الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۹/۰۸/۲۶ چاپ
 

أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع (المحاضرة5)

إننا قد نتعرّض لامتحان "المواساة" قبل الظهور/ إذا بَخِلنا وأمسكنا في امتحان المواساة فسنسقط

الهويّة:

  • الزمان: 04/محرم الحرام/1442 - 24/آب/2020
  • الموضوع: أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع
  • المكان: طهران، موكب "ميثاق با شهدا" (العهد مع الشهداء)

 

لا بد من تكرار المفاهيم المهمة بعد معرفتها لكي تترسخ جيداً في النفس

  • من الأمور التي يجب أن نُوليها اهتماماً كبيراً، سواء في عملية تزكية أنفسنا أو على مستوى تربية الآخرين (كالتلاميذ، والطلاب، والأبناء، ..الخ)، لكنها في مجتمعنا – مع الأسف - مُهمَلة إهمالاً كبيراً وتعصف بها أزمةُ فوضى واضطراب شديدة الضرر، هي أن ننظر: إلى أي مدى علينا التأكيد على كل مفهوم وتكراره، سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين؟
  • المفاهيم المهمة والاستراتيجية ليست للاطّلاع عليها فحسب، بل لا بد بعد الاطّلاع من تكرارها لكي ترسخ في النفس جيداً. لكن مثل هذه المفاهيم – أحياناً - لا يُطَّلَع عليها أيضاً. وسنطرح في هذه الليلة على حضراتكم بعض هذه المفاهيم، وهي مفاهيم في غاية الأهمية ويتحتم تكرارها في حياتنا بكثرة، وإلا لن نستطيع العيش عيشة سليمة.
     

إذا وقَفَ المرءُ على موطن اضطراره فسيهرول إلى الله

  • القضية الأخرى هي أننا أكثر ما نؤكد، في عملية التربية الدينية، على "الإيمان" بالله تعالى؛ فنبالغ في الإصرار على الناس أنْ: "آمِنوا.. أَسلِموا.. تديّنوا.." وتتكرر هذه الكلمة كثيراً في الأوساط الدينية بينما لا ينبغي تكرارها. نعم قد لا يكون مجرد قولِها مُضراً، لكن في تكرارها بكثرة أضراراً جَمّة. فعوضاً عن أن تقول لنفسك: "آمِن.. تديَّن، ..الخ" حدِّث نفسَك بما يجعلك تدرك أنك مُرغَم على التوجّه إلى الله عز وجل. خاطب ولَدك الشاب بما يجعله يتساءل: "إذن، ما الذي يجب عليَّ فعله؟" ثم يكتشف هو الجواب فيقول لنفسه: "عليَّ أن أتوجه  إلى الله، إنني بحاجة إلى هذا الأمر...". فالطفل إذا جاع اتجّهَ إلى أمه، وإنّ العبد أيضاً إذا استشعر الفقر والحاجة توجّه إلى ربه.
  • فلنحاول، عوضاً عن التأكيد على الإيمان بالله، أن نكتشف اضطرارَنا وفَقرَنا وفاقَتَنا إلى بارئنا. فإذا اكتشف الإنسان مَوطِن اضطراره توجّهَ إلى الله عز وجل. إن من الواجب علينا، أكثر من نُصح الغير بعبادة الله، أن نتكلّم مع الناس فيما يوقِفُهم على اضطرارهم ويُلجِئُهم إلى بارئهم. يجب أن نؤكد أكثر على هذه المسألة، وأن نتعلّم هذا الجانب من الدين. فإنّ سكوتنا المستمر عن مسألة اضطرار الإنسان في حياته الدنيا هو – بشكل من الأشكال – خيانة بحق النَشْء والجيل الشاب.
     

عدم لَمسِنا لاضطرارنا إلى الله هو الذي يقودنا إلى عدم الإيمان واللادين

  • الحقيقة هي أن الإنسان في الدنيا في معاناة. فلنُخبر الإنسان بهذه الحقيقة كي يصبح مضطَرّاً ويسأل: "إذن ماذا أفعل؟ وإلى مَن ألجأ؟ وكيف أُحَسِّن أوضاعي؟" وعندذاك سيعرف الحل لوحده حتى لو لم نقل له: "الله". لقد صِرنا، نحن معاشر البشر، نحس بالاستغناء الكاذب ولا نرى اضطرارنا إلى الله تعالى، ولهذا أصبحنا عديمي الإيمان ولادينيّين. وما هذا الكلام بذوقي الشخصي أنا، بل هو أول كلمات قالها الله جل وعلا في أول ليلة تكلم فيها إلى نبيه الكريم(ص): «كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغى‏ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى» (العقل/6و7)؛ فالإنسان يطغى إذ يرى نفسه مُستَغنياً.. فيا أيها النبي، اذهب إلى هؤلاء القوم الذين طغَوا.
  • إن أكثر الأسواق رواجاً في الفضاء الافتراضي هي سوق الألعاب! فلماذا يلعب الناس كل هذا اللعب؟ لأننا لم نُكَبِّر الأطفال في المدارس! إنهم لم ينضجوا. فبالمعاناة والآلام يُطبَخ الإنسان وينضج فيكُفّ عن اللعب والتفاهات؛ " قَلِّل طلَبَ الماءِ واستجلِب العطش/ فتتفجّرْ لك عيونُ الماء من كلّ حَدَبٍ وصَوب" (بيت شِعر). أَقنِعه أنه "مضطر إلى الله" واكشِف له اضطرارَه هذا، كي يقول: "فماذا أصنع إذن؟" ألا ترى كيف يتوجه المريض إلى المستشفى؟ وكيف يتوسل إلى الطبيب كي يفحصه؟ لأنه مضطر.. فالمسألة مسألة حياة أو موت. ولا بد لنا نحن أن نلمس اضطرارَنا أكثر من هؤلاء. هذه المقدمة الأولى.
     

اِلمَس رغبتَك في كل شيء، لا تقنع بالقليل!

  • كان موضوع بحثنا هو أننا نحب امتلاك كل شيء. فالمَس رغبتَك في كل شيء.. لا تقنع بالقليل. كلما رغبتَ في لذة اسأل نفسك: "ماذا يحصل بعد أن تنال هذه اللذة؟ عن أيِّ لذة أخرى ستفتّش إذا سئمتَ من هذه؟" لا تتشبّث بأيّ لذة أعمىً أصمَّ، تشبُّثَ المتسوّل، فإنك لن تكتفي بأي لذة.. إنك تتطلّب أشياء كثيرة جداً. الإنسان يطالب بأشياء كثيرة، إنه يريد كل شيء.. إنه يريد الأفضل والأرقى.. إنه حتى لو كان في أحسن الأحوال والظروف فسيضجر ويطالب بشيء آخر. هذا التفسير لطلب الكمال يجب أن يُعاد على الأسماع مراراً وتكراراً.
  • إن الأبوين ليخونان ولدَهما إذا قالا له: "متى ما صرتَ طبيباً أو مهندساً ستبلغ غاية المُنى"، وإن معلّم المدرسة ليُحطّم الطالب إن أخبره بأنك: "متى ما قُبِلت في الفرع الجامعي الفلاني بلغتَ الذُرى". وتلاحظون كيف أن معدلات الاكتئاب بعد امتحانات القبول في الجامعات عالية جداً وكم يشكو الطلاب في هذه المرحلة من انخفاض النشاط وهبوط الدافع.
  • لماذا معدلات الطلاق مرتفعة؟ لأن الزوجين يبدآن بعد الزواج بالتباغُض حين يكتشفان كم أنهما تمادَيا في الأوهام الكاذبة فظهَرَ أن الأمر ليس كما تصوّرا. فليس من المُفترض أساساً أن يكون الزواج هكذا.. عبثاً نسجتَ الخيال يا هذا! فالحياة هي أن تخوض سلسلة من المشاكل بصلابة.. فلا تتظاهر بالضعف! لقد بدأنا موضوعنا من أن الإنسان طالب لكل شيء، إذن لا نُطالبَنّ بالقليل. لا يهدأنَّ لأحدٍ بال. لا بد من قول هذا للأطفال، يجب أن يُنتَج الكارتون والأنيميشن وتُؤلَّف القصص بطريقة تكشف للأطفال هذه المساحة الواسعة لطلبات الإنسان. إنه ليس من درس الأخلاق أن نقول: اخفِض مطالبَك. بل قل: "اطلُبْ كل شيء". فلا يجوز أن يكون المرءُ أعمىً... شيء، كيلا يُغشى عليه إذا وجد نفسه أمام أحد محبوباته، فليصبر قليلاً، لا يتحطّمَنّ روحياً إذا فقدَ إحدى الأشياء التي يحبها. فالإنسان طالب لكل شيء.

الإنسان المريد لكل شيء لا يستطيع في الدنيا امتلاك الأشياء كلها في آنٍ واحد

  • فكيف للإنسان المريد لكل شيء أن لا ينال كل الأشياء، بل ويفرّط بما يملك، لا بل يصبح عبداً للجبابرة؟! ولا نريد الهرب من الإجابة بالقول: "يصبح إنساناً سيئاً" فالإنسان لا يصبح سيئاً بهذه السهولة، لكن ماذا يحصل لتصبح حالُه هذه؟ القصة وما فيها هي أن الإنسان المريد لكل شيء لا يستطيع في الدنيا امتلاك الأشياء كلها في آن واحد؛ فإما أن يفرّط ببعض ما يملك، أو لا ينال بعض ما يحب، أو يضطر هو إلى التخلي عن بعض ما يحب، أو أنه لا ينبغي له الدنُوّ من بعض الأشياء التي يحب. وهذا كله يعني المعاناة؛ فأنْ يؤخَذ منك ما تحب يعني المعاناة، وأن لا تُعطى ما تحب يعني المعاناة، وأن لا تتقرب مما تحب يعني المعاناة! لكن لماذا المعاناة؟ لماذا أنا لا أحصل على كل شيء؟
  • قلنا في القسم الأول من البحث إنك طالبٌ لكل شيء. إذن فلتهتم بكل حاجاتك ولا تظل أسيرَ حاجة أو جاجتين منها. لكن هل ستنالها كلها؟ كلا، فالدنيا ليست مكاناً لنيل كل شيء، بل هي موضع فقدان الأشياء وعدم امتلاكها. وهذه أيضاً من الأمور التي إن لم نصارح بها شبابنا نكون قد جنَينا عليهم. لا بد أن نصارح الشاب، كما فعل أمير المؤمنين(ع)، فنقول له: "إنك لن تنال كل ما تطمح إليه!" وإن لم نقل له ذلك نكون قد خُنّاه، وحطّمناه! فلنكن صادقين مع شبابنا كما صدق معهم مولانا أمير المؤمنين(ع). إنك لن تنال كل ما تطلب، بل إن الدنيا ليست مكاناً تنال فيه كل ما تطلب. والحال هي هي حتى إن لم تكن متديناً، فلا صلة للدين بهذا الموضوع.
     

أعظم ميزة فيك هي كونك مختاراً، فإنما أنت إنسان لأنك مختار!

  • القضية الأولى هي: "إنك تريد كل شيء". القضية الثانية هي: "لا يمكن نيل كل شيء في الحياة الدنيا". القضية الثالثة هي: "لماذا لا يمكن امتلاك كل شيء في الحياة الدنيا؟" الجواب: لأنك كائن مختار يقرّر مصيره. أتحب أن تكون كالملاك أو الحيوان لا يمكنه تحديد مصيره؟! أتود أن تكون مثل النبات؟! أتريد أن تكون كالشجرة مشدود القدمين إلى الأرض لا تستطيع الحراك؟! أتحب أن تكون كالحيوانات لا تُحسن غير بناء نمط واحد من الأوكار؟! إنك كائن يقرر مصيره.
  • إن علينا أن نكرر دوماً على مسامع بعضنا البعض، وعلى مسامعنا نحن، ومسامع أبنائنا القول: "إنك كائن مختار، كائن يقرر مصيره". علينا أن لا ننفك نقول ذلك حتى يخاف فيصيح: "أي الأشياء أختار؟ هل أنا الآن أختار؟" أجل، إنك الآن تقوم بعملية اختيار. هذه أيضاً من الأشياء التي ينبغي أن نرددها بكثرة.
  • قلّبوا الكتب المدرسية من الصف الأول حتى الثاني عشر وانظروا كم قد قيل فيها من هذا الكلام؟! كم مرة قيل فيها للطالب: إنك مختار، إنك مُقَرِّر، إنك تحدّد كل شيء؛ ليس في الدنيا فحسب، بل إلى أبد الآبدين حيث إنك ستحيا في الآخرة أيضاً، وإن جميع تفاصيل تلك الحياة أنت الذي تقرّرها. إنك مقرِّر، إنك مختار؛ دنياك أنت الذي تختارها، آخرتُك أنت الذي تتخيّرُها، وباستطاعتك أن تبلغ مقام "النفس المرضية". إن أعظم ميزة فيك هي كونك مختاراً، وإنما أنت "إنسان" لكونك مختاراً. هذا الكلام أيضاً يجب أن يكرَّر بكثرة.
     

لو كان النبي(ص) قد بيّن للناس كل شيء وبكل وضوح لما بقي مجال لاختيارهم

  • يوصي الله تعالى نبيه الكريم(ص) أن إذا أردت تعريف الناس بالدين فلا توضح لهم وتنوّرهم كثيراً، لا تُظهِر لهم الآيات جميعاً، تحدّث بشيء من الضبابية. فلو بالغتَ في التوضيح لما بقي لهم مجال للاختيار. بلا شك عليك أن توضح، لكن قليلاً، لا تتمادَ في التوضيح. يقول الله عز وجل في كتابه العزيز لنبيه الكريم(ص): أنا أعلم أنه يَعزّ عليك أن يضِلّ الناس، وإنك لتودّ لو بالغتَ بالتبيين والتوضيح، لكن لا تضع لهم جميع النقاط على الحروف لأنه لن يبقى أمامهم مجال للاختيار: «وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلين» (الأنعام/35).
  • هَب أن إمام مسجدِ حيِّكُم عارف كامل واصل يمتلك عيناً برزخية وبإمكانه أن يرى المستور ويُخبر بالمغيَّبات؛ كأن يقول لك: "أتعلم أن صاحب الزمان(عج) في الأمس قد سجل اسمك إذ شاركتَ في المجلس الحسيني؟ وماذا قال الإمام الحسين(ع) لولده المهدي(عج) عنك؟" يشرح لك بالتفصيل، ثم يقول: لقد حصل كذا بسبب كذا وكذا ...الخ. هل ستفرح لو أخبرك بكل هذا بمنتهى الشفافية؟ أمِنَ الجميل أن يخبرك بهذا؟ إن العارف الواصل لا يخبر بهذا على الإطلاق إلا استثناءً. أتدري لماذا؟ لأنه إن أخبرك بهذه الأمور فستتوقف عن الرُقِّي، إنك ستعيش أسير التشجيعات، وتفقد حالة الاختيار.
     

لا قيمة لفعل الخير إن فعلتَه إثر رؤية المعجزة فالخير هو أن تفعله باختيارك

  • لو أراد الله أن يداعب وجهك بنسيم الجنة كلما ذهبتَ إلى المجلس الحسيني فستذهب إليه كل يوم. وهل يصعُب على أبي عبد الله الحسين(ع) يا ترى أن يجعلك تشم رائحته أو رائحة الجنة؟! فلماذا لا يفعل(ع) هذا إذن؟ لكي تكون قد اخترتَ أنت. فلو أشمَّك الإمامُ الحسين(ع) رائحةَ الجنة لسَكَرْتَ مدى العمر وواظبتَ على فعال الخير، لكن لن يكون لأيّ من هذا قيمة. وقد رأينا كيف أخبر الله نبيه الكريم(ص) في الآية 35 من سورة الأنعام أن: لا تُظهر جميع الآيات. لماذا؟ لأنك إن أرَيتَهم إياها لتوقفوا عن الاختيار.
  • أود، لكي يُصغي أولادي إلى كلامي، أن أصنع بهم ليلةً ما يجعلهم يرون الجنة والنار في المنام، بل أن يذهبوا في رحلة إلى ذلك العالم ويعودوا، ثم أقول لهم صباحاً: "هل ستصغون الآن إلى كلامي؟" فيقولوا من فورهم: "أجل والله يا أبي سنصغي إليك..." لكن ما قيمة هذا الإصغاء؟ الله تعالى يُبقي الأمور غامضة لك لكي تختار أنت. إن للاختيار قيمة عظمى. ولكي تختار فإنه تعالى لا يريك المعجزات.
  • الليلة حضرتَ المجلس الحسيني. واضح أنك إن لم تحضره ليلة غد فلن تنطبق السماء على الأرض، ولن يختلف الأمر كثيراً بحسب الظاهر. أيها الشباب! بل لو تركتُم الصلاة لن يحصل تغيير كبير! نعم قد تحصل بعض الأمور، لكن المُصَلّين - ممن هم أكبر منك - هم من الكثرة بحيث...! - ما هذا القول منك يا شيخ؟! قل له: إن لم تُصَلِّ فتُصاب بالسرطان! - لكنه لن يصاب بالسرطان، لماذا عليَّ أن أكذب؟ بل لربما سمِنَ أيضاً! فليس لي عِلْم بخطط الله تعالى! إنه الاختيار الذي يكون ذا قيمة.
     

لأننا مختارون فيجب أن نعاني/ الاختيار الجيد لا بد وأن يُصحَب بالمعاناة

  • إنني مختار، ومُقرِّر لمصيري؛ أي إنني لستُ حيواناً، كما أنني لست ملاكاً أيضاً. ولأنني مختار فيجب أن أعاني، ولأنني مختار فلا يمكنني امتلاك كل شيء. الاختيار يكون بين بضع أشياء محبوبة، فلا يمكن أن يكون الاختيار بين شيء محبوب وآخر غير محبوب؛ فمن الواضح أنك لو خُيِّرتَ بين شيء تحبه وآخر لا تحبه فستختار الذي تحبه.
  • إذن فإنك تتخلى عن إحدى الأشياء التي تحبها في كل مرة تختار. فالاختيار الجيد يكون دائماً مصحوباً بالمعاناة. هذه القضية يجب أن تترسخ في أذهاننا منذ الطفولة، لأن الاختيار الجيد يعني التفريط بشيء تملكه أو تحبه. لقد أعطاك الله تعالى عمداً أشياءَ لكي تقايضَ عند الاختيار؛ أي أن تعطي ما تملك وتأخذ إزاءَه شيئاً آخر؛ فجلوسك في الموكب الحسيني الآن يعني أنك لا بد أن تكون فرطتَ بتسلية ما أو باستراحة ما.
     

متى يسقط الإنسان؟ يسقط حينما يريد الاحتفاظ بما يملك

  • لقد وضع الله تعالى نبيه آدم(ع) أمام امتحان في الجنة فقال له: لا تأكل من ثمرة هذه الشجرة. وكان آدم(ع) طالباً لكل شيء (إنه جدنا الأكبر وإننا إنما ورثنا صفة المطالبة بكل شيء منه). فما كانت تلك الشجرة؟ قال الشيطان (لآدم): إن أكلتَ من ثمرة هذه الشجرة فلن تفقد أيّاً مما تملك. وكان آدم(ع) يحب أن يحتفظ بكل ما يملك، فأكل منها. فقال الله تعالى له: ألم أقل لا تأكل منها؟ أَخِفتَ أن آخذَ منك ما تملك؟ وهكذا سقط آدم(ع).
  • متى يسقط الإنسان؟ يسقط حينما يريد الاحتفاظ بما يملك، ولهذا لا يقايض مع الله جلَّ وعلا. ومتى يسقط المجتمع؟ يسقط عندما لا يدخل في صفقة مع الله سبحانه. وإن الإنسان ليَشقَى إذا أمسكَ عن الإنفاق أو كان بخيلاً شحيح النفس. وبعبارة أدق: الإنسان يشقَى إذا تهرّب من المعاناة. الإنسان يَتعَس إذا خاف من الحرمان وانشغل بجمع المال والثروة. فماذا نصنع إذن؟ ليكن قلبُك قلب أسد، الدنيا مكان اختيار، والاختيار يعني الأخذ والعطاء.
     

لماذا لا ينمو الناس اقتصادياً؟

  • يقول علماء النفس: العطاء صعب جداً على الإنسان، الخسارة شاقّة جداً على الإنسان. وقد ظهر مؤخَّراً مزيج من علم النفس والاقتصاد يسمى بـ"الاقتصاد السلوكي". التفِتوا إلى أن ما يقوله هؤلاء ليس من الدين. فلو سألنا خبراء هذا الحقل من العلم أن: لماذا لا ينمو الناس اقتصادياً؟ لأجابوا بما قلناه في هذا المجلس بالضبط. يقول هؤلاء: إننا نرى السلعة التي في أيدينا ثمينة، وحين نريد بيعَها نحب أن نبيعها بثمن باهظ، ويصعب علينا جداً أن نبيعها بثمن رخيص.
  • افترضوا أنني بعتُ ساعة بتسعين ألف تومان بدلاً من مائة ألف، واشتريتُ بهذه التسعين ألف تومان سلعةً أخرى قيمتُها الحقيقية تسعمائة ألف. فكم عليَّ أن أحزن على الصفقة الأولى؟ أحزن بمقدار عشرة آلاف تومان. وكم علي أن أفرح بالصفقة الثانية؟ أفرح بمقدار ثمانمائة ألف تومان. يقول علماء النفس: "إنّ ألَمَ تلك العشرة آلاف تومان أشدّ من فرحة هذه الثمانمائة ألف تومان، وهكذا لا يصبح معظمُ الناس أثرياء، ولا يتمكنون من مزاولة التجارة!" المثال الذي طرحتُه مثال واضح جداً على أن الناس مُمسِكون بُخلاء، متشبثون بممتلكاتهم تشبثاً فلا يتخلّون عنها. نقول للرجل منهم: "تصدّق في سبيل الله تعالى ليزيدك الله"، لكنه غير قادر على العطاء.
     

متى يسقط الناس؟ يسقطون حين لا يطيقون ألَمَ الفقدان

  • متى يسقط الناس؟ يسقطون حين لا يتحمّلون ألَمَ العطاء، ألَمَ التنازل، ألَمَ الفقدان. وكيف ينبغي أن نُنَشّئ أولادَنا؟ وأن نربّي أنفسنا؟ يجب أن نربيها على عدم الخوف من العطاء، وعلى تحمل ألم الفقدان.
  • كان الإمام الصادق(ع) يحُث أصحابه على كثرة الاتّجار، فقد روي عنه قوله: «اتَّجِرُوا بَارَكَ اللهُ لَكُم» (الكافي/ ج5/ ص149)، حتى وإن اشتريتم بثمن باهظ وبعتم بثمن أقل. لكن ما هو قصد الإمام(ع) من هذا الكلام؟ قصده أن البركة - في النهاية - في البيع والشراء، وإنك لتربح. يريد أن يربّينا، وأن لا نخاف من الاتجار وعقْد الصفقات. فقد تخسر في التجارة حيناً، وتربح حيناً.. لا تخف إن خسرتَ مرة أو مرتين. فلا بد للإنسان، من أجل وُلوج عالم الاقتصاد، أن يتمتع بروح كبيرة.
     

التفتيش عن الربح المضمون عمل قبيح

  • كان الإمام الصادق(ع) إذا حصل على مال يستثمره في تجارة فيها مجازَفة. فالتفتيش عن الربح المضمون عمل قبيح خلقَتْه المصارف في ثقافة مجتمعنا. لقد ارتكبت المصارف هذه الجريمة باسم المضاربة. أوَيجب أن تخلو المعاملة من الربا وحسب؟ إن ثقافة الأرباح المضمونة ثقافة قبيحة جداً تعزّز في الإنسان الخوف والجُبن في التجارة إلى أبعد الحدود، وهي أشبه بثقافة العِمَالة والعمل الوظيفي؛ فحين تكون قادراً على العمل لحسابك فلماذا تعمل موظّفاً أو عاملاً بأجرة عند الغير؟ أتخاف المجازفة؟ أتخشى الاتّجار؟ أقلتَ لنفسك: فليَصلْني راتب ثابت يسد الرمق على الأقل؟
  • لا تكن جباناً! اتّجِرْ أنت بمالك. الله يقول لك: "الرزق بيدي". إن تعاسة الإنسان في أنه يخشى المقايضة. لقد خاف جدنا آدم(ع) أن يفرّط بهذه الأشياء.. أراد تجميدها.. أراد إيداعَها في مصرِف الخلود، وهو ما أدى إلى هبوطه. على أنه تاب فيما بعد، ولأن الله رؤوف رحيم فقد تابَ عليه.
     

أخشى أن لا يظهر الإمام(ع) حتى نُمتحَن بالمواساة!

  • فلنسترجع ما قلناه مرة أخرى: بما أنك مختار فإنك غير قادر على امتلاك كل شيء في الدنيا، والاختيار يعني أن تتخلّى عن إحدى محبوباتك، أو أن تمنحها، أو أن تغض الطرف عنها؛ وفي كل هذا معاناة. فأن تكون إنساناً فهو يعني أن تختار وتعاني. فمَن الذي يكون أفضل في الاختيار؟ إنه الذي لا يخاف من العطاء والفقدان، إنه الذي لا يبخَل. (قد يقال لي): إذن موضوعك هو أن لا نبخل، وأن نكون كرماء مبسوطي اليد؟ (أقول): كلا، القضية ليست بهذه البساطة.
  • فلأعرض عليكم تحليلاً خطيراً قبل أن أخبركم كيف ينجو الإنسان من الهلاك والتحفُّظ: أنا أحتمل أننا سنواجه امتحاناً "بالمواساة" قبل ظهور الإمام صاحب الزمان أرواحنا له الفداء. وما معنى المواساة؟ يعني: ليس من حقك أن تملك من المال أكثر من صاحبك.. لا يجوز لبيتك أن يكون أفضل من بيت أخيك المؤمن.. لا ينبغي لمائدتك أن تكون أكثر امتلاءً من مائدة أخيك المؤمن.
  • إني لأخشى أننا إن لم نُمتحَن بالمواساة في آخر الزمان فلن يظهر الإمام(ع)! لأن الإمام الباقر(ع) كان قد قال لمن أتاه يسأله عن سبب عدم نهوضه بالأمر: «یَجِيءُ أَحَدُکُمْ إِلَى کِیسِ أَخِیهِ فَیَأْخُذُ مِنْهُ حَاجَتَهُ» دون إذْن منه؟.. ألا تستاؤون من ذلك؟ «فَقَالَ: لَا..» بل نستاء، العمل عمل والأخُوّة أخُوّة! فقال(ع): «..إِذَا قَامَ الْقَائِمُ.. أَتَى الرَّجُلُ إِلَى کِیسِ أَخِیهِ فَیَأْخُذُ حَاجَتَهُ فَلَا یَمْنَعُهُ‏» (الاختصاص/ ص24).
  • هل الإخوان في التعبئة (البسيج) هكذا؟ هل طلبة العلوم الدينية هكذا؟ هل رواد المواكب وأصحابها هكذا؟ ليت هذا التحليل خاطئ وأننا لن نمتحن بهذا الامتحان. لسان حالنا يقول: إن كنتَ تطلب النفس فقُل.. أنا مستعد لبذل النفس، فأنا طالب شهادة... لكن سيقال لنا: "لا نريد أخذ روحك، بل هاتِ مالَك!" - كلا، المال غير ممكن! نريد أن نعيش!
     

النبي الأعظم(ص) في صدر الإسلام امتحنَ الناس بالمواساة

  • أخشى أن تكون الحكمة من وراء أضرار الكورونا والمشاكل الاقتصادية التي نجمتْ عنها هي لاختبار مدى قابلية المؤمنين والولائيين على بلوغ حالة المواساة! إني لأدعو أن لا نتعرض لامتحان كهذا! لكن النبي الأعظم(ص) أجرى هذا الامتحان في صدر الإسلام إذ قال: "ليهاجر كلُّ مَن أسلمَ إلى يثرب". (وكأنهم قالوا): لكنّ بُنية يثرب التحتية غير مُعَدّة، ليس لنا فيها أراضٍ زراعية، ولا نملك منازل! (وكأن النبي(ص) أجاب): يجب أن تهاجروا، وإلا فلستم بمسلمين! فقَدِمَ مُسلمو مكة يثربَ واقتسم مؤمنو يثرب منازلهم بينهم؛ تنازلَ كلٌّ عن حُجرة من حُجرتَيه. أترانا أفضل من أصحاب النبي(ص) في صدر الإسلام؟!
  • على أن أولئك ما إن نالوا متاعاً حتى أمسَكوا ثانية، فتركوا الزهراء(س) وحيدة بين الحائط والباب! فقالت الزهراء(س) لهم (بالمضمون): ماذا حصل فأخذتُم بالإمساك.. أخذتم بجمع المال، ولم تعودوا راغبين في بذل شيء في سبيل الله؟...
  • سأبيّن في المحاضرة التالية، إن شاء الله، بعض ما يتصل بمنزلة البذل في الدين، وسنستعرض معاً مجموعة من الروايات لنتنبه من جديد إلى مواضيع من مثل الصدقة، والإنفاق، وإقراض القرض الحسن، والبذل، والعطاء، والمواساة، ...الخ. بالطبع هذه تمارين لمرحلة أعلى وهي المواساة.
     

كل مَن يبخَل في امتحان المواساة يسقط

  • إننا، في آخر الزمان، قد نواجه امتحان "المواساة"، وكل من يُمسك ويكون بخيلاً سيسقط فيه. فالتحفُّظ، وهو "خشية فقدان الشيء"، يُسقِط الإنسان. فماذا نصنع للنجاة من هذا السقوط؟ أولادكم، منذ نعومة أظفارهم، لا تُرَبّوهم على الإمساك. أرأيتم كيف صامَ أهل البيت(ع) مع أولادهم، وحين جاءهم مسكين، وأسير، ويتيم أعطوه إفطارهم الذي لم يكن غير رغيف خبز؟ هذا يُفصِح عن سلوك تربوي لتربيتك أنت على عدم الإمسكاك.
  • قيل إن حادثة الإنفاق هذه حصلت في ليلة واحدة؛ ففي المرة الأولى أعطى أهل البيت(ع) جزءاً من الرغيف لمسكين. وحين هَمّوا بتناول الباقي طرقَ البابَ يتيم فأعطوه جزءاً آخر منه. وفي المرة الثالثة أعطوا الجزء المتبقي لأسير. هنا يوسوَس للمرء أيّما وسوسة فيقول: "لقد أعطينا نصف الرغيف، فدعونا نأكل هذه الكِسرَة نحن!" على أن أهل البيت(ع) كانوا قد سَمَوا إلى ما فوق المواساة، كانوا قد بلغوا "الإيثار".
  • في امتحان الدفاع المقدس كان قد طُلب من بعضنا بذل "النفس" وقد مَرَّ ذاك الامتحان والحمد لله، فقد بذل بعضُنا الأرواح واجتزنا جميعاً بسلام. أما امتحان المواساة فيُستبعَد أن نتمكّن جميعاً من اجتيازه بهذه البساطة! "الجهاد بالمال" في القرآن الكريم جاء دائماً مقدَّماً على "الجهاد بالنفس". لقد جاهد الشهداء بالأنفس فبذلوها. على أنهم جاهدوا أيضاً بالمال بصورة رائعة، ويمكنكم قراءة ذلك في مذكّراتهم. لقد كان الدفاع المقدس، بكل عظمته، ساحة للجهاد بالأنفس. أما المرحلة الأخيرة، المُقبلين عليها نحن، فهي أوان الجهاد بالأموال. وبعد هذه المرحلة الشديدة سيظهر صاحب الزمان(عج) إن شاء الله، بحسب ما روي عن الإمام الباقر(ع). أنا شخصياً أعترف بأن هذا الأمر صعب جداً. علينا أن نستعين بالله تعالى، فنقول له: إلهي، لا تضعنا أمام امتحان صعب، بل يسّر علينا امتحاننا، وأعِنّا عليه!
     

كيف يسقط المجتمع ويتحوّل إلى مجتمع مجرم؟

  • في زمنٍ من الأزمنة كان الإمام الحسن المجتبى(ع) يمُدّ الموائد في المدينة المنورة ويُطعم الطعام، وقد لا يكون امرؤٌ زارَ المدينة في ذلك الزمن إلا وأكل في بيت الإمام الحسن(ع). فاختبرَ الله تعالى أهل المدينة؛ إذ أمطرَ نفرٌ من الأدنياء جثمان الإمام(ع) الطاهر بالنبال أثناء تشييعه، فلم يقُل أهل المدينة لهم: "أيها الأدنياء، لا ترمُوه..." وقد تحوّل هؤلاء أنفسهم، فيما بعد، إلى قتَلة قطّعوا أجساد أبناء الإمام الحسن والحسين(ع) إرباً إرباً. هكذا يسقط الإنسان، وهكذا تشقَى الأمة. ما من يتيم في المدينة المنورة إلا وأكل الخبز والتمر من يد الإمام الحسن والإمام الحسين(ع). ثم هل رأيتم ماذا صنع القوم؟ فلا نكونَنّ نحن مثل أولئك! لقد كبرنا على مائدة هذه السلالة الطاهرة. فلا نقصّرن إذا انقلبَت الأمور عليهم! فإننا إن قصّرنا في حقهم يسخط الله علينا ونتحوّل إلى مجرمين.
  • أشكرك يا إمامي يا حسين(ع) إذ إنك تجتذبنا باستمرار إلى مجلس عزائك، وتجعلنا مَدينين لزادك وملحك، وتُعوِّدنا عليك فنأنس بك.. إنك تصنع بنا ما يُخجِلنا فلا نستطيع أبداً أن نقف في وجه الإمام المهدي(ع). فما إن يعرّف نفسَه بـ"أنني ابن الحسين بن علي(ع)" حتى نترك دنيانا جانباً ونلحق به.
  • يا إمامي يا حسين(ع)، إنك تربّينا بصنيعك هذا، تُكبّرنا على مائدتك. فإن أمرَ صاحب الزمان(عج) في الغد أمراً فلن نجرُؤ أبداً على عصيانه. تَمثَّل (أيها الشاب) بقول عبد الله بن الحسن، يتيم الحسن المجتبى(ع)، فحتى لو رأيتَ إمامك الحسين(ع) في المصرع فصِحْ: «والله لا أفارق عمي»...

تعليق