الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۰۳/۱۹ چاپ
 

زاوية الرؤية – الحلقة السادسة

نمط الرؤية عند كل شخص هو حصيلة رغباته إضافة إلى معلوماته / يتخذ الناس قراراتهم وفقاً لرؤاهم وليس بناء على معلوماتهم فقط / الكثير من الامتحانات الإلهية هو امتحان في "نمط الرؤية"

الهويّة:

  • المكان: طهران، جامعة الفنون
  • الزمن: محرم 1439هـ  /2017م
  • الموضوع: زاوية الرؤية في الفن الملحمي
  • التاريخ: 12/محرم/ 1439 ـ 3/10/2017
  • A4|A5 :pdf

نمط الرؤية هو من العوامل المهمة لتقييم المرء. لماذا تعدّ رؤية الإنسان مهمة ومؤثرة إلى هذه الدرجة؟ لأن الرؤية هي حصيلة كيان الإنسان بأجمعه. فرؤية كل إنسان ناجمة عن رغباته إضافة إلى معلوماته، ولا تتكون رؤية الإنسان أبداً من معلوماته ومعارفه فقط.

غالبا ما يتخذ الناس القرارات بناء على أنماط رؤيتهم لا على معلوماتهم فحسب!

  • تحدثنا في المحاضرات السابقة عن أهمية "الرؤية" وزاويتها عند الإنسان من منظار الدين، وعن مدى عمق تأثير الرؤية ونمطها، وكذلك تكلمنا عن الجهود العظيمة التي تُبذل اليوم في عالمنا في سبيل السيطرة على وجهات نظر الناس وتغييرها. والمعارف والمعلومات ليست إلا أدوات بيد الذين يريدون السيطرة على رؤى الناس.
  • لا يتخذ الناس قراراتهم بناء على معلوماتهم فحسب، بل يقررون وفقاً لوجهة نظرهم ونمط رؤيتهم أيضاً. بتعبير آخر، غالباً ما يمزج الناس معلوماتهم بأمور أخرى (سنشرحها لاحقاً) لتتولّد عندهم في النهاية حصيلة تُدعى ب"الرؤية" والتي يقررون وفقاً لها. 

لماذا تعدّ رؤية الإنسان مهمة؟ نمط الرؤية عند كل شخص هو حصيلة رغباته إضافة إلى معلوماته

  • لماذا نمط رؤية الإنسان بالنسبة للظواهر هو على هذا القدر من الأهمية بحيث يحاول الصديق والعدو التاثير على نمط رؤيتنا؟ لماذا يهتم الله سبحانه وتعالى برؤية عباده إلى هذه الدرجة ولماذا يحاول إبليس، وهو عدو الإنسان، أن يشوّه رؤية الناس إلى هذا الحد؟
  • السبب الكامن وراء أهمية رؤية الإنسان أو زاوية هذه الرؤية أو نمطها يعود إلى أن رؤية كل شخص هي حصيلة رغباته وميوله بالإضافة إلى رصيده المعلوماتي. فلا تكون نظرة الإنسان أبداً نتيجة معلوماته ومعارفه فحسب، بل لا بد أن تتحقق أمور في داخله ليكتسب رؤية دقيقة وعميقة. فحين يضيف الإنسان ميوله إلى معلوماته ومعارفه ستتكون نظرته ونمط رؤيته آنذاك.

الرغبة العارمة في أمر ما يجعل نظرتك إليه إيجابية  

  • تؤثر رغبات الإنسان وتوجهاته على رؤيته، فإن كنتَ تحب أمراً حباً شديداً ستكون رؤيتك بالنسبة له إيجابية وستقدم شتى التبريرات بأن "هذا الأمر ممكن"، أما إن لم تكن لديك رغبة بذلك الأمر فستتحول نظرتك إليه سلبية وستقول باستمرار: "هذا الأمر غير ممكن!" وإن كنت جباناً فستختلف رؤيتك للظواهر والقضايا عمّا إن كنت شجاعاً. وإن كنت تحب دنياك كثيراً فستختلف رؤيتك للموت عمّا إن كنت لا تحب الدنيا كثيراً.
  • إن كنت تهوى الاستمتاع بملذّات الدنيا كثيراً لكنك لا تستمتع بهذه اللذات لأسباب شتى أو تحرم نفسك منها بالتضييق عليها (كأن لا تملك المال الكافي أو القوة الكافية أو المهارة الخاصة للاستمتاع، أو لكونك متدينا لا تنجرف صوب ملذّات الدنيا لكنك ترغب فيها)، فستكون رؤيتك مشبعة بالحقد والإزدراء بالنسبة لمن يتمتع بالدنيا. 
  • ومن جانب آخر، إن كنت لا تبحث عن اللذّات كثيراً ومن ثم لا تتجه صوب ملذّات الدنيا أيضاً نتيجة اتصافك بالتعقّل والروح المعنوية، فستكون نظرتك تجاه من ينجرف وراء لذّات الدينا نظرة مشفقة، أي ستشفق عليه وتتألم من أجله لأنه غارق في الملذّات الصغيرة الحقيرة ومحروم من اللذات العليا.

رؤية الناس هي حصيلة معرفتهم وميولهم

  • لماذا يُعدّ نمط رؤية الإنسان مهماً؟ لأن الرؤية هي حصيلة معرفة الإنسان وميوله، تلك الميول التي لا يكتشفها الناس ببساطة في وجودهم ولا يدركونها بوعيهم. فإن ذرة من الغرور، أو من الحسد أو من حب الجاه أو حب المال (بمعناه السلبي طبعاً)، وأي صفة أخرى من هذه الصفات السلبية من شأنها أن تؤثر على رؤية الإنسان.
  • الرؤية تعني المعرفة بالإضافة إلى ميول الإنسان ورغباته. النظرة والرؤية تعني العلم ممزوجاً بالرغبات الموجودة في كيان الإنسان.
  • يروى عن أمير المؤمنين(ع) قوله: «لَوْ ضَرَبْتُ خَیْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَیْفِي هَذَا عَلَى أَنْ یُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي» (نهج‌البلاغة/ الحکمة 45). والمقصود هو أن رؤية المؤمن لا تتغير بالنسبة للإمام(ع). وبالطبع كان هناك من تتغير وجهة نظره بمجرد مشاهدة أدنى حركة من أولياء الله (لا تعجبه). فماذا حلّ بابن ملجم مثلاً لتتغير رؤيته تجاه أمير المؤمنين(ع) بعد ما كان له ما كان من المعرفة بالإمام والمعلومات عنه؟ ما الذي كان يضمره في قلبه لتتغيّر رؤيته تبعا لذلك؟ المعلومات التي كانت لدى ابن ملجم حول الإمام علي(ع) كانت لدى الآخرين أيضاً فلماذا لم يحصل ذلك مع باقي أصحاب الإمام والمحيطين به؟ على سبيل المثال لماذا لم يتغير كميل أو مالك الأشتر؟ إذن ليست المعرفة هي العامل المؤثر في رؤية الإنسان فحسب، بل إن ميوله أيضاً لها عظيم الأثر وبالغ الأهمية في هذه الرؤية.

الكثير من الامتحانات الإلهية هو امتحان في نمط الرؤية

  • في زمن الرسول الأكرم(ص) أيضاً كانت نظرة الناس للنبي(ص) تتحول أحياناً إلى نظرة سلبية بمجرد سماع خبر ما. فمثلاً في الطريق إلى غزوة تبوك حاول المنافقون إثارة الخلاف وتضعيف المجتمع عبر النيل من بعض الصحابة - حيث نزلت آنذاك سورة «المنافقون» بشأنهم –  وفي تلك الظروف التي كان المنافقون يحاولون تشكيك المؤمنين برسول الله(ص)، أصدر النبي(ص) أوامره فجأة بالحركة، وما إن أراد الناس الحركة افتقدت ناقة رسول الله(ص) فأخذ ينادي باحثاً عن ناقته، فاستغلّ المنافقون هذا الموقف قائلين: كيف يستطيع هذا الرجل أن يرينا سُبُل السماء بينما يعجز عن العثور على ناقته؟ «...فَأَرْجَفَ الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا یُخْبِرُنَا بِأَسْرَارِ السَّمَاءِ وَلا یَدْرِي أَیْنَ نَاقَتُهُ» (الخرائج والجرائح/ ج1/ ص30).
  • وفي هذه القضية، تزعزعت رؤية البعض بالنسبة للرسول(ص). فالكثير من الامتحانات الإلهية ليست إلا امتحان "رؤية"، إذ قد يبتليك الله بمشكلة ما، ثم لا يحلّها لك، لا بل يزيدها تعقيداً! فهو يريد أن يرى كيف تكون رؤيتك تجاه الله؟ هل تبقى تقول "يا إلهي، أنت في منتهى الرحمة والإحسان!" هل تبقى تتودّد وتتحبّب إلى الله كما كنت سابقاً أم ينتهي أوان هذا الكلام وتصبح رؤيتك سلبية!

من العوامل المهمة لتقييم أي شخص هي رؤيته / الرؤية هي حصيلة كيان الإنسان بأكمله

  • رؤية المرء تُعدّ من العوامل المهمة لتقييمه. لماذا تتميز رؤية الإنسان بهذا القدر من الأهمية والتأثير؟ لأن الرؤية هي حصيلة كيان الإنسان بأكمله. فإن كانت نزعات الإنسان وتوجهاته صحيحة فلن تتشوه رؤيته حتى وإن كانت معلوماته خاطئة أو ناقصة.
  • لا يستطيع أحد أن يلتمس الذريعة لانحرافه قائلاً "وصلتني معلومات خاطئة، معلوماتي كانت ناقصة...." فإن كانت توجهاتك صحيحة فلن تنحرف بالمعلومات الخاطئة أو الناقصة أبداً. وقد ورد في الحديث أن المؤمن لا يشك بالحق بتاتاً، وأن الكافر أو المنافق لا يتيقّن بالحق أبداً: «عَنْ أَبِي عَبْدِ الله(ع) قال: أَبَى اللهُ أَنْ یَجْعَلَ الْحَقَّ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بَاطِلاً لا شَكَّ فِیهِ، وَأَبَى اللهُ أَنْ یَجْعَلَ الْبَاطِلَ فِي قَلْبِ الْکَافِرِ الْمُخَالِفِ حَقّاً لا شَكَّ فِیه‏» (المحاسن/ ج1/ ص277) وعنه(ع): «لا یَستَیقِنُ القلبُ أنَّ الحقَّ باطلٌ أبداً ولا یَستَیقِنُ أنَّ الباطلَ حقٌّ أبداً» (تفسیر العياشي/ ج2/ ص53).
  • مهما جئت للمنافق بالأدلّة والبراهين العقلية والمستندات المُحكمة في إثبات الحق لا يتقبّله وسيقول لك مثلاً: "كانت أدلتك منطقية تماماً، سأفكر فيها!" لكنه لا يقبل الكلام الحق في نهاية المطاف. ومن جانب آخر، حين تشيع إشاعة موافقة لميوله ورغباته فإنه سيتقبل هذا الكلام الباطل بسهولة ودون أي دليل وبرهان! ويجدر القول لمثل هذا الشخص أن "اطلب من هؤلاء أيضاً دليلاً على الأقل ولا تتقبل الأمر من دون دليل! فلِمَ تقبّلته هنا من دون أي دليل وبرهان؟"  

من لا يخاف تصلحْ رؤيته

  • إن سبب الأهمية البالغة لـ"الرؤية" يعود إلى أن ميول الإنسان وتوجهاته تؤثر عليها، فمثلا من لا يخاف تصلحْ رؤيته. 
  • "الشجاعة" هي أُولى وأهم السمات عند العرفاء. فالإنسان الشجاع لا يخشى إلا الله، وعندها سيصبح موحّداً وعارفاً لأنه سيدع "ما سوى الله" جانباً وسيؤمن بأنه «لا مؤثر فی الوجود إلا‌ الله». كان سماحة الإمام الخميني(ره) عارفاً بالله وكانت سمة الشجاعة من أهم سماته، كما أن السيد القائد أيضا كان يؤكد عليها.
  • قال سماحة الإمام الخميني(ره) لنجله ذات يوم: إني لا أدرك شيئاً من هذا الذي يُطلق الناس عليه اسم الخوف ولم أعش هذا الشعور لحد الآن! فلا أفهم مطلقاً ماذا يعني أن فلانا يخاف من شيء ما! وشجاعة الإمام هذه هي التي ألهمته النظرة والرؤية الصائبة ولذلك كان سماحته يقول مستلهماً من هذه الرؤية إن "أمريكا عاجزة عن ارتكاب أي حماقة". كان الإمام(ره) يؤمن حقيقةً أن أمريكا عاجزة عن ارتكاب أي حماقة ولم يتفوه بتلك العبارة للدعاية!

الفنان الملحمي بحاجة إلى صفة الشجاعة

  • يدور حديثنا في هذه المحاضرات حول "زاوية الرؤية في الفن الملحمي"، والملحمة تعني الشجاعة! الفن الملحمي بحاجة إلى صفة الشجاعة، فلابد أن تكون باسلاً ولا تهابَ شيئاً.
  • بغض النظر عن حاجتنا للرؤية الصائبة في الحياة من ألفها إلى يائها، وبغض النظر عن أن المقدّرات الإلهية تقدّر لكل إنسان وفقاً لرؤيته الصائبة، وبغض النظر عن أن صاحب الزمان(عج) يختار أصحابه من بين أهل الرؤية الصائبة، وبغض النظر عن أن الرؤية الصائبة تخفّف من محن الدنيا، وبغض النظر عن أن الرؤية الصائبة هي علامة قيمة الإنسان وينبغي على المرء أن يقوّم رؤيته كل يوم لأنها حصيلة جميع ثرواته القيّمة، بغض النظر عن جميع هذه الأمورفإنه لا بد أن نتصف بالرؤية الصائبة في الفن الملحمي أيضاً، وما رؤية الإنسان إلا نتاج رغباته وميوله إضافة إلى معارفه. 
  • من يستطيع إنتاج أثر ملحمي؟ إنه الذي يتمتع برؤية ملحمية. ومن يستطيع أن يكتسب رؤية ملحمية؟ إنه الذي يتمتع بصفة الشجاعة ضمن خصاله الروحية، فلا يخاف مثلاً من الإحباط في العمل الفني. إن سرّ عدم الخوف من ازدراء الآخرين يكمن في عدم المبالاة بتشجيعهم أيضا. فإن صفّق له العالم بأجمعه لم يكترث بذلك، بل يحزن من أجله. وقد جاء أيضاً في الروايات أن المؤمن يحزن من تشجيع الآخرين: «إِنْ زُکِّيَ أَحَدُهُمْ خَافَ مَا یَقُولُونَ وَیَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا لَا یَعْلَمُونَ وَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَیْرِي‏» (أمالي الصدوق/ ص572).
  • مَن يحزن من التشجيع فأيُّ تحقير يخشى؟! حتى إن وقف العالم كله في وجهه وقام بازدرائه لن يخاف شيئاً! كما قال "عمار" في حرب الجمل إنه لن يتردد قيد أنملة في دعم علي بن أبي طالب(ع) حتى إن وقفت الدنيا بوجهه: «لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَمَرَ عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَیْهِ السَّلَامُ) أَنْ تَنْزِلَ عَائِشَةُ قَصْرَ أَبِي خَلَفٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ جَاءَهَا عَمَّارُ بْنُ یَاسِرِ (رَضِي اللهُ عَنْهُ) فَقَالَ لَهَا: یَا أُمَّتِ کَیْفَ رَأَیْتِ ضَرْبَ بَنِیكِ دُونَ دِینِهِمْ بِالسَّیْفِ فَقَالَتْ: اسْتَبْصَرْتَ یَا عَمَّارُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ غَلَبْتَ. قَالَ: أَنَا أَشَدُّ اسْتِبْصَاراً مِنْ ذَلِكَ، أَمَا وَاللهِ لَوْ ضَرَبْتُمُونَا حَتَّى تُبَلِّغُونَا سَعَفَاتِ هَجَرَ لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّکُمْ عَلَى الْبَاطِلِ...فَرَأَیْتُ عَلِیّاً أَقْرَأَهُمْ لِکِتَابِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَأَعْلَمَهُمْ بِتَأْوِیلِهِ، وَأَشَدَّهُم‏ تَعْظِیماً لِحُرْمَتِهِ، وَأَعْرَفَهُمْ بِالسُّنَّةِ، مَعَ قَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَیْهِ وَآلِهِ) وَعِظَمِ عَنَائِهِ وَبَلَائِهِ فِي الإِسْلَامِ»  (أمالي الطوسي/ ص143).

من هو الفنان الملحمي؟

  • ما هو الفن الملحمي ومن هو الفنان الملحمي؟ من هو الذي يفهم الملحمة ليقدّمها بعد ذلك إلى الآخرين على هيئة عمل فني؟
  • نحن ـ مع الأسف ـ عاجزون حتى عن عَكس ملحمة اللطم عبر الفن بشكل مقبول. نحن لا نقدر أن نعكس ملحمة الأربعين أيضاً بشكل جيد، فما بالك بملحمة الإمام الحسين(ع)! هذه المراسيم نفسُها التي يقيمها الناس في كل مكان كاللطم على الصدور، ولبس السواد، وإقامة المآتم، والنعي كلها ملاحم وليست بأمر اعتيادي! في أي بقعة من بقاع الأرض تجدون مثل هذه الأمور؟!
  • ما هي القوة التي تشدّ قلوب الناس إلى الإمام الحسين(ع) بعد مضي 1400 عام؟ تأمّلوا فيها! جاء في رواية شريفة عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «إِزَالَةُ الْجِبَالِ أَهْوَنُ مِنْ إِزَالَةِ قَلْبٍ عَنْ مَوْضِعِهِ» (تحف‌ العقول/ ص358) فماذا يحدث حتى تهتز قلوب الناس إلى هذه الدرجة بمجرد ذكر اسم الإمام الحسين(ع)؟ أليس هذا إعجازاً؟ لم يُذكر في التاريخ أن شخصاً أقام العزاء بهذا الأسلوب على فقْدِ والده أو والدته حتى لمدة أربعين عاماً. فكيف لا يكون معجزة ما نراه بعد 1400 عام من استشهاد الإمام الحسين(ع)؟ صاحب الرؤية الصائبة يدرك هذه الأمور.

لن تبلغوا "النظرة الملحمية" حتى تكون توجهاتكم صحيحة

  • لماذا تعدّ رؤية الإنسان ذات قيمة؟ لأنها مؤشّر على توجهاته. فإنّ توجهات المرء وميوله تُدمج بمعارفه ومعلوماته لتتحول إلى رؤية. بناء على ذلك فإنكم لن تبلغوا الرؤية الراقية والدقيقة، ولا سيما الرؤية الملحمية، ما لم تكن ميولكم سليمة. ولا بد أن تنبثق الرؤية من نظرة ملحمية لتؤدي في النهاية إلى خلق أثر ملحمي.
  • الفنان الذي يفتقر إلى "الشجاعة" لا يستطيع أن يمتلك رؤية ملحمية وهو يعجز عن خلق أثر ملحمي جيد؛ فلا يستطيع مثلاً أن يجسّد ملحمة أبي الفضل العباس(ع) أو مسلم بن عقيل. ولو كان يتّصف ولو بالقليل من الشجاعة فقط لاستطاع إنتاج قدر يسير من الفن الملحمي أيضاً.
  • من أي نوعية كان غضب أمير المؤمنين(ع) وتألّمه في تلك القضية المشهورة التي انتُزع فيها حِجْل يهودية من قدمها؟ لم يكن تألّمه وتأثره بسبب الظلم والظلامة فحسب، بل كان بسبب الرضوخ للظلم وعدم المقاومة أمام العدو، لأنه(ع) كان قد سمع بأن الرجال لم يمنعوا الأعداء من النهب، بل راحوا يتوسلون إليهم كي "لا يضربوهم"! فقال سلام الله عليه: «فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا کَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ کَانَ عِنْدِي بِهِ جَدِیراً...». فإن رؤية الإمام علي(ع) تجاه هذا الظلم لم تكن بشدة رؤيته تجاه ذلك الرضوخ للظلم: «وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ کَانَ یَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهَدَةِ فَیَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرِعَاثَهَا مَا تُمْنَعُ مِنْهُ إِلا بِالاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِینَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ کَلْمٌ وَلَا أُرِیقَ لَهُ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا کَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ کَانَ عِنْدِي بِهِ جَدِیراً...فَقُبْحاً لَکُمْ وَتَرَحاً حِینَ صِرْتُمْ غَرَضاً یُرْمَى یُغَارُ عَلَیْکُمْ وَلَا تُغِیرُونَ وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ وَیُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْنَ» (الکافي/ج5/ص5) – (نهج البلاغة/ الخطبة 27).
  • هذا هو الفرق بين رؤية أمير المؤمنين(ع) ورؤية الآخرين! إذن، مَن الذي يستطيع إنتاج الفن الملحمي؟ إنه الذي تشبَه رؤيتُه رؤية أمير المؤمنين(ع) في هذه القضية. وإلا فلا يُعتبر مجرد تصوير الظلامة من أي نوع كانت فنّاً ملحمياً لأن الناس تتألّم لكل مظلوم!  

تختلف أنواع البكاء باختلاف عيارها!

  • إن البكاء على أبي عبد الله الحسين(ع) ذهب، لكنه  لكل ذهب "عيار"! وأنواع البكاء تختلف باختلاف عيارها؛ فهناك ما هو هابط العيار وهناك ما هو عالي العيار. 
  • أنتم يا من تبكون من أجل السيدة زينب الكبرى (س) تأملوا في نوعية حرقة فؤاد هذه السيدة! أخشى أن تشبّهوا ذلك الشعور بالعلاقات الأخوية الاعتيادية بين الأخ والأخت. فإن كل أخت تفقد أخاها تتلوّع ألماً بالطبع لكن هذا أقل ارتباط نقيمه مع السيدة زينب(ع). فهل كانت القضية مقتصرة على هذا المستوى يا ترى؟
  • من أي نوع كان بكاء الإمام الحسين(ع) على أبي الفضل العباس(ع) حيث كانت الدموع تغطي وجهه الشريف وكان يمسحها بكمّ ردائه المبارك؟ أبوسعنا إدراك نوعية هذه الدموع؟ إن نمط هذا البكاء مجهول لنا. هذه الدموع هي مما يخلق الملاحم. إن نمط هذه الدموع هو الذي لا ينطفئ لهيبه ولا يخمد أبداً. لا بد أن نتعرف قليلاً على نوعية هذه الدموع.
  • من أي جنس هو بكاء أبي عبد الله(ع)؟ ومن أي نوع هو بكاء السيدة زينب(ع) وجزعها؟ هذا البكاء وذلك الجزع كان بسبب انتهاك حرمة الحق، فالسيدة زينب(ع) لا تستطيع أن تحتمل ذلك، إنه صعب جداً عليها...

تعليق