الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۸/۱۲/۲۶ چاپ
 

زاوية الرؤية - الحلقة الثانية

العنصر الاستراتيجي في كل عملية إيصال فكرة هو "الرؤية" / تغيير رؤية البشر هي إحدى مهام إبليس المهمة / الله سبحانه وتعالى في القرآن ينقل وجهة نظره إلينا / رؤية الفنان المتميزة للظواهر والأحداث هي لب فنّه

الهويّة:

  • المكان: طهران، جامعة الفنون
  • الزمن: محرم 1439هـ  /2017م
  • الموضوع: زاوية الرؤية في الفن الملحمي
  • التاريخ: 8/محرم/  1439 ـ 29/9/2017

لا بد أن نتحمّل أحياناً الكثير من الآلام والمصاعب لتصحيح رؤيتنا إذا ما فسدَت! وقد يريد الله أن يقول لعبده "إن مشكلتك الفلانية ليست كبيرة"، لكن العبد لا يقبل بذلك ويصرّ على أنها كبيرة جداً! فيُوقِعه الله بمشكلة كبيرة ليدرك معنى المشكلة الكبيرة! فلعلّك لا تدرك أن رؤيتك كانت خاطئة ولا بد من تصحيحها إلا عبر بلاء عسير.

يتوقف جزء من لذة إدراك الحقائق على زاوية رؤيتنا

  • لا قيمة للمعرفة دون زاوية رؤية صائبة. حتى القرآن الكريم هو «بَصائِرُ لِلنَّاسِ» فهو يحدّد وجهة النظر الصائبة. وإن جزءاً من لذة الإنسان الناجمة عن إدراك الحقائق يتوقف على زاويته في الرؤية، فنوعية نظرتنا الى الفرح والترح في الحياة والنعم والنقم وأمثالها تتوقف على زاوية رؤيتنا. وإن صحة زاوية الرؤية أمر هام للغاية، لأن هذه الرؤية تترسخ في الذات بمرور الزمن ونعتاد عليها الى درجة ربما نعجز عن تغييرها فيما بعد.
  • كل من الرواية أو الشعر أو الفلم يعرفّك بالزاوية التي ينظر منها. فلا يكفي أن نطّلع على موضوع ذلك الفلم أو الشعر أو تلك الرواية، بل لا بد من معرفة المؤلف أو الناظم أو المنتج وزاوية رؤيته. فالجزء الأول والأعظم من فن أي فنان يكمن في "نمط رؤيته" المميّزة.

النظرة المميّزة للأحداث والظواهر هي لبّ الفن لدى الفنّان

  • الزاوية التي ينظر الفنّانون من خلالها إلى الأمور هي على قدر عال من الأهمية، فمن هنا يتكون الجمال. فأن يستطيع الفنان أن يعكس رؤيته الى الآخرين أو لا فهذا أمر ثانوي.
  • التقنية والمضمون والعديد من الفاهيم الأخرى ليست حاسمة في تقديم الفن، بل إن "الرؤية المميّزة للأحداث والظواهر" هي التي تعتبر "لُبّ الفن". فالعامل الذي يعطي للفنان قوة في إيصال رؤيته للآخرين هو رؤيته بعينها، فالرؤية الرائعة المميّزة من زاوية خاصة بإمكانها خلق قدرة عالية على التعبير عن ذلك الموضوع وإيصاله إلى الآخرين. وأحياناً هذه الرؤية نفسها تجعل المرء فناناً!

الله جلّ وعلا في القرآن ينقل نمط رؤيته إلينا / تعالوا ننظر إلى العالم من زاوية رؤية الله!

  • الشيء الرائع جداً الذي يحدث في القرآن هو أن الله سبحانه يفاتحنا بنمط رؤيته للقضايا المختلفة لكن للأسف يبدو أن هذا الموضوع عديم الأهمية بالنسبة للكثير منا! عادة ما تكون المقابلة مع ممثل معروف أو محبوب من أكثر برامج التلفاز جاذبية، ويودّ الكثير من الناس معرفة وجهة نظره تجاه القضايا المختلفة عبر هذه المقابلة. حسنٌ، لمَ يا ترى يرغبون في معرفة وجهة نظره؟ الجواب هو أنهم استأنسوا به في مواقف ما، هذا كل ما في الأمر! فيقولون له: تحدث بما عندك دونما حرج، فيجلس أمام الكاميرا ويقول مثلاً: "أنا لا أحب مرق اللحم..."
  • إننا نجلس لنشاهد من أي زاوية ينظر المشاهير كالممثّلين وغيرهم، لكننا لا نهتم بالله تعالى إذ يُصرّ في القرآن الكريم على أن يبيّن لنا وجهة نظره! تعالوا كبشر وكباحثين وانظروا لمرّة واحدة وبدافع حب الإستطلاع كيف تكون رؤية الله تجاه الظواهر؟
  • انظروا الى رؤى الله في القرآن. يبدأ تعالى في القرآن بالإفصاح عن رؤيته، فيعبّر، على سبيل المثال، عن بعض أصحاب العلم والثقافة الذين لا ينتفعون بعلمهم بالقول: «کَمَثَلِ الْحِمَارِ یَحْمِلُ أَسْفَاراً» (الجمعة/5)؛ أي: إنهم أشبه بحمارٍ حَمَّلوه كُتُباً.

تغيير رؤية الناس هي من مهام إبليس الاستراتيجية

  • وإن إحدى مهام إبليس الاستراتيجية هي تغيير رؤية الناس. فلكونه عاجزاً عن تغيير الحقائق والحوادث المزعجة والمريحة تراه يحاول تغيير رؤيتنا. قال تعالى في القرآن الكريم: «وَإِذْ زَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطَانُ أَعْمَالَهُمْ» (الأنفال/48)
  • وقال تعالى في آية كريمة أخرى: «لأُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الأَرْضِ» (الحجر/39)، وهذا يعني أن إبليس يقول: أنا أجعل الأمور التافهة ذات قيمة في أعين الناس. «لأُزَیِّنَنَّ» يعني أني أزيّن العمل القبيح ليراه الإنسان جميلاً.

الفضائيات أيضاً تشتغل على نمط رؤية الناس

  • يريد الله أن يشتغل على نمط رؤيتنا. كما أن إبليس أيضاً يشتغل على هذا الصعيد. والفضائيات هي الأخرى تعمل في هذا الاتجاه، فبعض القنوات الفضائية من قبيل BBC  وVOA  تشتغل على أذهان الناس عبر أفلامها وبرامجها. بالطبع هذه الفضائيات ضعيفة ولذلك فإن قضيتنا الأولى والأهم ليست عدم مشاهدتها، بل إننا نقول بأنك إذا تفرّجت هذه البرامج دون أن تعلم أسلوبها في الاشتغال على ذهنك ورؤيتك، فسيلحق بك الأذى جراء ذلك. بعبارة أخرى، هذا الموجود الضعيف العاجز العديم الكفاءة نفسُه سيطرحك أرضاً.
  • على سبيل المثال، ذكرت قناة BBC  قبل بضع سنوات في يوم عاشوراء: "في مثل هذا اليوم يقيم الناس العزاء على أبي الفضل العبّاس(ع) "الأخ غير الشقيق" لأبي عبد الله الحسين(ع)"! وهي تعلم أنك حين تستخدم مصطلح "الأخ غير الشقيق" في ثقافتنا فإنك في الحقيقة تقلّل من أخُوّة الأخ درجة ! وفي نفس الوقت هذه حقيقة أيضاً، لكنّ أحداً طيلة هذه السنين  لم ينظر إلى هذه القضية من هذه الزاوية! هذه القناة تريد أن تأخذك خطوة خطوة الى مرحلة تحطّ فيها من جلال وروعة رؤيتك الى حقائق العالم الجميلة وتلهمك زاوية رؤية خاطئة.

 العنصر الاستراتيجي في كل عملية إيصال فكرة هو "الرؤية"

  •  العنصر الاستراتيجي في كل عملية إيصال فكرة هو "الرؤية" . لنسأل الله تعالى أن يحفظ رؤيتنا من الانحراف وأن يجعل لنا أشخاصاً يصحّحونها.
  • هناك ميزة يتميز بها أبو الفضل العبّاس(ع) فيما يتصل بالرؤية الصائبة، وهو قول أئمة الهدى(ع) فيه: "كانَ عَمُّنَا العَبَّاسُ بنُ عَلِيٍّ نَافِذَ البَصیرَةِ" (مقتل الحسين لأبي مخنف/ ص176)، أي إن رؤيته كانت صائبة جداً. كانت بصيرة أبي الفضل العباس على درجة عالية بحيث يغبطه جميعُ شهداء كربلاء على مقامه.

تغيير الرؤية ربما يكون مؤشّراً لنضج الإنسان

  • تغيير الرؤية ربما يكون مؤشّراً لنضج الإنسان. فربما تقول يوماً ما: "برأيي يجب أن تتصف زوجتي بهذه المواصفات...فهذه الصفات هامة جداً بالنسبة لي" لكن بعد مضي فترة من الزمن تعود لتقول: "إنها مواصفات جيدة بالطبع، لكن اليوم هناك أمور أخرى أهم برأيي. ليتني نظرتُ نظرة صحيحة منذ البداية!"

  • يهتم البعض كثيراً بنظرة الناس إليهم، وينبغي على هؤلاء أن يحاولوا تغيير رؤيتهم. فليفكّروا في هذا الموضوع مثلاً: "إلى متى ستهمّهم نظرة الناس؟"
  • كم سنة نعيش؟ سبعين عاماً أو مئة عام! لا بد أن يصل الإنسان الى هذه الرؤية وهي أن العمر الذي يدوم مئة سنة قصير للغاية وأن يتقبل حقاً مقولة: «النَّاسُ نِیَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا» (مجموعة ورام/ج1/ص150). سُئل النبي نوح(ع): ما هي رؤيتك بالنسبة لعمرك الذي قضيته؟ فأجاب أنه كان كغرفة ببابين، دخلتُ من باب وخرجتُ من باب آخر! فما هي نظرتنا الآن للعمر؟ إننا إن لم ننظر إليه على أنه "قصير فعلاً" فإن رؤيتنا خاطئة دون شك.
  • ما أكثر حاجتنا إلى الفن لتغيير زاوية رؤيتنا واكتسابنا نظرة صائبة! إن القرآن كتابٌ صيغَ بأسلوب فَنّي فائق، فهو كتاب بصيرة ويريد أن يعلمنا الرؤية الصائبة. قال أمير المؤمنين(ع): «مَا کُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِیبٍ وَلا کُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِیعٍ وَلا کُلُّ ذِي نَاظِرِ عَیْنٍ بِبَصِیرٍ» (الکافي/ج8/ص64) ويقول (ع) في مكان آخر: «فَقْدُ الْبَصَرِ أَهْوَنُ مِنْ فَقْدِ الْبَصِیرَة» (عیون‌الحکم/ ص358).

لابد أن نفوض أمرنا الى الله لضبط زاوية رؤيتنا

  • من أجل ضبط زاوية رؤيتنا لا بد أن نفوّض أمرنا الى الله كل تفويض وأن نتقرب من صاحب الزمان(ع) كل تقرّب. وأن نسلّم أبصارنا لأهل البيت(ع)، ولصاحب الزمان(ع) ونقول: يا بن الحسن(ع)، أرِنا الأمور كما تراها أنت!
  •  أعلن شخص للإمام الباقر(ع) أنه لو يعطوني الدنيا بما فيها لن أتنازل عن محبّتكم. فبان الغضب على الإمام(ع) أنْ: لِمَ تقيس محبتنا بالدنيا؟ وما قيمة الدنيا مقابل مودّتنا التي ألقاها الله في قلبك؟! إنك ستفوز بالنعيم الأبدي وجنّة رضوان الله جزاءً على هذه المودة فهل تعلم عظمة هذه النعم؟ في الحقيقة أراد الإمام(ع) إصلاح رؤية ذلك الشخص. «قَالَ لَهُ یُونُسُ لَوِلَائِي لَکُمْ وَمَا عَرَّفَنِي اللهُ مِنْ حَقِّکُمْ أَحَبُّ إِلَي مِنَ الدُّنْیَا بِحَذَافِیرِهَا قَالَ یُونُسُ فَتَبَیَّنْتُ الْغَضَبَ فِیهِ ثُمَّ قَالَ(ع) یَا یُونُسُ قِسْتَنَا بِغَیْرِ قِیَاسٍ مَا الدُّنْیَا وَمَا فِیهَا هَلْ هِي إِلَّا سَدُّ فَوْرَةٍ أَوْ سَتْرُ عَوْرَةٍ وَأَنْتَ لَكَ بِمَحَبَّتِنَا الْحَیَاةُ الدَّائِمَةُ» (تحف‌العقول/ص380).

ينبغي علينا مجالسة العلماء وأصحاب الرؤى الصائبة

  •  لقد أوصونا بلزوم التعلّم من العلماء، فأن يتعلم المرء من معلّمه وأستاذه العلومَ أمرٌ جيد جداً، بيد أن مجالسة العلماء أيضا أمر ضروري بالنسبة لنا إلى درجة أن الله يعاقب الإنسان الذي لا يعاشر العلماء! وقد جاء في فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي: «أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي‏» (مصباح‌المتهجّد/ج2/ ص588). وبالطبع ليس المقصود من العلماء بالضرورة رجال الدين فحسب، بل كل شخص يمتلك رؤية صحيحة صائبة.
  • ماذا يفعل العرفاء؟ إنهم يميّزون رؤيتهم عن غيرهم. فربما تكون معلومات العارف بقدر معلوماتك لكن رؤيته صائبة. قد ننظر أحيانا الى باب من زاوية فنراه مُغلقاً، بينما لو نظرنا إليه من زاوية أخرى فسنراه مفتوحاً على مصراعيه بحيث يتمكن فيل من المرور من خلاله!

 لنعي عملية انتقال الرؤية ولا نكتسب أسلوب رؤية أيٍّ كان

  • لا بد أن نعي عملية انتقال الرؤية ولا نكتسب أسلوب رؤية أي شخص كان. ولا بد أن نعرف من هو الشخص الذي يزوّدنا برؤيته وما هي الرؤية التي يريد تزويدنا بها؟ حين تشاهدون برامج الفضائيات أو التلفاز أو حين تطالعون الكتب والصحف والأشعار والروايات لا بد وأن تنتبهوا الى هذا الموضوع.
  • يستغرق البعض في مطالعة قصة أو رواية ما غافلاً عن زاوية الرؤية التي تنتقل إليه عبرها. على سبيل المثال ما هي وجهة النظر التي تنقلها إليك مؤلفات أمثال "كافكا وصادق هدايت"؟ أنت تتسلّى بروايته ولا تنتبه إلى أن زاوية رؤية معيّنة تنتقل إليك، فتجعلك - شيئاً فشيئا - تنظر إلى الدنيا بنفس الرؤية وربما تتجه نحو الانتحار بعد فترة!
  • يقول تعالى في القرآن الكريم: «فَلْیَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِه‏» (عبس/24). وفي تفسير الإمام الباقر(ع) للآية  يشير إلى أن الطعام لا ينحصر بالمأكولات التي تدخل عن طريق الفم، بل يشتمل على كل ما يسمعه الإنسان ويبصره. «‏فِي قَوْلِ اللهِ‏ فَلْیَنْظُرِ الإِنْسانُ‏ إِلى‏ طَعامِهِ قَالَ: قُلْتُ: مَا طَعَامُهُ؟ قَالَ: عِلْمُهُ الَّذِي یَأْخُذُهُ مِمَّنْ یَأْخُذُهُ‏» (المحاسن/ج1/ص220).

أحياناً يصحّح الله رؤيتنا عبر بلاء أو سلب نعمة

  • يعمل إبليس جاهداً لإفساد نظرتنا حتى آخر أعمارنا. لا بد أن نتوخّى الحذر كي لا تفسد رؤيتنا، لأن تصحيح الرؤية الخاطئة قد يتطلب منا تحمّل الكثير من الآلام الجسيمة والشاقة. أحيانا يريد الله أن يقول لعبده "أن مشكلتك الفلانية ليست بعظيمة"، لكنه لا يتقبّل الأمر ويصر على أنها عظيمة جداً! فيوقعه الله بمشكلة كبيرة ليفهم معنى المشكلة الكبيرة! إذن فقد لا تدرك أن رؤيتك كانت خاطئة ولا بد من تصحيحها إلا عبر بلاء عسير.
  • قد نكون أحياناً متنعّمين بنعمة عظيمة جداً، لكنّنا نكون رافضين لها أو غافلين عنها! لذا فقد يغيّر الله رؤيتنا عبر سلب تلك النعمة لندرك آنذاك بأنها كانت نعمة عظيمة حقاً.

يتوقف جزء من لذة إدراك الحقائق على زاوية رؤيتنا

  • لا قيمة للمعرفة دون زاوية رؤية صائبة. حتى القرآن الكريم هو «بَصائِرُ لِلنَّاسِ» فهو يحدّد وجهة النظر الصائبة. وإن جزءاً من لذة الإنسان الناجمة عن إدراك الحقائق يتوقف على زاويته في الرؤية، فنوعية نظرتنا الى الفرح والترح في الحياة والنعم والنقم وأمثالها تتوقف على زاوية رؤيتنا. وإن صحة زاوية الرؤية أمر هام للغاية، لأن هذه الرؤية تترسخ في الذات بمرور الزمن ونعتاد عليها الى درجة ربما نعجز عن تغييرها فيما بعد.
  • كل من الرواية أو الشعر أو الفلم يعرفّك بالزاوية التي ينظر منها. فلا يكفي أن نطّلع على موضوع ذلك الفلم أو الشعر أو تلك الرواية، بل لا بد من معرفة المؤلف أو الناظم أو المنتج وزاوية رؤيته. فالجزء الأول والأعظم من فن أي فنان يكمن في "نمط رؤيته" المميّزة.

النظرة المميّزة للأحداث والظواهر هي لبّ الفن لدى الفنّان

  • الزاوية التي ينظر الفنّانون من خلالها إلى الأمور هي على قدر عال من الأهمية، فمن هنا يتكون الجمال. فأن يستطيع الفنان أن يعكس رؤيته الى الآخرين أو لا فهذا أمر ثانوي.
  • التقنية والمضمون والعديد من الفاهيم الأخرى ليست حاسمة في تقديم الفن، بل إن "الرؤية المميّزة للأحداث والظواهر" هي التي تعتبر "لُبّ الفن". فالعامل الذي يعطي للفنان قوة في إيصال رؤيته للآخرين هو رؤيته بعينها، فالرؤية الرائعة المميّزة من زاوية خاصة بإمكانها خلق قدرة عالية على التعبير عن ذلك الموضوع وإيصاله إلى الآخرين. وأحياناً هذه الرؤية نفسها تجعل المرء فناناً!

الله جلّ وعلا في القرآن ينقل نمط رؤيته إلينا / تعالوا ننظر إلى العالم من زاوية رؤية الله!

  • الشيء الرائع جداً الذي يحدث في القرآن هو أن الله سبحانه يفاتحنا بنمط رؤيته للقضايا المختلفة لكن للأسف يبدو أن هذا الموضوع عديم الأهمية بالنسبة للكثير منا! عادة ما تكون المقابلة مع ممثل معروف أو محبوب من أكثر برامج التلفاز جاذبية، ويودّ الكثير من الناس معرفة وجهة نظره تجاه القضايا المختلفة عبر هذه المقابلة. حسنٌ، لمَ يا ترى يرغبون في معرفة وجهة نظره؟ الجواب هو أنهم استأنسوا به في مواقف ما، هذا كل ما في الأمر! فيقولون له: تحدث بما عندك دونما حرج، فيجلس أمام الكاميرا ويقول مثلاً: "أنا لا أحب مرق اللحم..."
  • إننا نجلس لنشاهد من أي زاوية ينظر المشاهير كالممثّلين وغيرهم، لكننا لا نهتم بالله تعالى إذ يُصرّ في القرآن الكريم على أن يبيّن لنا وجهة نظره! تعالوا كبشر وكباحثين وانظروا لمرّة واحدة وبدافع حب الإستطلاع كيف تكون رؤية الله تجاه الظواهر؟
  • انظروا الى رؤى الله في القرآن. يبدأ تعالى في القرآن بالإفصاح عن رؤيته، فيعبّر، على سبيل المثال، عن بعض أصحاب العلم والثقافة الذين لا ينتفعون بعلمهم بالقول: «کَمَثَلِ الْحِمَارِ یَحْمِلُ أَسْفَاراً» (الجمعة/5)؛ أي: إنهم أشبه بحمارٍ حَمَّلوه كُتُباً.

تغيير رؤية الناس هي من مهام إبليس الاستراتيجية

  • وإن إحدى مهام إبليس الاستراتيجية هي تغيير رؤية الناس. فلكونه عاجزاً عن تغيير الحقائق والحوادث المزعجة والمريحة تراه يحاول تغيير رؤيتنا. قال تعالى في القرآن الكريم: «وَإِذْ زَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطَانُ أَعْمَالَهُمْ» (الأنفال/48)
  • وقال تعالى في آية كريمة أخرى: «لأُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الأَرْضِ» (الحجر/39)، وهذا يعني أن إبليس يقول: أنا أجعل الأمور التافهة ذات قيمة في أعين الناس. «لأُزَیِّنَنَّ» يعني أني أزيّن العمل القبيح ليراه الإنسان جميلاً.

الفضائيات أيضاً تشتغل على نمط رؤية الناس

  • يريد الله أن يشتغل على نمط رؤيتنا. كما أن إبليس أيضاً يشتغل على هذا الصعيد. والفضائيات هي الأخرى تعمل في هذا الاتجاه، فبعض القنوات الفضائية من قبيل BBC  وVOA  تشتغل على أذهان الناس عبر أفلامها وبرامجها. بالطبع هذه الفضائيات ضعيفة ولذلك فإن قضيتنا الأولى والأهم ليست عدم مشاهدتها، بل إننا نقول بأنك إذا تفرّجت هذه البرامج دون أن تعلم أسلوبها في الاشتغال على ذهنك ورؤيتك، فسيلحق بك الأذى جراء ذلك. بعبارة أخرى، هذا الموجود الضعيف العاجز العديم الكفاءة نفسُه سيطرحك أرضاً.
  • على سبيل المثال، ذكرت قناة BBC  قبل بضع سنوات في يوم عاشوراء: "في مثل هذا اليوم يقيم الناس العزاء على أبي الفضل العبّاس(ع) "الأخ غير الشقيق" لأبي عبد الله الحسين(ع)"! وهي تعلم أنك حين تستخدم مصطلح "الأخ غير الشقيق" في ثقافتنا فإنك في الحقيقة تقلّل من أخُوّة الأخ درجة ! وفي نفس الوقت هذه حقيقة أيضاً، لكنّ أحداً طيلة هذه السنين  لم ينظر إلى هذه القضية من هذه الزاوية! هذه القناة تريد أن تأخذك خطوة خطوة الى مرحلة تحطّ فيها من جلال وروعة رؤيتك الى حقائق العالم الجميلة وتلهمك زاوية رؤية خاطئة.

 العنصر الاستراتيجي في كل عملية إيصال فكرة هو "الرؤية"

  •  العنصر الاستراتيجي في كل عملية إيصال فكرة هو "الرؤية" . لنسأل الله تعالى أن يحفظ رؤيتنا من الانحراف وأن يجعل لنا أشخاصاً يصحّحونها.
  • هناك ميزة يتميز بها أبو الفضل العبّاس(ع) فيما يتصل بالرؤية الصائبة، وهو قول أئمة الهدى(ع) فيه: "كانَ عَمُّنَا العَبَّاسُ بنُ عَلِيٍّ نَافِذَ البَصیرَةِ" (مقتل الحسين لأبي مخنف/ ص176)، أي إن رؤيته كانت صائبة جداً. كانت بصيرة أبي الفضل العباس على درجة عالية بحيث يغبطه جميعُ شهداء كربلاء على مقامه.

تغيير الرؤية ربما يكون مؤشّراً لنضج الإنسان

  • تغيير الرؤية ربما يكون مؤشّراً لنضج الإنسان. فربما تقول يوماً ما: "برأيي يجب أن تتصف زوجتي بهذه المواصفات...فهذه الصفات هامة جداً بالنسبة لي" لكن بعد مضي فترة من الزمن تعود لتقول: "إنها مواصفات جيدة بالطبع، لكن اليوم هناك أمور أخرى أهم برأيي. ليتني نظرتُ نظرة صحيحة منذ البداية!"
  • يهتم البعض كثيراً بنظرة الناس إليهم، وينبغي على هؤلاء أن يحاولوا تغيير رؤيتهم. فليفكّروا في هذا الموضوع مثلاً: "إلى متى ستهمّهم نظرة الناس؟"
  • كم سنة نعيش؟ سبعين عاماً أو مئة عام! لا بد أن يصل الإنسان الى هذه الرؤية وهي أن العمر الذي يدوم مئة سنة قصير للغاية وأن يتقبل حقاً مقولة: «النَّاسُ نِیَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا» (مجموعة ورام/ج1/ص150). سُئل النبي نوح(ع): ما هي رؤيتك بالنسبة لعمرك الذي قضيته؟ فأجاب أنه كان كغرفة ببابين، دخلتُ من باب وخرجتُ من باب آخر! فما هي نظرتنا الآن للعمر؟ إننا إن لم ننظر إليه على أنه "قصير فعلاً" فإن رؤيتنا خاطئة دون شك.
  • ما أكثر حاجتنا إلى الفن لتغيير زاوية رؤيتنا واكتسابنا نظرة صائبة! إن القرآن كتابٌ صيغَ بأسلوب فَنّي فائق، فهو كتاب بصيرة ويريد أن يعلمنا الرؤية الصائبة. قال أمير المؤمنين(ع): «مَا کُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِیبٍ وَلا کُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِیعٍ وَلا کُلُّ ذِي نَاظِرِ عَیْنٍ بِبَصِیرٍ» (الکافي/ج8/ص64) ويقول (ع) في مكان آخر: «فَقْدُ الْبَصَرِ أَهْوَنُ مِنْ فَقْدِ الْبَصِیرَة» (عیون‌الحکم/ ص358).

لابد أن نفوض أمرنا الى الله لضبط زاوية رؤيتنا

  • من أجل ضبط زاوية رؤيتنا لا بد أن نفوّض أمرنا الى الله كل تفويض وأن نتقرب من صاحب الزمان(ع) كل تقرّب. وأن نسلّم أبصارنا لأهل البيت(ع)، ولصاحب الزمان(ع) ونقول: يا بن الحسن(ع)، أرِنا الأمور كما تراها أنت!
  •  أعلن شخص للإمام الباقر(ع) أنه لو يعطوني الدنيا بما فيها لن أتنازل عن محبّتكم. فبان الغضب على الإمام(ع) أنْ: لِمَ تقيس محبتنا بالدنيا؟ وما قيمة الدنيا مقابل مودّتنا التي ألقاها الله في قلبك؟! إنك ستفوز بالنعيم الأبدي وجنّة رضوان الله جزاءً على هذه المودة فهل تعلم عظمة هذه النعم؟ في الحقيقة أراد الإمام(ع) إصلاح رؤية ذلك الشخص. «قَالَ لَهُ یُونُسُ لَوِلَائِي لَکُمْ وَمَا عَرَّفَنِي اللهُ مِنْ حَقِّکُمْ أَحَبُّ إِلَي مِنَ الدُّنْیَا بِحَذَافِیرِهَا قَالَ یُونُسُ فَتَبَیَّنْتُ الْغَضَبَ فِیهِ ثُمَّ قَالَ(ع) یَا یُونُسُ قِسْتَنَا بِغَیْرِ قِیَاسٍ مَا الدُّنْیَا وَمَا فِیهَا هَلْ هِي إِلَّا سَدُّ فَوْرَةٍ أَوْ سَتْرُ عَوْرَةٍ وَأَنْتَ لَكَ بِمَحَبَّتِنَا الْحَیَاةُ الدَّائِمَةُ» (تحف‌العقول/ص380).

ينبغي علينا مجالسة العلماء وأصحاب الرؤى الصائبة

  •  لقد أوصونا بلزوم التعلّم من العلماء، فأن يتعلم المرء من معلّمه وأستاذه العلومَ أمرٌ جيد جداً، بيد أن مجالسة العلماء أيضا أمر ضروري بالنسبة لنا إلى درجة أن الله يعاقب الإنسان الذي لا يعاشر العلماء! وقد جاء في فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي: «أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي‏» (مصباح‌المتهجّد/ج2/ ص588). وبالطبع ليس المقصود من العلماء بالضرورة رجال الدين فحسب، بل كل شخص يمتلك رؤية صحيحة صائبة.
  • ماذا يفعل العرفاء؟ إنهم يميّزون رؤيتهم عن غيرهم. فربما تكون معلومات العارف بقدر معلوماتك لكن رؤيته صائبة. قد ننظر أحيانا الى باب من زاوية فنراه مُغلقاً، بينما لو نظرنا إليه من زاوية أخرى فسنراه مفتوحاً على مصراعيه بحيث يتمكن فيل من المرور من خلاله!

 لنعي عملية انتقال الرؤية ولا نكتسب أسلوب رؤية أيٍّ كان

  • لا بد أن نعي عملية انتقال الرؤية ولا نكتسب أسلوب رؤية أي شخص كان. ولا بد أن نعرف من هو الشخص الذي يزوّدنا برؤيته وما هي الرؤية التي يريد تزويدنا بها؟ حين تشاهدون برامج الفضائيات أو التلفاز أو حين تطالعون الكتب والصحف والأشعار والروايات لا بد وأن تنتبهوا الى هذا الموضوع.
  • يستغرق البعض في مطالعة قصة أو رواية ما غافلاً عن زاوية الرؤية التي تنتقل إليه عبرها. على سبيل المثال ما هي وجهة النظر التي تنقلها إليك مؤلفات أمثال "كافكا وصادق هدايت"؟ أنت تتسلّى بروايته ولا تنتبه إلى أن زاوية رؤية معيّنة تنتقل إليك، فتجعلك - شيئاً فشيئا - تنظر إلى الدنيا بنفس الرؤية وربما تتجه نحو الانتحار بعد فترة!
  • يقول تعالى في القرآن الكريم: «فَلْیَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِه‏» (عبس/24). وفي تفسير الإمام الباقر(ع) للآية  يشير إلى أن الطعام لا ينحصر بالمأكولات التي تدخل عن طريق الفم، بل يشتمل على كل ما يسمعه الإنسان ويبصره. «‏فِي قَوْلِ اللهِ‏ فَلْیَنْظُرِ الإِنْسانُ‏ إِلى‏ طَعامِهِ قَالَ: قُلْتُ: مَا طَعَامُهُ؟ قَالَ: عِلْمُهُ الَّذِي یَأْخُذُهُ مِمَّنْ یَأْخُذُهُ‏» (المحاسن/ج1/ص220).

أحياناً يصحّح الله رؤيتنا عبر بلاء أو سلب نعمة

  • يعمل إبليس جاهداً لإفساد نظرتنا حتى آخر أعمارنا. لا بد أن نتوخّى الحذر كي لا تفسد رؤيتنا، لأن تصحيح الرؤية الخاطئة قد يتطلب منا تحمّل الكثير من الآلام الجسيمة والشاقة. أحيانا يريد الله أن يقول لعبده "أن مشكلتك الفلانية ليست بعظيمة"، لكنه لا يتقبّل الأمر ويصر على أنها عظيمة جداً! فيوقعه الله بمشكلة كبيرة ليفهم معنى المشكلة الكبيرة! إذن فقد لا تدرك أن رؤيتك كانت خاطئة ولا بد من تصحيحها إلا عبر بلاء عسير.
  • قد نكون أحياناً متنعّمين بنعمة عظيمة جداً، لكنّنا نكون رافضين لها أو غافلين عنها! لذا فقد يغيّر الله رؤيتنا عبر سلب تلك النعمة لندرك آنذاك بأنها كانت نعمة عظيمة حقاً.

تعليق