مصالحنا؟ ولو تأمّلنا في أنعم الله بأعين مفتوحة متفحّصة لأحببنا الله شيئاً فشيئاً.

أي ألوان النفعية سيئ؟ هو أن يسعى الإنسان وراء المنفعة القليلة

  • النفعية أساساً ليست سيئة. فأي ألوان النفعية سيئ إذن؟ هو أن يسعى الإنسان وراء المنفعة القليلة؛ فهذا النمط من النفعية يفسد أخلاق المرء، ويقسي قلبه، وليس فيه لذة المحبة. لكنك إن طالبتَ بجميع منافعك، بل وبأسماها فستغدو إنساناً في منتهى رقة القلب، واللطف، وحُسن الخلُق، والرحمة، والمحبة.
  • كما قد بيّنا في المحاضرات السابقة فإنه ينبغي أن نفهم التدين على أنه أمر نفعي، وأن نربّي الطفل منذ نعومة أظفاره على حب المنفعة كي يُمسي متدينا؛ ذلك أنه لا انفصام بين التدين وبين توفير المنافع ومنح اللذات المادية والمعنوية والروحية. فلماذا نعرّف التدين بطريقة توحي بأن على المتدين أن يضحي بمصالحه ويتغاضى عن لذّاته وأن يعمل وفقاً لمعتقداته، ويحترم المقدسات والقيم! فمثل هذا التعريف بالدين خطأ أصلاً.

العامل بدينه لا يخطو خطوة إلا بما ينسجم ومصالحه

  • أولاً العامل بدينه لا يخطو خطوة إلا بما ينسجم ومصالحه. ثانياً كونُ الدين مُدّعياً وصاحب حق معناه أنه عندما تقول: "قررتُ أن أكون متديناً" سيقول الدين لك: "هل أنت، أساساً، نفعيّ أو لا؟" فإن أجبتَ "بنعم" قال لك: "إلى أي مدى أنت نفعي؟ أخشى أنك قليل النفعية!.. إن عليك أن تطالب بمنافعك بقوة، وأن تطالب بها جميعاً."
  • علينا، إذا أحببنا تنشئة امرئ لجعله مهيَّأً لتقبّل الدين، أن نغرس فيه مجموعة من السمات الشخصية؛ إحداها أن يكون شديد الحساسية إزاء مصالحه كلها بحيث لا يجد في نفسه استعداداً للتنازل حتى عن بعضها.

يريدنا القرآن أن نؤمن ونتديّن بطريقة التجار

  • يقول لنا القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم» (الصف/10). وتشير كلمة "التجارة" في الآية إلى الربح والمنفعة، وتفيد عبارة "النجاة من العذاب" تفادي ضرر عظيم؛ فهي تخيف الإنسان من العذاب كي يُقبل على هذه التجارة الزاخرة الأرباح خوفاً من العذاب على الأقل، إذا لم يتعاطاها طمعاً في الربح.
  • ثم يقول في الآية التالية: «تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون» (الصف/11)؛ تعالوا وآمنوا بالله ورسوله إيمان التجار، وجاهدوا في سبيل الله... وهو تحديداً الجهاد عن عشق ومحبة. انظر إلى أي مدى هو ذا بُعد تجاري! ثم يقول في آخر الآية: «ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون!» أي إنه ينوّه مرة أخرى بالبُعد النفعي للإنسان.

لماذا صارت "النفعية" في أنظارنا غير مرغوب فيها؟

  • الأدبيات الجميلة في نظرنا هي في الغالب أدبيات الحب والعرفان، أما تلك التي تحكي النفعية فهي في أنظارنا غير جميلة، بل وسيئة! أتدري لماذا صارت النفعية في أنظارنا بذيئة وغير مرغوب فيها؟ لأننا شاهدنا ثلة من الأشخاص النفعيين ممن يسعون وراء المنافع الضحلة... هؤلاء هم الذين أفسدوا النفعية في أنظارنا! فالمطالبة بالمنفعة القليلة سيئة، لكن المطالبة بالمنفعة عموماً ليست سيئة، بل لو طالب المرء بأسمى منافعه، التي منها رضوان الله تعالى، فهذا – بالمناسبة – في قمة الجمال، بل إن هذا - على فكرة – شُغل أولياء الله الشاغل، وقد خلع الله عز وجل عليه اسم "التجارة".
  • يقول عز من قائل: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبَاد» (البقرة/207)؛ أي هناك من الناس من يبيع روحَه ليتقاضى إزاءها رضى الله تعالى. أتدري فيمَن نزلت هذه الآية؟ نزلت في علي بن أبي طالب(ع) عندما نام "ليلة المبيت" في فراش النبي(ص)! فهل ثمة يا ترى من هو أشد عشقاً من علي بن أبي طالب(ع)؟! فعلي بن أبي طالب(ع) كان قد أُصيبَ في سبيل الله بأضخم عدد من الجراح مما لم يُصَب أحد بمثله، لكن الله يعبّر عن ذلك "بالتجارة"، وهي تفيد النفعية؛ بالطبع هو نمط من النفعية رفيع جداً يحصل المرء إزاءه على رضوان الله تعالى.

النفعية في سبيل الخير حسنة حتى وإن كانت دنيوية!

  • متى تكون النفعية سيئة؟ النفعية تكون سيئة إذا كانت ضئيلة أولاً، وكانت في سبيل أمر رديء ثانياً، أما إذا كانت في سبيل الخير فهي حسَنة حتى وإن كانت دنيوية.
  • كان أحد أصحاب أبي عبد الله الصادق(ع) (وكان الإمام قد دفع إليه مبلغاً من المال ليتّجر به له) قد أخبر الإمام(ع) بأنه ربح له في تجارته مالاً كثيراً نسبياً (مائة دينار): «فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ رَبِحْتُ لَكَ فِيهَا مِائَةَ دِينَارٍ. قَالَ: فَفَرِحَ أَبُو عَبْدِ اللهِ(ع) بِذَلِكَ فَرَحاً شَدِيداً» (الكافي/ ج5/ ص76). وهل الفرح لكسب المال سيّئ يا ترى؟! كلا، فإن أحببتَ إنفاق المال من أجل مولاك بوصفك عبده، أو فرحت بكسب هذا المال كشخصٍ عليه واجبات وبمقدوره مساعدة الكثيرين مستخدماً هذا المال أداة لعبوديته لربه فليس هذا غيرَ سيئ فحسب، بل وحسَنٌ أيضاً.
  • أما إذا كان فرحك لأجل صرف المال على أمور دنيّة وخاطئة، أو لتتصور أنك قد استقلَلتَ بهذه المنفعة عن الله جل وعلا، فلم تعد تطرُق بابَه مستعطياً ملتمساً، فهذا سيّئ، ومهما زاد فرحك به زاد قلبك قسوة.
  • قال أحدهم للإمام الصادق(ع): «جُعِلْتُ‏ فِدَاكَ‏ إِنَّا لَنُحِبُّ الدُّنْيَا» فما أتعسَنا! فسأله الإمام(ع) عن قصده من حب الدنيا فقال – مثلاً – أود أن أملك المال والثروة...! «فَقَالَ(ع)‏ لِي: تَصْنَعُ بِهَا مَاذَا؟ قَالَ: قُلْتُ: أَتَزَوَّجُ مِنْهَا، وَأَحُجُّ، وَأُنْفِقُ عَلَى عِيَالِي، وَأُنِيلُ إِخْوَانِي، وَأَتَصَدَّقُ. قَالَ(ع) لِي: لَيْسَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا، هَذَا مِنَ الآخِرَة» (السرائر/ ج3/ ص564).

هل يمكن للتدين عن منفعة أن يكون تديّناً عن حب أيضاً؟

  • موضوعنا في هذه المحاضرة هو كيف يتسنى الجمع بين النفعية وبين ممارسة الدين عن حب، وكون الدين مصدراً للحماس والإثارة واللذة؟ فلو تعبّدنا عن منفعة فما هو مصير الحب والمشاعر الروحانية الجميلة؟ هل يمكن للتدين على خلفية المنفعة أن يكون تديّناً عن حُب أيضاً؟
  • وكان الجواب الأول أنك إذا طالبتَ بمنفعة ضئيلة خبُثَت روحُك، وقسا قلبك، وعَدِمتَ الحب، ولم تُدرك المشاعر الدينية. أما إذا رميتَ ببصرك إلى أسمى منافعك، ورغبت في أبعدها منالاً، بل وأعطيت منافعك المادية أيضاً بُعداً سامياً فسيرقّ قلبُك أيما رقة وتتفجّر عاطفةً.

الإنسان يحب مَن ينفعه نفعاً عظيماً

  • الجواب الثاني: الشخص الذي يريد نفعَك سوف لا تحبه كثيراً إذا كان نفعه لك ضئيلاً، لكن حبك له سيكون كبيراً إذا نفعك نفعاً عظيماً.
  • فيما روي مما أوحى الله تعالى لموسى(ع) أنه تعالى أوصاه بأن يحبّبه إلى الناس. فسأله موسى(ع) عن الطريقة وما عليه صنعه كي يحب الناسُ اللهَ؟ فأشار الله عليه بأن يذكّرهم بأنعمه عليهم ويُحسن إليهم، فإنه بهذا سيحبّب الله إلى قلوبهم. لأن الله قد خلق الإنسان بحيث إنه يحب من يُحسن إليه: «أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى(ع): حَبِّبْنِي‏ إِلَى‏ خَلْقِي‏، وَحَبِّبْ خَلْقِي إِلَيَّ. قَالَ(ع): يَا رَبِّ، كَيْفَ أَفْعَلُ؟ قَالَ: ذَكِّرْهُمْ آلائِي وَنَعْمَائِي لِيُحِبُّونِي» (التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري/ ص342). وفي حديث آخر: «أَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: ذَكِّرْ خَلْقِي‏ نَعْمَائِي‏ وَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ وَحَبِّبْنِي إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لا يُحِبُّونَ إِلاّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِم» (إرشاد القلوب/ ج1/ ص116).

الإنسان مخلوق نفعي لا يحب إلا إذا انتفَع

  • لأن الإنسان نفعي ويحب كل مَن يحسن إليه فإن الطريق إلى حُبّ الله هو أن نعرف إلى أي مدى يضمن لنا الله مصالحنا؟ ولو تأمّلنا في أنعم الله بأعين مفتوحة متفحّصة لأحببنا الله شيئاً فشيئاً. فالإنسان مخلوق نفعي لا يحب إلا إذا انتفَع. وهو حتى إن أحب امرأً ثم لاحظ بعد برهة أن حبه هذا لا ينفعه خرج هذا الحب من قلبه، بل وسيتحول إلى كراهية إذا أدرك أنه يضره. فليس للإنسان في قاموسنا حب بلا منفعة!
  • روي عن رسول الله(ص) قوله: «أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي» (الأمالي للصدوق/ ص364).

ما الذي سيجعلنا نحب الله إذا شَرَعنا بالنفعية؟

  • ما الذي سيجعلنا نحب الله إذا شرَعنا طريقنا بالنفعية؟ الذي سيجعلك كذلك هو أنك حين تدرك أن الله يوفر منافعك بغزارة وهو نافع لك جداً فإنك ستحبه. يبقى السؤال أنه: هل تستطيع أن تحصي كم أن الله نافع لك؟!
  • أتعرف في هذا العالم رجلاً أعظم عشقاً من الإمام الحسين(ع)؟ وإذا به(ع) مستغرق، خلال ما يفوق نصف دعاء عرفة، في شكر الله عز وجل وإحصاء آلائه! فهو(ع) يصرّح في الدعاء مخاطباً ربه أني لو شكرتك بجميع ذرات وجودي لما بلغتُ شكرك.. أنا عاجز عن إحصاء نعمائك!
  • متى يتبلور حبك؟ يتبلور حينما تعرف أن الله كله منفعة لك! ولماذا إذن لم نحب الله تعالى؟ لأننا عاجزون عن معرفة أنعمه حق المعرفة. ففي الحديث: «مَنْ‏ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَعَرَفَهَا بِقَلْبِهِ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَهَا» (الكافي/ ج2/ ص96).

أربعة شروط أساسية لحب الله تعالى

  • لا بد من النفعية من أجل التدين! فإن صرتَ نفعياً فحسبك أن تحصي منافعك مرة واحدة كي تهيم في الله حباً! إذن الشرط الأول للمحبة هو أن يكون الإنسان في منتهى النفعية؛ أي أن يطالب بمنافعه بقوة، وعندها سيعشق مَن يوفّر له منافعه أفضل توفير. الشرط الثاني هو أن نلاحظ: إلى أي مدى يوفر الله لنا منافعنا؟!
  • الشرط الثالث لكي نحب الله من منطلق النفعية هو أن نعرف الأضرار التي يجنِّبُنا الله إياها. فإن تحققنا من أن الله ينقذنا من كوارث مهلكة فسنحبه. أفَتدري ما الموت؟ أتعرف ما القبر؟ أتدرك ما عالم البرزخ، وما صحراء المحشر، وما نار جهنم؟ لا بد أن ينجيك الله من هذا كله! فإن عرفت حقاً أي أخطار هذه لالتصقت بالله التصاقاً ولذُبتَ به ذوباناً!
  • الوجه الثاني من عُملة النفعية هو اجتناب الضرر. فإنّ بوسع الله أن ينجيك من عذاب أليم؛ فهو تعالى يقول: «..تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم» (الصف/10). ولعل سبب عدم حبك لله هو أنك لم تعرف إلى الآن ما العذاب الأليم! إنّ كل لحظة من لحظات نزع الروح هي أشبه بألف ضربة سيف مسموم في بدن المحتضر! لقد جعل الله الموت بهذه الصورة غير أنه سبحانه على استعداد لإنقاذنا من هذا العذاب الأليم وتيسير الموت لنا؛ ولو طلبتَ هذا من الله حقاً لأنجاك. لكن لا بد لك أولاً أن تعلم ما القصة كي تلوذ بالله تبارك وتعالى ومن ثم تلمس كم ستهيم به!
  • وما الشرط الرابع لمحبة الله تعالى؟ إننا، وبوصفنا نفعيين، نرتكب الخطايا؛ ذلك أنه لا بد أن نكون أحراراً لنملك قدرة الاختيار ولنكتسب قيمة ورُقِيّاً.. لهذا فلربما نأتي بالخطايا. والله من جانبه يخاطبنا: "هل تريد أن أصفح عنك؟" فيتولد عندنا تعلق واحتياج آخر لربنا، ألا وهو الاستغفار. فنخاطبه: "إلهي، أرجوك وأتوسل إليك أن تصفح عني...". بل إن الله قادر على استبدال حسنَةٍ بسيّئتك هذه!

حب الإنسان لربه ينبع من ثنايا نفعيته

  • ما هو موضع تبلور حب الإنسان لله؟ موضعه الاستغفار، والشكر، واللجوء إلى الله طلباً للنجاة.. نفس هذه الأمور المتداولة، لكننا لا نأخذها بجدية فلا تجعلنا نحب الله! فالبعض لا هو يرى نعمة ربه فيشكرها، ولا هو يلمس مصلحته الطويلة الأمد فيتمناها، ولا هو يُبصر الأضرار المحدقة به فيلوذ إلى الله منها.. ثم يريد أن يحب الله! لا يُدرى على أي أساس يريد أن يحب الله؟! بل إن بعض الناس هو التكبّر بعينه! ويريد أن يحب الله هكذا دون التفات إلى أي واحد من احتياجاته هذه إلى ربه.
  • حب الإنسان لربه بنبع من ثنايا نفعيته، فلو كنتَ نفعياً لأدركتَ علُوّ قيمة الاستغفار! ولو كنتَ نفعياً لاستوعبتَ معنى تبديل السيئات حسنات! أي: إنني أذنب والله يكتب محل ذنبي ثواباً! فإننا قد لا نكون نفعيين أساساً؛ فلا ندرك قيمة عفو الله عنا، ولا قيمة نعمته علينا، ولا قيمة النجاة من العذاب!

علاقة العبد بمولاه تقوم على "نفعية العبد واجتنابه الضرر" و"لطف مولاه به"

  • الملاحظة الأخرى هي أن علاقة حبنا بالله هي من جنس المحبة بين العبد والسيد، والسيد في هذا النمط من المحبة مانح، لا مُتَلقٍّ!
  • العلاقة بين العبد والمولى تختلف عن الآصرة الزوجية، وآصرة الأمومة والبنوة، وآصرة الأخوة. فعلاقة العبد بالمولى هي أن تصطنع ألف ذريعة لتأخذ من مولاك. وما معنى الأخذ؟ إنه المنفعة! فالله يلطف بك مرة بحجة كذا، ويلطف بك أخرى بحجة أخرى، ويلطف بك ثالثة بحجة ثالثة... بل ما بيننا وبين الله علاقة سوى هذه؛ إذ ليس في ميسورنا أن نمنح نحن اللهَ شيئاً!
  • تكون علاقة العبد بالمولى مثيرة غرامية رائعة لطيفة إذا كانت على مستوى حب أمير المؤمنين(ع) لربه وأحاسيسه تجاهه وعبَراته وانفعالاته بين يديه! وتكون جميلة إذا بلغَت غَورَ أدعية أئمة الهدى(ع) وارتفاع ضجيجهم المُؤجّج للنشاط في جوف الليل حتى منبلج الصبح على أعتاب الله عز وجل. ولو خُضتَ هذه العلاقة للَمستَ أنها تقوم بشكل رئيس على كسب المنفعة واجتناب الضرر! بل ليست العلاقة بين العبد وسيده إلا هذه!
  • إلهي، لطالما عملتَ لمنفعتي، وما من خير فعلتُه إلا كنتَ أنت الممهد له، وما من سيئة اجترحتُها إلا باختياري أنا، فماذا أصنع بسيّئاتي؟! أأنت صافح عني سيدي؟! وإن صفحتَ عني فماذا عن خجلي منك؟! فإن اعتذرتُ فأنت أيضاً الموفّق لي لاعتذاري...! هذه علاقة حب لا يملك كل مَن هبّ ودَبّ أن يدركها!
  • عن الإمام الباقر(ع) إن الله لا يريد من عباده غير أمرين؛ أولهما أن يقرّوا بالنعم إذا أنعمها عليهم (أن يعرفوا أنها لمنفعتهم) وثانيهما أن يعترفوا بذنوبهم إذا أذنبوا (أن يعلموا أنها مُضرّة لهم)، وهذا حسبُهم.. وهو تعالى لا يتوقّع منهم أكثر من ذلك: «لا وَاللهِ مَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّاسِ إِلاّ خَصْلَتَيْنِ: أَنْ يُقِرُّوا لَهُ بِالنِّعَمِ فَيَزِيدَهُمْ وَبِالذُّنُوبِ فَيَغْفِرَهَا لَهُم» (الكافي/ ج2/ ص426).

تعليق