الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۸/۱۰/۱۹ چاپ
 

ضبط الذهن على طريق التقرب (المحاضرة7)

لماذا علينا الاستغفار من "معاصي الذهن" بشكل خاص؟

اجتهد في حصول "أمور طيّبة" في ذهنك!

من آثار قراءتك القرآن حصول أمور طيبة في ذهنك. / "الرياء" "والعجب" هما من المعاصي المدمّرة التي تُقترَف على مستوى الذهن. / الذي ضعُف عن السيطرة على ذهنه لا بد أن يكون قد أسرف في ارتكاب المعاصي الذهنية. / ما لم تصل بعض النوايا (السيئة) إلى حيّز العمل لا تُعَدّ ذنوباً لكنها تترك، وهي على مستوى الذهن، آثاراً مخرّبة.

  • المكان: حسينية آية الله حقشناس
  • الزمان: 17/09/2018
  • الموضوع: ضبط الذهن على طريق التقرب

 

  • بعض المعاصي المدمّرة غاية التدمير، مثل "الرياء" "والعُجْب"، الموجبَين لحبط العمل، هي في الواقع أحداث ذهنية. فإن خطر في بال امرئ: "إنني إنسان صالح" بادَت جميع أعماله. من هنا فإنه لا بد لنا من الاهتمام بالسيطرة على أذهاننا لتجنب المعاصي التي تُقترَف على مستوى الذهن.
  • من النماذج الأخرى على هذه الذنوب "سوء الظن بالله تعالى"، وهو أن يشك المرء ذهنياً بالله عز وجل. ولا نقصد هنا الشك العقائدي، بل الشك الأخلاقي؛ كأن لا يقتنع كل الاقتناع بكون الله رؤوفاً رحيماً، فيقول مشكّكاً: "أيُعيرني الله أهمية يا ترى؟!" وهذا سوء ظن بالله تعالى.
  • هذا وتحصل في ذهن الإنسان أيضاً أمور طيبة تبعث على سعادته، مثل الأمنية الحسنة التي تمر في مخيّلته. وإن لهذه الأشياء قيمة عند الله وقد يعمل سبحانه أحياناً على ضبط مقدّراتنا تأسيساً على خواطرنا الذهنية الإيجابية هذه؛ كأنْ يقول المرء في ذات نفسه: "الله مُهتَمٌّ بي"، وكان من المقرر أن ينزل به بلاء لكن الله، وبسبب حسن ظنه هذا، يُبعد عنه هذا البلاء.
  • في صحراء المحشر لا تُعطى لأحد فرصة العمل، لكن ثمة عمل ينفع هناك أيضاً وهو "حُسن الظن بالله". ففي الحديث: «أَنَّ آخِرَ عَبْدٍ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ يَلْتَفِتُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمْ يَكُنْ هَذَا ظَنِّي بِكَ. فَيَقُولُ: مَا كَانَ ظَنُّكَ بِي؟ قَالَ: كَانَ‏ ظَنِّي‏ بِكَ‏ أَنْ‏ تَغْفِرَ لِي‏ خَطِيئَتِي‏ وَتُسْكِنَنِي‏ جَنَّتَكَ.‏ فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: يَا مَلائِكَتِي... أَدْخِلُوهُ الْجَنَّة» [لحسن ظنه هذا]. (الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا(ع)/ ص361).
  • لا بد أن كل مَن ضعُف عن السيطرة على ذهنه قد أسرف في المعاصي التي تُقترَف في الذهن، فحتى وسوسة إبليس اللعين تعمل على الذهن أيضاً، على أنك إذا واجهتها بصلابة لم يكن لها أثر، لقوله تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعيفاً» (النساء/76). فالذي يعدم قدرة السيطرة على ذهنه أمام إبليس ولم يتعوّد الاستعاذة، تتسرّب الأفكار السيئة إلى ذهنه.
  • وثمة إلى جانب كيد إبليس عامل آخر إذا لم يتم التحكم به أدى إلى تسلل الأفكار السلبية إلى ذهن المرء، وهو أن يُخلق الإنسان قلقاً خائفاً. صحيح أن الخوف يبعث على الاحتياط ويحفظ صاحبه، ولولا الخوف لما كان لطرح قضية نار جهنم في القرآن علينا من أثر. لكن الذي لم يُرَبِّ نفسه سوف لا يستعين بالخوف للنأي بنفسه عن النار، بل سيستعمله في أمور الدنيا فلا تنفك الأفكار السلبية تطرأ على خاطره.
  • بعض النوايا لا يرقى إلى مستوى المعصية ما لم يصل إلى حيّز العمل، لكنّه يترك في مرحلة الذهن هذه أيضاً آثاراً مخربة تُفسد روح الإنسان. لذا ينبغي الاستغفار بشكل خاص من معاصي الذهن، فعن أبي جعفر(ع) قال: «وَاللهِ مَا يَنْجُو مِنَ الذَّنْبِ إِلاّ مَنْ‏ أَقَرَّ بِه»‏ (الكافي/ ج2/ ص426)؛ أي عليك أن تقول: "إلهي، إن لي في ذهني نقطة الضعف الفلانية، فاغفرها لي". صحيح أن الله كريم عَفُوّ، لكن عليك أنت أن تعرف بأنك تشكو من ذنب كذا، وأن تقر به أمام الله تعالى.
  • من الظواهر الذهنية الجيدة الحسرة الصائبة أو ذَمّ النفس الذي هو أفضل من عبادة أربعين سنة: «ذَمُّكَ لِنَفْسِكَ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَتِكَ أَرْبَعِينَ سَنَة» (الكافي/ ج2/ ص73)؛ كأن تقول: "يا ويلي! كم كنت بعيداً عن الله!" وهو أن تنهَر نفسك بشدة. ولا يبدو في الظاهر أنك فعلت شيئاً خاصاً، كل ما في الأمر أنك سمحتَ لبعض الأفكار الحسنة أن تمُرّ في ذهنك. وهذه ظاهرة أخرى من الظواهر الحسنة التي تحصل في ذهن الإنسان.
  • فلنعمل على حصول أمور طيبة في أذهاننا. وإنّ أحد آثار قراءتك القرآن حصول أمور طيبة في ذهنك. قل قبل البدء به: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ولُذ بالله كي تَرِد ذهنَك أثناء التلاوة أشياءُ طيبة. فعن أمير المؤمنين(ع) إن المؤمن إذا قرأ القرآن اشتاق إلى ثواب ربه: «فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ‏ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً» (نهج البلاغة/ الخطبة193)، فإن الله تعالى يقيم لخواطر أذهاننا هذه وزناً. بل اقرأ القرآن كي يخطر الكلام الحسن في بالك. وفي المجالس والمحافل المعنوية أيضاً إذا كان لديك هذا الالتفات فسينساب إلى ذهنك من الكلام الحسن الطيب أضعاف من يقوله الخطيب.
  • في الحديث أن النبي(ص) كان يوصي بعدم التشاؤم ويكره المتشائمين: «كَانَ‏ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» (مكارم الأخلاق/ ص350). فلا تجعل للأفكار السيئة سبيلاً إلى ذهنك. لا تقل: لا يمكن، بل قل: يكون إن شاء الله.
  • فلنولي للذهن أهمية وقداسة، فإن جزءاً كبيراً من العبادة يحصل في الفكر والذهن. فكما ورد في الحديث: «كَانَ أَكْثَرُ عِبَادَةِ أَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ خَصْلَتَيْنِ: التَّفَكُّرَ وَالِاعْتِبَار» (الخصال/ ج1/ ص42). وكان(رض) قد أُصيب ذات مرة بألم في عينيه فقيل له: «لَوْ دَعَوْتَ اللهَ أَنْ يَشْفِيَ بَصَرَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي عَنْهُ لَمَشْغُولٌ وَمَا هُوَ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي‏. قَالُوا: وَمَا يَشْغَلُكَ عَنْهُ؟ قَالَ: الْعَظِيمَتَانِ الْجَنَّةُ وَالنَّار» (الخصال/ ج1/ ص40). ويقول أمير المؤمنين(ع): «رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِع» (نهج البلاغة/ الخطبة32)؛ أي إن ذكرهم للآخرة وتفكيرهم فيها أعمى أبصارهم عن الدنيا.
  • وناهيك عن المسائل المعنوية، فإن لضبط الذهن أثرَه على شؤون الحياة العادية أيضاً. فحوادث حياتنا هي في الغالب نتيجة انشغالات بالنا وخواطر أذهاننا. يروي أحد أصحاب الإمام الصادق(ع): أردت الذهاب عند الإمام(ع) فارتديت ثوباً جديداً وقد كنتُ مُعجباً به. فضايقني جملٌ في الطريق ومزّق ثوبي. فدخلتُ على أبي عبد الله(ع) فنظر إلى الثوب وقال لي: «مَا لِي أَرَاكَ مُنْهَتِكاً؟» فأخبرته بالقصة. فقال: «إِذَا لَبِسْتَ ثَوْباً جَدِيداً فَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله تَبْرَأْ مِنَ الْآفَة» (الكافي/ ج6/ ص459)؛ أي مرِّر في ذهنك كلاماً طيباً.
  • ثم قال(ع): «إِذَا أَحْبَبْتَ شَيْئاً [دنيوياً] فَلا تُكْثِرْ مِنْ ذِكْرِه فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَهُدُّكَ» (المصدر نفسه) أي: فإنه سيحطمك! وهاهنا يجدي ضبط الذهن، بل إن من القبيح أن يستغرق ذهن ابن آدم في مثل هذه الأمور.
  • يوصينا القرآن الكريم بأن: لا تتأسف كثيراً على ما ضيّعته ولا يغمرك الفرح بما حصلت عليه: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ» (الحديد/20). فإن نلتَ شيئاً فسارع إلى شغل ذهنك بفكرة حسنة، كأن تذكر الله بقولك مثلاً: «هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي» (النمل/40)، ثم ناجِ ربك؛ بأن تخاطبه على سبيل المثال بالقول: "إلهي، فلأنفق هذا في سبيلك"؛ أي انشغل بربك، ولا تخلُد إلى الأرض!
  • يؤثّر ضبط الذهن حتى على علاقاتنا الاجتماعية. إذ يوصينا الإمام الصادق(ع) بأن لا نحدّث أنفسنا بسوء عن شخص إذا كانت لنا عنده حاجة لأن ذلك سيبلُغُه: «وَإِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى رَجُلٍ حَاجَةٌ فَلا تَشْتِمْهُ مِنْ خَلْفِهِ فَإِنَّ اللهَ يُوقِعُ ذَلِكَ فِي قَلْبِه» (الكافي/ ج6/ ص459). ولقد أثبت علم الفيزياء أن أمواج ذهن الإنسان تنتقل. فلا يسيء أحدُنا الظن بالآخر ولا يفكر فيه سوءاً، وليحب بعضنا الخير للبعض الآخر؛ فإن من أسباب حُسن العاقبة حب الخير والنصيحة للآخرين.
  • من أجل النأي عن الدنيا ابدأ بالسيطرة على الذهن! يقول تعالى في كتابه العزيز: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ» (طه/131)؛ لا تُطل النظر إلى دنيا الآخرين! أي لا تفكّر فيها. لم يقل: «لا تنظر»، بل قال: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...»؛ أي لا تفكر في النعم التي أسبغتُها على الآخرين. لماذا تشغل بالك؟! فهذا يفسد أخلاق الإنسان. فإنْ أطال الإنسان التفكير فيما عند الناس من النِعَم فسيصاب بالحسد وكفران النعمة.
  • ثم يقول تعالى: «وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى» (طه/131)؛ أي إن الرزق الذي أعطاك ربُّك وما أنالك من النعم المعنوية خير لك. يروى أن غنائم كثيرة غنمها النبي(ص) في غزوة له بعد فتح مكة. فرآه أهلُ المدينة (الأنصار) يعطي أكثرها لأهل مكة الجديدي العهد بالإسلام والذين لم يبذلوا في سبيل الإسلام شيئاً. فاستنكروا على تقسيم رسول الله، فقال لهم(ص): «أَفَلا تَرضَونَ يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ أَنْ تَذهَبَ النَّاسُ إِلَى رِحَالِهِم بِالشَّاةِ وَالبَّعيرِ، وَتَذهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُم؟» (تفسير الميزان/ ج9/ ص233).
  • وأنتم يا محبي الحسين(ع)، متى ما وجدتم أنفسكم أقل من غيركم في أمور الدنيا فتذكّروا: "أنني – في المقابل – أملك "حب الحسين" والدمعة على الحسين(ع)". وستلمسون خيره يوم القيامة! أفتريدون أن يعطوكم الدنيا ويحرموكم من الحسين(ع)؟!.

تعليق