الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۰۷/۰۱ چاپ
 

ما هو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟(المحاضرة18)

تعالوا نطلق في العالم تياراً من أجل "حس العبادة" یفوق "الحملة" / ليس حِسّ العبادة مجرّد اعتقاد بالله وحمده تعالى، بل هو إحساس بالحاجة إلى طاعته/ يقول البعض بلسان إبليسي: "اِحمَد الله، لكن لا تُطِعه!"

  • المكان: طهران، مسجد الإمام الصادق(ع)
  • الزمان: 23/أيار/2019 ـ 17/رمضان/1440
  • الموضوع: ماهو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟

حينما يكون الله نفسُه هو الهدف الأسمى والمقام الأعلى الذي من مقدور المرء الوصول إليه والاستمتاع به فسينتاب الأخير حماس واضطراب خاص تجاهه، ثم يطرأ عليه تحوُّل  إيجابي وهو "استيقاظ حسّ العبادة"! حين يلتفت المرء إلى الله يستيقظ عنده شعور أنه: "إلهي، أريد أن أعبدك.. أن أطيعك".

 

ما التحوّل الإيجابي الذي يحصل لروح الإنسان الذي يقطع طريق المئة عام في ليلة واحدة؟

  • يقطع البعض طريق المئة عام في ليلة واحدة. كما تطرأ على البعض الآخر يقظة في لحظةٍ ما، كأن تكون في إثر حادثة أليمة. ولربما صَحا قلبُ إنسان ووجدَ الطريق السالكة على أثر أضألِ تعليمٍ للدين، أو نتيجة أضعف أسلوب لبيان المعارف الدينية. من هنا تلاحظون أن هذه الأساليب الشائعة، وأحياناً الهزيلة، في تقديم الدين قد أيقظت الكثير وأوصلتهم إلى ذُرى الشهادة والقرب من الله عزّ وجلّ.
  • ما الذي يحصل لأولئك الذين يستغلّون أضأل الفرص فيتيقّظون؟ ونريد في محاضرة الليلة التحدث عن هذا التحوّل الإيجابي؛ التحوّل نفسه الذي نصبو إلى حدوثه بعد كل ما قدّمناه في المحاضرات الفائتة من مباحث تحضيرية. أي إذا عاش الإنسان حياة سليمة وامتلك شخصية مُتّزِنة فلا بد أن يطرأ عليه هذا التحوّل الإيجابي ذاتُه؛ التحوّل الذي يحصل للبعض في ظروف خاصة فتطرأ عليهم، في لحظة ما، صحوة من دون اجتياز هذه المقدمات.
  • إذا حصل هذا التحوّل الإيجابي لشخص ما فإنه سيدرك معنى المعصية، ويصبح متحفّظاً تجاهها، ويصير من المتقين ومن أهل التوبة والاستغفار، ويعيش حياة في قمة الحلاوة، والإثارة، والروحانية، والنورانية، والمتعة. بل ما "التربية الصالحة" إلا تهيئة المُمَهّدات لحصول هذا التحوّل الإيجابي! وإنّ من أضأل فوائد هذا التحوّل هو تحسُّن أخلاق صاحبه.

 

ما التحوّل الذي ينبغي أن يطرأ علينا كي نحدد موقفنا من "أسمى هدف"؟

  • ما هو هذا التحوّل الإيجابي؟ إنه استيقاظُ باعثٍ غريزي، لكنه صامت وخفي، في كيان الإنسان يحدّد له موقفه من أسمى هدف يمكنه أن يضعه لنفسه في حياته.
  • يقول أحد علماء النفس، ويُدعى كولمان، حول "الهدف": "إذا سُئل طفل: لماذا بعض الأحجار حادّة الطرف؟ أجاب: كي لا يجلس عليها أحد!" ويخرج من هذا الأمر بنتيجة مفادها: "أنّ الأطفال، منذ نعومة أظفارهم، يفتّشون عن هدف لكل شيء". ويقول علماء نفس آخرون: "منذ سنّ الثالثة يتصوّر الإنسان هدفاً لكل ظاهرة".
  • يقول السيد كولمان: "إنه لأمر غريزي أن نرى كلَّ شيء في هذا العالم هادفاً". وتُثبت الأبحاث أن الكبار يفتشون دائماً عن معنى في الحياة (والمعنى يعني الهدف النهائي الذي ينبغي أن يكون لحياتنا).
  • ذكرنا في المحاضرة الفائتة أننا إن كنا من الممنهجين لحياتنا فإنّ هذه المنهجَة ستجعلنا ممَّن ينظر إلى الأهداف بشفافية، ومن ثم نسعى – شيئاً فشيئاً – لتحقيق أسمى هدف. وأننا إن كنا طُلّاب منفعة، فسنفتّش عن أقصى منفعة. ولا يمكن أن يكون أسمى هدف للإنسان سوى الله سبحانه وتعالى!

 

التحوّل الإيجابي الذي ينبغي طروؤه علينا جميعاً هو "استيقاظ حِسّ العبادة"!

  • إذا "التفتَ" الإنسان إلى هذا الإله قليلاً "وآمن" به بعض الشيء فسيحصل له تحوُّل إيجابي؛ أي سيستيقظ في كيانه حِسّ، وستنشط في وجوده غريزة تُحدِث انقلاباً في حياته. هذا الحِسّ سيدفعك إلى القول: "أيها الهدف العالي، إنّ صِلَتي بك تختلف عن صِلَتي بباقي أهدافي في الحياة!" فلو كان هدفك تحصيل شهادة الدكتوراه مثلاً فليس في مقدور هدفٍ كهذا أن يُلهبَ كيانك! أما إذا كان هدفُك اللهَ عزّ وجلّ، فإن حدَثاً آخر سيحدث.
  • إذا كان الهدف الأسمى والمقام الأعلى الذي يتسنّى للمرء بلوغُه والاستمتاع به هو الله جلّ شأنه، فسيجتاح هذا الإنسان حماسٌ واضطراب خاص تجاه هذا الهدف، ومن ثم سيطرأ عليه هذا التحوّل الإيجابي؛ ألا وهو استيقاظ حس العبادة!

 

ليس حسّ عبادة الله مجرّد اعتقاد بالله وحمده، بل هو إحساس بالحاجة إلى طاعته

  • على أن حس العبادة لا يقتصر على أن نؤمن بالله تعالى ونحمده، بل هو حقيقة تعلو على الاعتقاد برب العالمين، أو حبه، والثناء عليه. حس العبادة يعني إحساس الحاجة إلى طاعة الله وامتثالِ أمرِه.
  • إذا التفت الإنسان إلى ربه صَحَا في كيانه حِسٌّ هو حس العبادة، أو ما يُدعى بغريزة العبادة! وهو قوله: "إلهي، أريد أن أعبدك، أحب أن أطيعك، أريد أن أكون لك، أريد أن تكون مالِكي، أودّ لو أكون عبدَك، ومتعلّقاً بك..." وبالتدريج سيكون جُلّ ما يتمناه المرء هو امتثال أمر الله! وما هذا بطقس يؤدَّى، بل هي غريزة.. هو إحساس باطني وفطري!

 

الهدف من بناء شخصية مُتّزنة للبشر هو استيقاظ "حس العبادة" فيهم

  • الذين يطوُون طريق المئة عام في ليلة، أو الذين تنقلب حالُهم ويحصل عندهم تحوُّل في لحظة إنما يستيقظ لديهم هذا الحس فجأة، وهو أنه: "إلهي، أحب أن أعبدك!"
  • يطوي البعض طريق المئة عام في ليلة واحدة ما إن تتحدث معهم عن الله تعالى، من دون أن يكونوا قد اجتازوا المراحل التحضيرية للاقتناع بالتديُّن! فبمجرّد أن تقول له: "الله موجود" يقول: "ثمة في داخلي حس يقول لي بأني أريد أن أعبد هذا الإله! هل يُمكن أن أطيعه؟ وهل وجَّهَ إلَيَّ أمراً؟" وهذا حس ينبغي أن يستيقظ في أعماق الإنسان.
  • نِيّتُنا بناءَ شخصية مُتَّزنة للبشر ما هي، في الواقع، إلا لأجل استيقاظ هذا الحس بالذات. ونيّة صاحب الزمان(عج) الظهورَ ليبسط العدل ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً وسَكينةً وأمْناً ما هي إلا لأجل صحوة هذا الحس القائل: "إلهي، أريد أن أطيعك، أريد أن أجيبك: سمعاً وطاعة! أُحبّ أن توجّه إلَيَّ أمراً!"
  • والآن ماذا سيحصل إنْ صَحا حس العبادة هذا فينا؟ سيظهر صاحب الزمان(عج)! لأن صاحب الزمان(ع) لا يأمُرُ إلّا المؤتمِرَ بأمر الله الطائع له!

 

تعالوا نطلق في العالم تيّاراً أوسع من مجرّد حملة اسمه "حِسّ العبادة"!

  • يرفع بعض التعساء شعاراً فيه فناء فطرتهم وهو: "لا نريد طاعةَ أمرِ الله!" فإن كان الأمر كذلك، فلماذا لا يرفع المستيقظون شعارَ: "إلهي، أريد أن أعبدك، أريد أن أطرق كلَّ بابٍ بحثاً عن أوامرك لأُنفّذها.. هذه أمنيتي.. مُرني ولا تحرمني من أوامرك!"
  • تعالوا نطلق في العالَم لهذا التحوّل الإيجابي تيّاراً أوسع من مجرّد حملة، وننادي به بأعلى أصواتنا؛ فلنعمل أصناف الهاشتاغات، ونُلهب الأجواء في الأنترنيت، ونُعلن أنفسَنا أعضاءَ في تيار هذا التحوّل الإيجابي وحزبه ونحيا به.. نمارس لأجله نشاطات ثقافية، ونحدد في ظله نمطاً للحياة.. نُنشِد فيه الأناشيد، ونُؤسِّس له المدارس.
  • هلُمّوا ننتمي إلى الفرقة الناجية؛ فرقة الذين يحبّون تنفيذ أمر الله، ويرونَ حاجتهم فيه. من الذين يريدون أن يعبدوا الله عبادة العبيد. لقد شُكّلتْ في هذا العالم فِرَق جَمَّة؛ إذ يودّ البعض (من الرجال) أن يسير على الأربع كالكلب مُسَلِّماً سلسلة طَوقه بيد امرأة (أو تسلّم امرأة سلسلة طوقها بيد رجل). هذا نمط من الفِرَق الصغيرة الموجودة!
  • ورفعَ البعضُ الآخر راية عصيان الدين، بل عصيان الثقافة. أو عصيان كل ما يراه الناس في العادة حسناً! فالناس، على سبيل المثال، تكره الملابس المُمزَّقة وتدعو إلى "ارتداء الملابس الأنيقة"، وإذا بالبعض يتمرّد على هذه الأمور أيضاً؛ أي يُشيع التمرّد على الثقافة، وعلى التقاليد، وعلى كل ما يُقِرّه ضمير البشر وأخلاقهم! حسنٌ، لماذا لا تُشيعون أنتم ثقافة إطاعة الله يا ترى؟!

 

ارفعوا في العالم راية للتعريف "بحزب العبادة"

  • من الضروري أن تنبري في العالم جماعةٌ لرفع رايةِ حزبٍ اسمه "حزب العبادة" أو "حزب العبودية" ويُعلنَ أعضاؤها انتماءهم لهذا الحزب وينادوا بذلك بكل فخر. إذا استيقظت هذه الغريزة وهذا الحس فيك فنادِ به وقل: "أيها المُنساق إلى شهوتك، أنت مَيّال إلى الشهوات، وأنا بدوري أُعلن عمّا أميل إليه، أنا الآخر أُشبِع مَيليَ الباطني؛ غاية مُنيَتي هي أن أعبده (الله)، أن أطيعه..." اصرخوا بهذا الفكر، وسترون ما سيحصل في العالم!
  • لقد جعلَ الله تعالى لهذه "الفرقة الناجية" منهاجاً؛ مثلاً منهاج صلاة الجماعة! تعالوا وأَقحِموا أنفسكم في هذه الصفوف ثلاث مرات في اليوم لتعلنوا ذلك للجميع. هُبّوا أنتم أيضاً لمواجهة مَن يعصون الله تعالى؛ قولوا: "أنا مطيعٌ لله". إذ تختلف قضيّة الصلاة عن الكثير من الأعمال الصالحة الأخرى (مثل التخلّق بالأخلاق الحميدة)؛ لأنك في الصلاة تعلن أنك تعبد أحداً.. أنك تنفّذ أمراً؛ أي إنك ترفع راية العبادة! ولهذا فإن قيمة الصلاة فُراداً لا ترقى أبداً إلى قيمتها جماعة. فالصلاة راية، والراية لا تُرفع في حُجرةٍ في منزل!
  • علينا أن نطلق في هذا العالم تياراً، وننادي وسط البشرية بصوتٍ عالٍ أنْ: "نريد أن نطيع الله. لا نريد أن نؤمن به وحسب، لا نريد أن نطرُق بابَه ونستَعطيه عندما تعضّنا الحاجة فقط، بل نريد أن نقول له: سمعاً وطاعة.. إننا نفتّش عن أوامره".
  •  

المُمنهِج لحياته يستيقظ عنده حس العبادة شيئاً فشيئاً

  • الحقّ أنّ حسّ العبادة هذا غريزة في الإنسان تَحدَّث عنها علماء النفس أيضاً، وقد تستيقظ هذه الغريزة في لحظة ما.
  • لماذا ندعو إلى أن يكون الإنسان ذا منهج في حياته؟ لأجل أنْ تصحو هذه الغريزة فيه. فالتزام المنهج يضيّق الخناق على الهوى بعض الشيء حتّى ليُمكن، بعد ذلك، التحدُّث إلى هذا الشخص ببعض الكلام المفيد! لماذا نوصي بضرورة أن يكون الإنسان طالباً للنفع وفارّاً من الضرر؟ لأنه إذا طالبَ بمنافعه، ومن ثم – تدريجيّاً - بمنافعه الراقية، فسيتبادر إلى ذهنه السؤال الراقي جداً: "ثُمّ ماذا؟" لماذا يتحتّم على الإنسان أن يعرف قيود الدنيا، ويدرك أنّ الدنيا مليئة بالقيود؟ من أجل أن تسكُن نفسُه ولا يجزع أمام هذه القيود، فإن هدَأَ وسكنتْ نفسُه أمكنَ للتو التحدث إليه بالقول: "إنك لم تُولَد في هذه الدنيا لتُحَلَّ مشاكلُك، هذه المشكلات قائمة! قد تنقص وقد تزيد، لكنها لا تزول! دعكَ من هذه المشاكل وانظر لأيّ شيء خُلِقتَ؟"
  • لماذا يجب على الإنسان أن يحدّد لحياته هدفاً، بل وأرقى هدف؟ وما هو أرقى الأهداف؟ إنه الهدف الذي يُلهبُني، ويثير فيَّ العشقَ والاضطراب، وكلما أطلتُ التفكير فيه أحرَقَني أكثر بنار الحب! وليس ذلك الهدف الذي إنْ تصوّرتُ بلوغَه كان بوسعي أن أتساءل: "وماذا بعد؟" حتى الجنة التي وعدَ الله هي من هذا القبيل، إذ يمكنني أن أتساءل: "وماذا بعدها؟" والجواب هو: "بعدها الله نفسُه!"

 

ما إن يستيقظ حس العبادة فيك حتى تفتّش عن "أمرِ الله"

  • حين يكون الله نفسُه هو هدف الإنسان، وحين يهتمّ الأخير بهذا الهدف السامي يتولّد في داخله شعور أنه: "إلهي، أريد أن أعبدك! إلهي، هذا الحسّ كان مفقوداً، لكن ما إن لقيتك حتى استيقظ في داخلي! فإني إن صادفتُ زهرة قلتُ: ما أرَقَّها وأجملها! ما أطيب رائحتها! من الجميل أن أشُمّها! وإن وجدتُ طعاماً لذيذاً وأحسستُ بالجوع قلتُ: ما أحسن أن أتناول هذا الطعام! وإذا رأيتُ ماءً عذباً تذكّرتُ عطشي فقلتُ: من الأفضل أن أشربه! ..الخ. لكنني، يا ربِّ، ما إن رأيتُك قلتُ: ما أجمل أن أعبدك! أن تأمرني فأرُدّ: سمعاً وطاعة!"
  • إذا صحا حس العبادة في كيانك ستخاطب ربك: "إلهي، ما الأمر الذي تودّ توجيهه إليَّ؟" وإنّ الله سبحانه، وبباعثِ رحمتِه ولُطفِه، لم يدَعْ هذا الطلب الغريزي من دون استجابة، فوجّه لعبده الأوامر، لأنه يعلم ماذا يريد عبدُه!

 

ما الشعور الذي يستيقظ في الشخص النفعيّ إذا وصل إلى الله؟

  • ما الحس الذي لا بد أن يستيقظ عند الإنسان النفعي إذا فكَّ أسرَه من نير العبودية للأغيار ووصلَ إلى الله عزّ وجلّ؟ إنه الحس القائل: "إلهي، كنتُ حرّاً قبل أن أعرفَك، أَصرخُ بوجه كلّ مَن يحاول استعبادي، أما الآن فأودّ أن أكون عبدَك!"
  • ليس الله عزّ وجلّ خالقَنا وحسب، وما علاقتنا به مجرّد علاقة استرزاق واستعانة! وهل نحن نَمْل؟ النَمْل والحيوانات تستمدّ من الله العون وتسترزقه وحسب. جميع الحيوانات محتاجة إلى الاسترزاق من ربها. أما البشر فإنّ حسّاً آخر، يختلف عمّا تستشعره الحيوانات، يجتاحهم إذا وصلوا إلى الله، وهو حس العبادة.
  • بل إن البشر إذا وصلوا إلى الله تعالى لا يسبّحوه وحسب. يشير الله عزّ وجلّ في كتابه إلى أنه ليس من الإنجاز أنْ تسبّحَني، فالسماوات والأرض كلّها تسبّحُني: «يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض» (الحشر/24)؛ أن تُثني عليَّ وتسبّحَني فهذا ليس إنجازك أنت وحدك؛ وإلّا فما فرقُك عن الحيوانات والنباتات والجمادات؟!

 

إلهي، أريد أن أطيعك طاعة العبد لمولاه!

  • إن كنتَ متيقّظ القلب أو صحَا قلبُك يوماً فعرفتني فسيستيقظ في أعماقك هذا الحس الغريب، ويحصل لك هذا التحوّل الإيجابي وهو أنه: "إلهي، أريد أن أطيعك طاعةَ العبد لمولاه! لا طاعةَ السائق لشرطي المرور، ولا طاعةَ التلميذ لمعلّمه ولمعاون مدير المدرسة، بل هي فوق هذه الأصناف من الطاعة. أريدك أن تكون مالِكي ومَن بيده أمري!
  • العبد لا يكون مالكَ أمر نفسه أبداً! ولهذا يخاطب ربه: "إلهي، ماذا أصنع عند بزوغ الفجر؟" "صَلِّ ركعتين". "وكيف أُصَلّي؟" "توضّأ، وأقِم للصلاة". "ثم ماذا؟" "اتلُ الذِكْر". "وماذا بعد؟" "لا آمرُك بشيء!" "لكن إلهي، إن لم تأمرني هلكتُ!" "حسنٌ، اسعَ في كسب رزقك!" بل إن العبد لا يقدر أبداً على العيش من دون أوامر مولاه.
  • إذا تهيّأتْ هذه الممهّدات في شخصية الإنسان يستيقظ في داخله الحس القائل: "إلهي، أريد أن أعبدك، وإنّ عبادتك في طاعتك!"

 

ما إن تعرف مَن الذي خلقك حتى تود أن تكون عبده!

  • تعالوا نطلق لأنفسنا تيّاراً! هلمّوا ننتمي إلى دينٍ أو فِرقة؛ الدين أو الفرقة القائمَين الآن فعلاً؛ وهي "العبودية لله"؛ وهو ما يدعو القرآن الكريم إليه تحديداً: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم» (البقرة/21)؛ أي إن سبب وجود هذا الحس في داخلكم هو أن الله قد خلقكم. بمعنى أنه إن كانت فطرتك يقِظة فما إن تعرف مَن خالقُك حتى تودّ لو تكون عبده!
  • لا بد لكل مَن لم يَصحُ هذا الشعورُ في أعماقه أن يراجع "محلّلاً نفسانيّاً"! وماذا يصنع المحلّل النفسي؟ إنه يُنقِّب في أنفسنا عن العُقَد ليعرف حين يجدها: "أين مَكمَن مشكلتُنا؟ لماذا نحن ضَجِرون؟ ما سبب الخلل الفلاني فينا؟ ولِمَ نحن متوتّرون عصبيّاً؟ ...الخ" يا حبّذا لو كان هناك مَن يفتّش في كلّ واحدٍ منا، بطريق التحليل النفسي، عن سبب هذه العقدة الروحية، وهي أنه "لماذا لم يستيقظ فيك حس العبادة؟ لماذا لم تنشغل بالعبودية له وحده دون غيره؟ لماذا لم يتّجه ولعُك هذا التوجّه؟"

 

انظر ماذا يصنع الله تعالى لإيقاظ حس العبودية هذا فينا!

  • انظر ماذا يصنع الله تعالى لإيقاظ حس العبودية هذا فينا! لقد جعلَ لنا الجنّة تشويقاً، والنار تنبيهاً! جعلَ في الحياةِ الموتَ والآلام. إنّ فلسفة كل ما في حياة البشر من مقدَّرات صعبة هي أن نستشعر يقظة هذا الحس في داخلنا، لكننا نطرق باب الله تعالى على الدوام طالبين إليه: "إلهي، عالج لي مشكلتي هذه!" فيخاطبنا الله: "فإن عالجتُها لك، ألا تعود ثمّة حاجة أخرى عندك؟! هذه المشكلة أنا مَن خلقَها لك! الآن، إذ قصدتَني لتخاطبني، ألم يَصْحُ فيك أيُّ إحساس آخر؟!"
  • يُمسك الله تبارك وتعالى أحياناً عن قضاء حاجة عبده ليرى أيَصحو حس العبادة هذا فيه أم لا؟ وقد يقضي له حاجته ويحلّ عقدته سريعاً قائلاً له: "حسنٌ، أتريد الآن أن تعبُدني أم لا؟" ولربما زادَ عليه نعمتَين أُخريَين ليُريح بالَه، ثم يقول له: "والآن! ألا تأتيني فتعبدني؟!"

 

إذا استيقظ حسّ العبادة صار للذنب معنىً أيضاً

  • إنّ هذا أساساً هو الهدف من خلقتنا: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات/56). إذ يريد الله تعالى أن يصحو هذا الحس الإيجابي فينا. فإنْ صحا هذا الحس، وصل الإنسان إلى مرحلة الذنب؛ والذنب يعني خطابي لربي: "إلهي، لَم أُطِعْك!" حينذاك حتى لو قال الله تعالى: "لا بأس عليك يا عبدي..." يقول العبد: "إلهي، لماذا لا بأس عليَّ؟ بل هناك بأس كبير!"
  • وهكذا هم أولياء الله؛ ألا وإنّهم لا يذنبون، بل وقيل إنهم "لا يتركون الأَوْلى" أيضاً، غير أنّ أموراً تطرأ عليهم هي بالتأكيد غير مريحة لهم، وهم إنما يبكون ويضجّون بالشكوى ويستشعرون كل هذا الحياء بسبب هذه الأمور بالذات!

 

تعالوا نجعل من العبودية ثقافة لنا وننادي بها باعتزاز!

  • إنّنا نريد أن نطلق تيّاراً، ونحوّله إلى ثقافة. بالطبع ثقافة متأصّلة فينا، لا ثقافة وتقليد كتقليد "السِّيزْدَه بِدَر" (عيد الطبيعة لدى الإيرانيين)! فإن لم يمارس امرؤٌ (إيراني) تقليد "السِّيزْدَه بِدَر" فإنه لا يُهلك نفسه بالنحيب، بل يقول، مثلاً: "طيّب، هذا العام طرأ طارئ فلم نستطع إقامة السِّيزْدَه بِدَر..."
  • نحن نريد تحويل هذا الدين وهذا الحسّ العبادي فينا إلى ثقافة متأصّلة؛ ثقافة ننادي بظاهرها بأعلى أصواتنا، أمّا طبقاتها الباطنية فتُلهِب في أعماق أنفُسنا حُبّاً ضارياً وتُضرم في دواخلنا ناراً مُستعرة!
  • نريد أن نصنع ثقافة فننادي: "إنّنا عَبَدةُ الله! إنّنا مُطيعو الله!" علينا أن ننادي بهذا باعتزاز، ومن شأن ندائنا هذا أن يوقظ القلوب ويُحدث في العالَم ضجّة! وحينذاك سيكشف أعداء العبودية عن أنفسهم رويداً رويداً. بالطبع الآن أيضاً تُشاهَد أصناف العِداء والبغضاء هذه. فأعداء البشرية، الذين يرومون أن ينصاع الإنسان إليهم، يصرّون على منعه من التوجّه نحو طاعة الله تعالى؛ لأنه إن أطاع الله عزّ وجلّ فسيرفض غيره ولا يرضخ لعدوّه!

 

لماذا يحجُب اللادينيّون أنفسَهم في دولة صاحب الزمان(عج)؟

  • عندذاك ستكتشف أنّ أصل قضية اللادين هي، في الحقيقة، مؤامرة سياسية؛ فالإنسان لا ينحو مَنحَى اللادين بهذه البساطة!
  • في دولة صاحب الزمان(ع) سوف لن يُخدَع أحدٌ من أجل أن يُسلَب دينَه ولا يُكرَه على ترك دينه. لكن سيكون كلّ امرئ حُرٌّ في ترك دينه. غير أنّه إذا ترك المرءُ دينَه فسوف يُخفي نفسَه ويحجُبها بنفسه! لماذا؟ لعلمه بأنّ اللادين شيء قبيح وأنّ الناس يستقبحون هذا النمط من الحياة. وعليه، فإنه على الرغم من حُرّية اللادين، تراه لا يُعلن عن لادينيّته لأنه لا يرغب في أن يكون حقيراً في أعيُن الناس. عندذاك سوف لا يرى غيرُ ذي الدين لنفسِه شأناً ولا يشمخ بأنفه؛ ذلك أنَّ غريزة العبادة قد صحَتْ عند الجميع وبات الكُلّ يعرف أن حس العبودية هذا حسٌّ في غاية الروعة ومدعاةٌ لأيّما فخر والجميع يَطرَب له. وتؤول الأمور إلى حيث تُصبح طاعةُ الله سبحانه وخشيتُه مثاراً للفخار؛ وهو قول الناس: "إني أحب أن أطيع الله، إني أخاف الله!"

 

غاية مغازلة الله لعبيده هي توجيهُه الأمر إليهم

  • إنّ حِسّ العبادة غرام! وإن غاية مغازلة الله عزّ وجلّ لعبيده ومنتهى ذوبان العبيد بحبّ ربّهم يكمُن في أن يوجّه اللهُ لعبدٍ أمراً. ولهذا فإنه تعالى يوجّه للنبي(ص) أوامر أكثر منّا؛ فقد أمَرَه مثلاً أنّ: "صلاة الليل عليك واجبة!" طوبى لرسول الله(ص)، كم قد تلقّى من الأوامر أكثر منا! على أنّ الله سبحانه قد صمّمَ لأوليائه أوامرَ أخرى لا نبلغها نحن إطلاقاً، لأننا لا نصبر عليها.
  • يقول رب العزة في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَا غَنِيٌ لَا أَفْتَقِرُ، أَطِعْنِي‏ فِيمَا أَمَرْتُكَ‏ أَجْعَلْكَ‏ غَنِيّاً لَا تَفْتَقِرُ. يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيّاً لَا تَمُوت» (عدة الداعي/ ص310).
  • في أيّ سنّ يستيقظ هذا الحس في الإنسان، وهو أن "يحب الإصغاء إلى الأوامر وامتثالها"؟ يجيب علماء النفس: منذ سِنّ السابعة! فلو أننا لم نُفسد أطفالنا لصَحا فيهم هذا الحس منذ السابعة من أعمارهم؛ فيبلغ هذا الحس الذروة في البنات في التاسعة من أعمارهنّ، وفي الأولاد في الرابعة عشرة؛ أي إنهم، في هذا العمر، سيحبّون أن يطيعوا أحداً.

 

يقول البعض بلسان إبليسي: "اِحمَد الله، لكن لا تُطِعْه!"

  • هل يرغب الإنسان في أن يطيع كلّ ما يحبّه؟ لا! فهو، مثلاً، يحب الطعام ويأكله. وهل يرغب المرء في أن يعبد كلّ ما يحبه؟ لا! فإنْ أحبّ عطراً، مثلاً، رغب في أن يشمّه؛ "كلٌّ بحسَبه". أما إذا عرف امرؤٌ اللهَ تعالى وأحبّه فسيحب أن يعبده ويطيعه. وهنا يبلغ البعضُ من التفنّن مبلغاً فيقول بلسان إبليسيّ: "تعال واعبد الله، وسبّحه.. اعترِف به، آمِن به، لكن لا تُطِعْه!" لاحظ ما الذي يصنعه الشيطان بأمثال هؤلاء! بل إنهم هم الأبالسة!
  • لا بدّ لحسّ العبادة أن يشتبك مع حسّ الحسد، ومع حسّ حبّ الدنيا – بأنواعه وأشكاله – وهذان لا يقوَيان على مجابهة ذاك، لأن حس العبادة أقوى بكثير. فشهر رمضان المبارك، ولا سيّما إذا كان في أيام الصيف، يمثّل ساعات مغازلة مع الله عزّ وجلّ؛ فإنك فيه تقول وأنت صائم: "إلهي، انظر كيف أعبدُك، كيف أطيعُك!" لذا يتعيّن القول لمن لا يصوم في شهر رمضان: "لكن ماذا عن حبّك للعبادة؟ ماذا عساك تصنع معه؟ ألا تتأذى حين لا تُشبع إحساسك هذا؟! ثم ماذا ستصنع مع روحك حينها؟"

 

يقول الله: أطعني أكُن أذُنَك وعينَك!

  • يُروَى عن رسول الله(ص) عن الله عزّ وجلّ: أنَّ عبدي إنْ أطاع أوامري فسأكون أذُنَه التي يسمع بها، وعينَه التي يُبصر بها، وسأكون لسانَه، ويدَه... : « وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا» (الكافي/ ج2/ ص352).
  • سُئل السيّد فَخْر الطهراني(ره) عن سبب امتناعه عن تناول بعض الأكلات بدعوى "أن فيها شُبْهَة" فقيل له: "كيف لك أن تعرف أنّ هذا الطعام قد اشتُرِي بمالٍ اختلَط ببعض الحرام؟" فقال: "الطعام نفسُه يقول لي: لا تأكلني! لماذا أنتم لا تلتفتون إلى ذلك؟!"
  • وهذه أيضاً من ثمار العبادة؛ فإنّ الإنسان إذا تقرّب من الله عزّ وجلّ يتفتّح سمعُه وبصرُه وينشط حسُّه. فهو يحظى بمثل هذه الفوائد ناهيك عن اشتياقه إلى بارئه، وناهيك عن حُبّه للطاعة، وعدم اكتراثه لأيّ شيء آخر، لأنه يودّ أن يُشبع غريزتَه العبادية؛ أو بتعبير أدق: يريد أن يُبرِز غريزةَ عبوديّته وكونَه مملوكاً. واللافت أن الله تعالى يهَب عبده هذه الفوائد في إثر عبوديّته، أمّا العبد الواصل إلى هذه المرحلة فيقول: "أنا لا أريد هذه الأمور، بل أريدك أنت...".

تعليق