الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۰۶/۲۰ چاپ
 

أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع (المحاضرة3)

أين يتوقّف طلبُ الإنسان للكمال؟/ أين يكون المُنعطَف الذي يسقط فيه الإنسان وتظهر فيه مساوئه؟/ مشكلة الإنسان أنه غير مستعد لإعطاء شيء مقابل أخذ غيره، بل يريد الاحتفاظ بكل أشيائه.

الهويّة:

  • الزمان: 02/محرم الحرام/1442 - 22/آب/2020
    الموضوع: أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع
    المكان: طهران، موكب "ميثاق با شهدا" (العهد مع الشهداء)

 

لماذا يتوقّف حسُّ طلَبِ الكمال عند الإنسان و"أين"؟

  • البشر مخلوقات طالبة للكمال، هذا إذا احتفظوا بروح طلب الكمال والرغبة في كل شيء ولم يتراجعوا عنها بسبب الخوف وازدراء الآخرين لهم. هذا وقد بُعث أنبياء الله تعالى لتعزيز هذه الروح عند الإنسان، وتقديم المصداق له، وتعليمه في هذا المضمار.
  • لكن السؤال الآن هو: لماذا يتوقف طلبُ الكمال هذا عند الإنسان، وأين؟ ونريد في هذه المحاضرات أن نتحدث عن مَوضِع توقّفه أكثر من الحديث عن سبب توقفه. على أننا سنتطرق كذلك إلى "سبب توقفه"، لكنّ تركيزنا الأكبر سيكون على الموضع الذي "يتوقف الإنسان عنده".
  • كأنْ تتعرض سيارة أحدهم وهو يقودها إلى حادث وتنقلب. فالسؤال عن أنه: "لماذا انقلبت؟" هو موضوع؛ فقد يكون بسبب طيشه، أو إهماله، أو قيادته السيارة بسرعة عالية، أو تشتُّت باله، ...الخ، أما قولنا: "أين انقلبت؟" فهذا موضوع مختلف؛ كأن نقول: لقد انقلبت في منعطف خطير.

 

أين يُخطئ البشر، في العادة، ويسقطون؟

  • لماذا يخطئ البشر؟ يخطئون مثلاً بسبب التكبّر، أو الحسد، أو حب الدنيا، ...الخ؛ هذا موضوع. أما الموضوع الآخر فهو: متى وأين يقترف البشر، عادةً، الخطيئة "وتنقلب بهم مركبتهم!" ويسقطون؟ عن هذه القضية نريد التحدث حالياً. فمن المهم جدّاً أن نعرف موضع هذا المنعطف الخطير، لأننا نواجهه في حياتنا يوميّاً، تقريباً؟
  • البشر مخلوقات طالبة للكمال، فما الذي يجعلها تتوقف؟ لقد آمن البعضُ بالله، بل وأصبح ولائياً، ليعزز طلبه للكمال هذا ويتعلّم كيف يبلُغُه، فلماذا يتوقف إذاً؟ ولقد سمعنا - ردّاً على هذا السؤال - قولَ البعض: "لأنهم أناس سيّئون، أو أنهم يحملون الكثير من السيئات؛ كالكِبْر والحسد". لكن هناك الكثيرين ممن يتّصفون بالحسد ومَن عندهم تكبّر (فجميعنا تقريباً مبتلون بمثل هذه الأمراض) فلماذا إذاً "تنقلب سيارة" البعض و"لا تنقلب سيارة" البعض الآخر؟

 

حتى الموالين لأهل البيت(ع) قد "تنقلب بهم مركبتهم" في هذا المنعطف!

  • حتى الموالين لأهل البيت(ع) قد "تنقلب بهم مركبتهم"، لأن المنعطف منعطف صعب؛ فحتى الذين يتقنون القيادة قد يقلبون سيارتهم هنا. وعادة ما توضَع على الطريق، قبل المنعطف، بضع علامات مرورية. وليس القصد من هذه العلامات هي القول لك: إنك لا تُحسن القيادة، بل هي لإخبارك بأن: "انعطافة هذا المنعطف حادّة!" وقد نُبِّهنا في القرآن الكريم إلى هذا المنعطف بتعابير مختلفة، وتم – بواسطة هذه "العلامات" - تخويفنا، وتوعيتنا، وإيقاظنا! وإحداها قصة نبي الله آدم(ع).
  • نبي الله آدم(ع)، وهو الذي عُلِّم «الأسماء» الإلهية، قد "انقلب" هنا، فما بالُك بي أنا وبك أنت! ولذا لا بد من الوقوف طويلاً عند هذا الموضوع؛ لأنه يرافقنا عمراً كاملاً، وعلينا أن نحيا معه. لا مثل الصلاة؛ فنحن نصلي يومياً ثلاثة أوقات ونقضي باقي يومنا بشؤون أخرى، أما هذا الموضوع فإنّنا مشتغلون به في كل لحظة.
  • إلى أي نقطة يصل ابن آدم، الطالب للكمال، فيتوقف فجأة عن التقدم؟ في الوقت الذي يكون فيه الإنسان طالبَ كمال، ومُريداً للكثير من الأشياء، ومريداً لكل شيء فإنه يكون عُرضةً لضرر كبير وهو عدم إدراك فلسفة وجوده في هذه الدنيا!

 

"الافتقار إلى روح المقايضة" في الدنيا يبعث على سقوط الإنسان أو توقفه!

  • دعوني، في البدء، أضرب مثالاً ثم أوضحه: لو أن طفلاً صغيراً يلعب بلعبة فرأى في يد طفل آخر لعبةً أفضل لبكى وقال: "أريد تلك!" إلى هنا ممتاز، لأن الإنسان مريد لكل شيء ومن الصعب جدّاً تحديده. لكنك إن قلت لهذا الطفل: "لا بأس، نعطيك تلك اللعبة، لكن أعطنا أنت لعبتك هذه" فإنه لا يعطيها عادةً، بل إنك إن تنتزعها منه يأخذ بالبكاء ثانية! فمع أنه لا يستطيع اللعب إلا بلعبة واحدة تراه غير مستعد للتخلي عن القديمة مع أخذ الجديدة؛ يعني أنه لا يحمل روح المقايضة!
  • طلبُ هذا الطفل للكمال يجعله ما إن تقول له: "أعطني هذه اللعبة الأصغر وأعطيك تلك الأكبر" يقول: "ألا يمكن أن أحتفظ بهذه، وتعطيني تلك معاً؟"

 

المشكلة هي أن الإنسان الطالب لكل شيء غير مستعد لإعطاء شيء!

  • أَمِنَ المعيب أن يكون الإنسان هكذا؟ في الجنة ليس من المعيب أن تكون هكذا، فأنت هناك لا تُقايَض؛ إذ قد تكون هناك على مائدتك دجاجةٌ مشوية من الجنة فتشتهي تناول ديكٍ رومي أيضاً، فيضعون لك إلى جانبها ديكاً رومياً، فتلتهم الاثنين وتلتذ بهما، أما في الدنيا فالأمر يختلف؛ فإنك في الدنيا لا تطلب شيئاً إلا ويأخذون منك شيئاً آخر لإعطائك ما تطلب.
  • المشكلة هي أنّ كَونَ الإنسان طالبَ كمال ومريداً لكل شيء يجعله غير مستعد لإعطاء شيءٍ ما مقابل أخْذِ آخر، بل وقد يخطئ فلا يتخلّى عما عنده وهو الأقل إذا أرادوا مَنحَه شيئاً أفضل.

 

في الدنيا ما من شيء تريد أخذه إلا وعليك أن تعطي آخر/ عند منعطف "المقايضة" يسقط البشر وتظهر فيهم مساوئ مثل الكِبْر والحسد

  • إذاً ذكرنا إلى الآن مسألتين: الأولى هي أنه ما من شيء تريد الحصول عليه في الدنيا إلا وعليك أن تمنح شيئاً آخر مكانه. والثانية هي أنك إن أردت في الدنيا شيئاً أفضل وجبَ عليك إعطاء الأقل! هذه المقايضة موجودة في الدنيا. لماذا؟
  • هذه المقايضة بالذات هي الحكمة من وجودنا في هذه الدنيا، وإن البشر ليسقطون عند منعطف المقايضة هذا وتظهر فيهم مساوئ من مثل التكبّر، والحسد، ورذائل أخرى كثيرة. ولا بد أن نتعرّف هذا المنعطف. ولا صلة لهذا المنعطف بكم، بل هي ميزة الدنيا! إذ يُروَى عن أمير المؤمنين علي(ع) أنه قال: أتدرون كيف هي الدنيا؟ إنها لا تهبُك نعمة إلا وتسلُبُك إزاءَها شيئاً آخر: «لَا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى» (نهج البلاغة/ الخطبة145)؛ أي ما من امرئ يستطيع إضافة شيء.
  • ثم يُردف(ع) توضيحاً لكلامه: إنك لا تعيش يوماً إلا وينقص يومٌ من عمرك: «وَلَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِه». «مَعَ‏ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي‏ كُلِ‏ أَكْلَةٍ غَصَص».

 

فلنُقرّ بحقيقة أنّ "الدنيا محل مقايضة"!

  • إنك لا تنال نعمة حتى تفقد أخرى. إذاً عليك أن تختار! فلنهدأ، ولنُقِرّ بهذا.. إنها حقيقة؛ الدنيا محل مقايضة. وإن لم يعتقد المؤمن الولائي بهذا فسيسقط! كيف تريد اجتياز هذا المنعطف؟ إنه المنعطف الذي ينبغي لإيمانك أن يعينك على اجتيازه.
  • ليست القضية أنْ يقال: "لقد آمن فلانٌ بالله، وسيستعين بالله تعالى لكي ينال كل شيء دون أن يمنح شيئاً!" أو: "لقد آمنَ فلانٌ بوَلِيّ الله كي لا يفقد شيئاً!" كلا وحاشا، لا شيء من هذا؛ فهاهو أمير المؤمنين(ع) يقول: «لَا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى»!

 

إذا استوعبنا ضرورة المقايضة سنواجه أزمتَين:

  • في هذه الحالة (وباستيعاب المسألة أعلاه) سيواجه الإنسان أزمتين؛ إحداهما قوله: "إذاً لأكُفّ عن العمل والمثابرة!" وثانيتهما قوله: "إذاً كفاني دعاءً!" وإنّ اجتياز هاتين الأزمتين صعب؛ إذ سيحدّث نفسَه: "ما الفرق في أن أعمل أو لا أعمل؟" والرد على هذا السؤال صعب جداً؛ لأن الدنيا محل مقايضة، وما من شيء تقبضه حتى يتحتم عليك دفع شيء آخر! فلا تُفسِد وضعَك أكثر. وهل عليَّ أن لا أُحَسِّن وضعي أيضاً؟ ليس ثمة وضعٌ أحسن! فالأحسن، بمعنى "المطالبة بكل شيء"، لا وجود له في الدنيا!
  • ليت مُنتجي الأفلام بيَّنوا لنا الحقيقة عوضاً عن استغفالنا وعرضهم عالَماً خياليّاً وهمياً لنا؛ كأن يقولوا: "هذا الذي ترونه أجمل، يعاني من نقص في موضع آخر. هذا الذي ترونه أكثر ثراءً يشكو من عيب في موضع آخر. وهذا الذي ترونه غير مشلول، مصاب بمشكلة من نوع آخر!"

 

إنما يتوقف الإنسان لامتناعه عن المقايضة وحبه الاحتفاظ بالشيء!

  • الإنسان مُريدٌ لكل شيء، فما الذي يجعله يتوقف عن طلب كل شيء؟ لأنه يرفض المقايضة في دنياً هي محل مقايضة، ويريد الاحتفاظ بما يملكه لنفسه! يقول: لا أريد شيئاً إضافيّاً، أريد الاحتفاظ بهذا الذي أملكه! يقال له: هذا غير ممكن، إنهم سيأخذونه منك، فتَخَلَّ عنه أنت! لهذا تحديداً سقط نبي الله آدم(ع)؛ إذ قال له إبليس: "أتريد أن أدلك على طريقة لتحتفظ بممتلكاتك؟" قال: "أجل".. نَسيَ الله!.. نَسيَ عِداء إبليس له. ولذا توجّه نحو الشجرة المحرَّمة. لأجل ماذا؟ للاحتفاظ بهذه الأشياء التي يملكها! ولهذا سقط!
  • قال إبليس لآدم(ع): «هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى» (طه/120). ألا وإنّ طلب الخلود شيء جميل، لكنك إن رغبت في إضافة طلب الخلود إلى ما تملك فتقول: "أريد أن أحتفظ بهذه الممتلكات إلى الأبد" لفسد الأمر. يقول لك الله تعالى: "لا يمكنك الاحتفاظ بهذه الأشياء، إذاً فلتُتاجر معي؛ إنْ أنت بذلتَها من أعماق قلبك فسأشتريها منك. ومن الأمثلة على هذا الشهادة؛ فإن أنت لم تستشهد، ستموت! فإن بذلتَ أنت روحك لي، اشتريتُها منك، وإلا فإنك لا محالة ستموت وتُدفن في مقبرة! « فَإِنَّهُ‏ لَيْسَ‏ عَنِ‏ الْمَوْتِ‏ مَحِيصٌ‏ إِنَّكُمْ إِنْ لَا تُقْتَلُوا تَمُوتُوا» (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد/ ج1/ ص238).
  • أوليس مُحرَّم الحرام شهر الشهادة؟ أوليست الشهادة تجارة؟ طيب، فما الشيء الذي أتيتم لتأخذوه من الإمام الحسين(ع) في شهر محرم هذا؟ وما الذي تودون إعطاءه للحسين(ع)؟ عن أي شيء أنتم مستعدّون للتخلي؟

 

متى ينفع الإيمانُ بالله صاحبَه ويقيه من السقوط؟

  • متى ينفع الإيمانُ بالله صاحبَه ويقيه من السقوط؟ إنه ينفعك حين تقول إذا أُخِذ منك شيء: "هذه هي الدنيا، إنها موضع الأخْذ"، فتصبر، وتهدأ! واللافت أن الله تعالى يقول لك: "أنا على استعداد لأشتريها منك! أي لا تبقى عندك مُخَلَّفات؛ إذاً تاجر معي فقط؛ إن أصابك برد، أو مرضتَ، أو أُصبت بحُمّى، أو فقدتَ صحتك، فأنا أشتري منك كل هذا". فماذا يحصل حين تُشفى من المرض؟ عندها انظُرْ ما الذي فقدتَ كي تُمنح الصحة إزاءه؟
  • فلأي شيء ينفع الإيمان إذاً؟ هل الإيمان هو أن تعلم أن الله موجود؟ وما دور الولاية في هذه المقايضة؟ ما محل الولاية من الإعراب في هذه القضية؟ لا بد من التحدث حول هذه الأمور.

 

التحفُّظ (وهو احتفاظك بما تملك) يُشقي الإنسان!

  • هذه الصفة السيئة، وهي "أن يرفض الإنسان بذل ممتلكاته ويحاول الاحتفاظ بها" تسمى "التحفُّظ". والتحفُّظ – وهو احتفاظك بما تملك – يُشقي الإنسان حقّاً. ولقد قال إبليس لنبي الله آدم(ع): "أتحب أن لا تفقد هذه الأشياء؟"، وهكذا خدعه.
  • التحايل على جدنا آدم(ع) نجده في حياتنا نحن أيضاً. ولهذا التحايل ركنان؛ الثاني - وفقاً لما نقلَه بعض المفسرين - احتمالي ولا يهمنا. أما ركنه الأول، وهو القطعي، فهو قول إبليس لآدم(ع): "أتود الاحتفاظ بهذه الأمور التي تملكها؟" والله عزّ وجل ينقل هذه القصة بكل روعة إذ يقول: لقد قلت لآدم: هاهنا الجنة، فلا يُخرجَنَّك منها عدوُّك! «فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى» (طه/117). وهذه قصتنا نحن جميعاً.
  • ثم يقول تعالى: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى» (طه/118 و119)؛ إنك في الجنة لا تجوع، ولا تعطش، ولا تَعرَى، ولا تحمَى، ولا تبرُد.. إنك تملك فيها كل شيء! يقول الله سبحانه وتعالى كل هذا لآدم ويُذكّره به مع أن آدم(ع) هو في الجنة وهو يعلم بهذه الأمور.
  • ثم يقول: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى» (طه/120) لكي تحتفظ بكل هذا؟ أي إن الله تبارك وتعالى قال لآدم: احترس من أن يدفعك ما تملك إلى الشقاء والسقوط!
  • أما سمعتم مقولة: "لا تغتر بضخامة جسمك، لا تغتر بممتلكاتك". فلقد اغتر آدم بما يملك! أساساً لم يَكُ في نية أحدٍ سلبُه إيّاها. فكيف خدعه الشيطان إذاً؟ قال له: "أتود أن لا يأخذوا هذه منك؟" فانخدع آدم(ع).
  • فماذا يقول لنا الله في شأن الجهاد؟ يقول: "هلّا أعطيتني روحَك!" لكن أبا أجدادنا (آدم) لم يُطلَب منه بذل النفس، بل غُرِّر به لمجرد أنه أراد الاحتفاظ بما يملك! ومن ثم يريد الله تعالى، منا نحن، أخْذَ أرواحنا! هناك خشيَ آدمُ(ع) أن يفقد ممتلكاته، فانخدع! أَوَتخشى أنت أيضاً أن تفقد روحك؟! لا تخَف! يروى عن أمير المؤمنين(ع) ما مضمونه: إذا جاهدتَ لا ينقُص عمرك. فإن انقضى عمرُك تموت – على حد قول القرآن الكريم – حتى ولو كنت في بيتك! «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة» (النساء/78)، «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم» (آل عمران/154).

 

ستنكشف مساوئُك إن لم تكن من المقايضين!

  • ماذا حصل عندما أكلا (آدم وحواء) من الشجرة؟ يقول تعالى: «فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا» (طه/121)؛ أي انكشفت مساوئهما! فإن لم تكن من المقايضين فستبدو مساوئك! وهذه المساوئ هي الكلام ذاته الذي يدور على الألسن؛ من أنّ فلاناً حسود، وهذا مغرور، وذاك متكبر، ...الخ. فإن لم تكن في هذه الدنيا مبسوط اليد، وكنت مُمسكاً، وغير مستعد للتقايض فإنك ستشقى.
  • كم هي مهمة وجوهرية هذه الميزة! وقد لمسنا أهميتها في قصة نبي الله آدم(ع). ولنتلو الآن بضع آيات من القرآن الكريم. يقول تعالى: «إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً» (المعارج/19)؛ أي خُلق حريصاً، يريد الاستحواذ على كل شيء. ولا بأس إن أراد الاستحواذ على كل شيء بشكل سليم. لكنه تعالى يقول: إنه يفعل ذلك بشكل سيّئ، وسوؤه يكمن في أنه: «إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً» (المعارج/20)؛ فحين أريدُ أن آخذَ منه شيئاً يجزَع، حتى وإن أردتُ منحَه شيئاً أفضل مكانَه، ويقول: "يا ويلي، لا أريد، ..."، بالضبط كجزع الطفل وتصرّفه الصبياني حين نريد أخْذَ شيء منه.
  • ثم يقول عز وجل: «وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» (المعارج/21). فإن أعطيتَ هذا الطفل لعبة، أفَتَراه سيُعيدها لك؟! سيقول: "لا، أريد الاحتفاظ بها!" ما هذه التصرفات الصبيانية يا صغير؟! هذه الآيات الثلاث هي في غاية الأنثروبولوجيّة وتستحق جداً الوقوف عندها طويلاً.

 

الإنسان ضيّق الأفق وهو مخلوق عجيب!

  • ولكي تدركوا عمق الفاجعة سأتلو عليكم آية أخرى. يقول جل وعلا: «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي» (الإسراء/100)؛ فلو كنتم، أيها البشر الذين أعرفهم، تملكون خزائن رحمة رب العالمين، ثم قيل لكم: "أنفقوا"، لا تنفقون؛ «إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ». أيها الإنسان، أنت هكذا، تخاف أن تنفق!
  • أيها الإنسان، لو كنتَ تملك رحمة ربك جميعاً، لما كنت على استعداد لإنفاق ولو واحدة منها. ثم يقول تعالى: «وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً»؛ إنه على هذا المستوى من ضيق الأفق! يحتفظ بالشيء، لا يتركه. كم سيكون نزْعُ الروح صعب على أمثال هؤلاء! فهذا الإحسان والعطاء وبسط اليد، الذي يظلّ المرءُ العمرَ كلَّه يتمرّن عليه بالبلاء والتكليف وما إليهما، إنما هو من أجل هذه اللحظة الأخيرة حيث سيأخذون منك روحك. فلنسأل الله تعالى أن يجعلنا محبين لبذل النفس له، محبين للعطاء، محبين للمقايضة، محبين للتجارة.

 

إن تطمَع بابتسامة الله فعليك بالعطاء...

  • قد نسمع في الخطاب العرفاني العاشق قولهم: "عبادة التُجّار ليست راقية"، لكن لا يدفعنّك هذا أبداً إلى الظن بأن العبادة عن حب هي غير العبادة للاتّجار؛ فالمُحِبّ هو الآخر يتاجر مع الله عز وجل؛ كل ما في الأمر هو أنّ تَدَنّي مستوى التجارة أمر سيئ. فإن كانت التجارة على مستوى عالٍ فهي جيدة جداً. الإمام الحسين(ع) كان قد طلب ابتسامة ربه! فقال له الله: إن أردتَ أن أتبسّم لك فعليك بالعطاء... فأعطى الحسين(ع) حبيبه علي الأكبر، وفلذة كبده عبد الله الرضيع...
  • يقول تعالى: أتريد ابتسامتي؟ طيّب، سآخذ منك أشياء. ولقد أخذ الله من الحسين(ع) أشياء لا يأخذها من أحد قط. بل حتى لنبيّه إبراهيم(ع) فإنه تعالى قال: يكفي هذا، انهض، فلن آخذ منك إسماعيلك. فحسبُك أنك صرتَ مستعداً للعطاء.
  • ولقد عرف العزيز الحاج سليماني أن الله لا يأخذ من أحدٍ شيئاً بهذه البساطة، ولهذا كان يَضِجّ بالبكاء طلباً للشهادة قائلاً: "إلهي، خُذ منّي...".

 

مَن لا يتاجر مع الله سيفقد ما احتفظ به بطرق أخرى!

  • لقد بُيِّن معنى التحفّظ في عبارة في القرآن الكريم بكثير من الشدة والمرارة والمهانة! سأشير هنا إلى هذه الآية مجرد إشارة ولتذهبوا بأنفسكم وتدرسوا الآية بدقة؛ يقول تعالى: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ» (التوبة/81)؛ أي: الذين لم يرافقوا رسول الله(ص) إلى الجهاد كانوا فرحين بأنهم قعدوا وأن رسول الله(ص) قد توجّه إلى الجهاد من دونهم! ما الذي تريد الاحتفاظ به يا تعيس؟! لقد أُخرج آدم(ع) من الجنة لهذا السبب بالذات، وهو أنه أراد الاحتفاظ بما يملك، فحدث ما حدث خشيةً منه لئلا نأخذها منه. ثم يقول تعالى: «وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي‏ سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون»؛ قالوا: لا تخرجوا للجهاد فالجو حار. قال لهم: ألا إنّ جهنّم أشد حراً! لِمَ لا تتاجرون؟ لماذا لا تقايضونني؟
  • ويقول تعالى في موضع آخر: «إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُور» (فاطر/29)؛ أي: إن الذين يبغون العطاء لله والتقايض معه ويريدون أن ينفقوا في سبيله إنما يسعون وراء تجارة لا خسارة فيها.
  • لاحظوا كيف يُثني الله سبحانه وتعالى على أهل البيت(ع)؟ حين طرق بابهم مسكين ويتيم وأسير وهم جلوس على مائدة الإفطار على وشك تناول رغيف الخبز أعطوا خبزهم للسائل. هؤلاء كانوا في أعلى درجات الاستعداد؛ بل «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه‏»؛ إنهم يُتاجرون بعشق! آدم(ع) سقط مخافة أن يُفرّط بما لديه. بالطبع لقد تاب بعد ذلك، وقد قَبِل الله عزّ وجل توبته.

 

أيمكننا العطاء عن حب؟

  • لقد طرحنا إلى الآن ثلاثة مواضيع؛ أوّلاً: لا تخشَ أن يأخذوا منك شيئاً، إذ سيأخذونه منك لا محالة. فعن أمير المؤمنين(ع) إنك لا تنال نعمة إلا ويأخذون منك إزاءَها أخرى.
  • ثانياً: إنهم، بهذه المقايضة، يمرّنوننا لكي يأخذوا منا أرواحنا ساعة الموت وينظروا ماذا سنفعل حينها! فإنْ تكُن، في تلك الساعة، رائعاً يغفروا لك جميع ما فات من سيئاتك وقبائحك. وثالثاً: إنه شهر مُحرَّم وشهر الشهادة ...الخ وقد جئنا لنرى أيمكننا أن نعطي عن حب؟ أيمكننا أن نعطي ما يريدون أخذه منا عن حب؟

 

ما هو نقيض التحفّظ؟/ ماذا نصنع إن رغبنا في أن لا نكون متحفّظين مُمسكين؟

  • ما هو نقيض التحفظ؟ لقد تحدثت إلى الآن عن نصف المنعطف واجتيازه وما زلنا لم نجتزه كله. ما الذي يجعل الإنسان، وهو المريد لكل شيء، يتوقف؟ حينما لا يشاء إعطاء الأشياء التي يملكها والتخلي عنها، هذا مع أنها ستؤخذ منه. هذا وإنك لتَعلَم ما الذي يصنع الله لك مع كل شيء تمنحه في سبيله؛ إنه سيفعل الأفاعيل!
  • ما الذي علينا فعله لنتجنب الإمساك، ونتفادى التحفظ، ونكون من المتاجرين؟ سأتحدث عن هذا الموضوع في المجلس التالي. ولماذا الدنيا هكذا أساساً؟ سنتحدث معاً أيضاً عن فلسفة هذه الـ"لماذا".

 

لقد قدّمَ الإمام الحسين(ع) ألوان عطائه عن حب...

  • لقد قدّم الإمام الحسين(ع) كل ما لديه من عطاء، فما كان أصعب ألوان عطائه؟ لعل أصعب ألوان عطائه، كما يقال، كانت لحظة رأى، بعد وداع النسوة والعيال، أنّ ذا الجناح لا يتحرك. "إلهي، ما الذي حصل؟" فالتفت وإذا بسُكَينة الحبيبة تقف في طريق أبيها!
  • لستُ قادراً على التوضيح. أسأل الله أن لا تضطر أبداً لترك ابنتِك في الصحراء وترحل! فما الذي قالته هذه البنت للحسين(ع)؟ قالت: أَبتِ، تريد الرحيل؟ لا بأس، لكن أَعِدنا أولاً إلى المدينة ثم اذهب...

تعليق