الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۰۰/۰۲/۲۲ چاپ
 

أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع (المحاضرة11- الأخيرة)

لا تقوم الحضارة المتأسِّسة على الإنفاق إن لم يكن على رأسها "ولي"/ لُبّ المُناداة بالعدالة هو أن نسعى لتحقيق مطالبات إمام الأمة

الهويّة:

  • الزمان: 10/محرم الحرام/1442 - 30/آب/2020
  • الموضوع: أهم ما يحُول دون سقوط الإنسان وهلاك المجتمع
  • المكان: طهران، موكب "ميثاق با شهدا" (العهد مع الشهداء)

 

ليس هناك أي مفهوم أخلاقي في الدين مجرد عن البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي

  • على خلفية ما جرى من حوارات فقد باتت ضرورة اهتمامنا "بنظام الفكر الديني" واستيعاب مبادئه أكثر وضوحًا، وإن كانت هذه الضرورة واضحة قبل اليوم أيضًا. ومن هذه المبادئ هي أنه ليس هناك مفهوم أخلاقي لا يملك مُلحَقًا سياسيًا واقتصاديًا، بل تفسيرًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وليس ثمة مفهوم حقوقي في الدين لا يستتبِع معه مُلحَقًا أخلاقيًا ومعنويًا وعرفانيًا، فلا يجوز النظر إلى المفاهيم الدينية نظرة علمانية. فليست القضية أن هناك مجموعة من المفاهيم هي أخلاقية محضة، وهناك مجموعة أخرى منها هي سياسية أو اجتماعية محضة. الأمر ليس هكذا على الإطلاق.
  • فإن دققنا النظر لوجدنا أن تطبيق المفاهيم في القرآن الكريم متعدد الأبعاد. على سبيل المثال: كل واحد من مفاهيم الإنفاق والصدقة والزكاة يكون تارةً واجب، وتارةً أخرى مستحَب. والمواساة هي حينًا واجبة وطورًا مستحبّة. فلماذا ترانا إذا سمعنا بالمواساة نحُدُّها في إطارها الأخلاقي الأضيق؟ فإنك، في بعض المواقف والأحداث، إن لم تواسِ إمام الأمة تكون قد خُنتَه واستوجبتَ اللعن من الله عز وجل!
  • فالمواساة ليست دائمًا مسألة أخلاقية، وليست هي موضوعًا اقتصاديًا محضًا، بل إنها حاضرةٌ في ميادين أخرى أيضًا؛ كالاستعداد للتضحية وبذل النفس. وهي تُستخدم أيضًا في "رَهْن السُمعة"، وفي الجهاد والشهادة؛ فإن أمير المؤمنين(ع) قد واسَى رسولَ الله(ص) في وَقعَة أُحُد بينما فَرَّ الآخرون. وكذا هو الحال مع الإنفاق والزكاة والصدقة. فإن بعض المفرادات قد اشتهرت بصورةٍ بحيث لا يتبادر إلى الذهن لدى سماعها إلا مفهوم أخلاقي واحد. ولسنا نعثُر في الدين أساسًا على مفهوم أخلاقي محض لا يحتمل بعدًا اجتماعيًا سياسيًا. وهذه القضية هي بسبب بعض سوء الفهم الحاصل.


في عالَم اليوم حضارتان: حضارة قائمة على الإمساك وأخرى مبنية على الإنفاق

  • إن أردنا الخروج من بحثنا بخلاصة نقول: لدينا في العالم اليوم حضارتان: حضارة قائمة على الإمساك، ولنُسَمِّها الفردية، أو الليبرالية، أو الحضارة الغربية، وهي متأسسة على الرأسمالية والسوق الحرة؛ وهذه بالطبع كِذبة، فليس ثمة سوق حرة بهذا المعنى. ثمار هذه "الحضارة القائمة على الإمساك" لا تجنيها إلا دكتاتورية الرأسماليين الانتهازيين – كما يسمّيهم الإمام الراحل(ره) - ودكتاتورية الكارتلات والترَسْتات أو، على حد قول المواطنين الغربيين أنفسهم: حكم الواحد بالمئة للتسعة والتسعين بالمئة (وهو الشعار الذي رفعته حركة وول ستريت).
  • في الظاهر يسمّونه "النظام الرأسمالي" و"نظام السوق الحرة" لكنه إذا اغتنَتْ، في هذا النظام، ثلة قليلة داسَت على الباقين! هذا هو ما يحصل في الغرب، فليس ثمة مجال للتنافس بالمعنى الحرفي للكلمة، نعم قد تكون السوق حُرَّة في حدود التضليل والتعمية. فقبل حوالي خمسة عشر عامًا من الآن سألني تاجر إيراني يعيش في كندا: "أريد أن أنقل رأسمالي إلى إيران، فكيف هي الأوضاع عندكم؟" قلتُ له: "ولماذا لا تنمّيها هنا في كندا؟" قال: "هنا لا يمكن إنماء رأس المال أعلى من حد معيّن، لأن السوق في قبضة اليهود وسيعملون على خنقك! إنهم يسمحون لك بالنماء إلى حد معيَّن فقط!"


السبيل إلى العدالة هي تصميم هيكليات على أساس من الإنفاق

  • في مقابل حضارة الإمساك تقوم حضارة الإنفاق. وليس الإنفاق بمعنى التصدق فحسب، إنّ من السيّئ جدًا أن نتعاطى مع مفاهيم ديننا بهذه الطريقة. فالإنفاق والزكاة، بالمعنى الأعم للكلمة، هما الاستعداد للبذل والعطاء. هذا هو ما يطالبنا به الدين، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه النظام الإنساني. وإن كنا نصبو إلى العدالة كغاية فما من سبيل إليها سوى أن نصمم هيكليات على أساسٍ من الإنفاق.
  • لقد تلوت على مسامعكم آراء سماحة آية الله الشاه آبادي(ره)، وهو النابغة الفذ في الفقه والعرفان معًا، حول وضع الهيكليات الاجتماعية. قال لي أحد الباحثين: "إننا لم نستطع أن نجني من كتاب "اقتصادنا" للشهيد الصدر(ره) في وضعنا للهيكليات الاجتماعية ما جنيناه من آراء آية الله الشاه آبادي(ره)، فإنه أساسًا قد اختار لنماذجه الاقتصادية الاجتماعية، التي يريد السير بها نحو الحضارة الإسلامية، في مقابل الحضارة الغربية – اختار لها عنوان "الأخُوّة والمواساة" ووضع أنموذجه على هذا الأساس".


لماذا لم تتحقق العدالة في بلدنا إلى الآن؟ لأن سبل تحقُّقها لم تُبيَّن لحد الآن

  • غايتنا من هذه المحاضرات هي أن نرى إن كان الوقت الراهن هو زمان هذا الكلام أم لا؟ وإنه لَمن الواضح، لألف سبب وسبب، أن الوقت الراهن هو وقت هذا الكلام. فلقد ولّى زمن الحديث عن مفهوم العدل، لأن شعبنا راغب في العدالة، ولقد دار محرك المناداة بالعدالة في الحد الذي تسمح به قوانيننا، والسلطة القضائية أيضًا تسير في هذا الاتجاه. فلماذا لم تتحقق العدالة إذن؟ لأن سبل تحققها لم تُبيَّن في بلدنا لحد الآن. وحين نتكلم على المواساة انطلاقًا من آراء سماحة آية الله الشاه آبادي(ره) فإننا في صدد طرح سُبُل لتحقيق العدالة.
  • يتصور البعض أن العدل هو في حدود هذه القوانين القائمة، والتي إذا دِيسَت وانتُهِكَت سمّاها "بحسب العادة" سرقة. إلا أن العدل لن يتحقق حتى إذا مُنِعَت هذه السرقات، بل لا بد – في سبيل ذلك - من تأسيس حضارة قائمة على المواساة، ووضع نماذج اقتصادية واجتماعية مبنية على المواساة. فإن كنا بانتظار ظهور قائم آل محمد(عج) حقًّا تحتَّمَ علينا التوجّه نحو هذه المفاهيم الجوهرية، وهي مفاهيم لم نخلقها نحن، بل موجودة في القرآن الكريم والسُنّة الشريفة.


لُبّ المناداة بالعدالة هو أن نسعى لتحقيق مطالبات إمام الأمة

  • إن لُبّ المناداة بالعدالة هو أن نسعى لتحقيق مطالبات إمام الأمة، التي تنطوي على مطالبات الجماهير أيضًا؛ أي أن نجعل لكلام الولي القائد هيبة وقوة ونفوذًا فلا يجرؤ أحدٌ على تخطي الاستراتيجيات التي يضعُها سماحته (في مجال الاقتصاد المقاوم، أو سيرة المسؤولين، على سبيل المثال). ولقد قصّرنا حقًا في هذا الجانب، إذ لم نحاسب (المسؤولين) على صعيد العدالة السياسية، ولذا فقد تجرَّؤوا وتخطّوا التوجيهات!
  • ذات مرة ظهر سماحة السيد القائد في التلفاز وهو يتفقد معرضًا للمُنتجات الإيرانية وكان وزير العمل والرفاهية الاجتماعية برفقته. وقد شكى أحد الصناعيين أمام سماحة القائد من أن الواردات المُطلَقَة العِنان للسلع الأجنبية قد أضرَّت بصناعتنا. فأوضح وزير العمل أننا قد اتخذنا الإجراءات اللازمة في هذا الصدد ونحن نتابع الموضوع لحل هذه المشاكل، ...إلخ. فقال سماحة السيد القائد للوزير: "لو كنتُ مكانك لأقَمتُ الدنيا في مجلس الوزراء على قضية الواردات". وكلام السيد القائد هذا يدل على أن الوزير المذكور لم يكن قد اتخذ الإجراءات اللازمة. أليست هذه أصول تبديد العدالة؟!
  • لو استطاع مجلس الشورى الإسلامي تغيير "النظام المالي والمصرفي" وفقًا للخطة الجديدة فسوف يُعبَّد طريق أمام تحقيق العدالة، وإلا فمع النظام المصرفي القائم ونظام الموازنة الحالي سوف نستمر في السير في طريق اقتصاد الريع، وسيظل لواء المناداة بالعدالة مرفوعًا، والنزاعات قائمة.


موضوع المواساة هو أحد سبُل العدالة

  • أصل العدالة راسخ في مجتمعنا في الوقت الحاضر، وإنّ سعيي الآن يتجه نحو "سبُل تحققها"، والخوض في بحوث تربوية لهذا الغرض. إلا أن البعض يحتج عليَّ من أنه: "لماذا تخوض في بحوث تربوية؟ لِمَ لا تتناول قضية المناداة بالعدالة من بُعد اجتماعي؟" أقول: مجتمعنا الآن مستعد لتحقيق سبل العدالة، وإن أحد هذه السبل هو موضوع المواساة.
  • في الوقت الحاضر علينا أن نبحث في مفهوم المواساة، ومن الناحية الزمانية فالوقت الآن هو وقت تناول هذا الموضوع. ولا نقصد المواساة بمعناها الأخلاقي، بل بمعناها السياسي؛ أي كما قد أشرنا من أن الإمام علي(ع) كان قد أدى حق المواساة تجاه النبي الأعظم(ص). فانظروا الآن أيّ واحد من مسؤولينا أدّى حق المواساة تجاه قائد الثورة الإمام الخامنئي؟ فالمواساة ليست مجرد مفهوم أخلاقي محض، بل هي مفهوم سياسي بامتياز. إن على المسؤولين أن يواسوا سماحة السيد القائد؛ عليهم أن ينظروا في مطالباته، وما يتوقع منهم، فيعملوا على تنفيذها. لا يجوز لهم تخطي الاستراتيجيات التي وضعها (في مجال الاقتصاد المقاوم، وما إليه على سبيل المثال)!


قد يطلب الله من الإنسان مالًا فيُخرِج بذلك أضغانه

  • ما قلناه لحد الآن كان خلاصة ما طرحناه سابقًا. ونواصل الآن بحثنا بالمرور على آيات من الذكر الحكيم. ولعل هذه الآيات تبدو أكثر شفافية لمن حضر النقاش في موضوع الإمساك والاحتفاظ بالممتلكات وموضوع البذل والإنفاق. يقول تعالى في سورة محمد(ص)، في الآيات 36-38: «إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُم»؛ أي: لا تخف! إن الله لا ينوي أخذ مالِك منك، بل سيعطيك أجرك إن آمنْتَ واتقَيْت. «إِنْ يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُم»؛ ولو أنه تعالى طالبَك يومًا ما ببعض مالِك وألحَفَ وأصَرّ عليك بالسؤال فإنك ستبخل عليه، وبذلك سيُخرِج الله ما في صدرك من الضغائن.
  • ما بالُك يا هذا؟ أفهل طالبَك اللهُ بشيء يُذكَر يا ترى؟ قالوا: ابذل المال في سبيل الله. على أن هذا المال ليس بمقدار الصدقة البسيطة التي تُلقيها صباحًا في صندوق هيئة الإمام الخميني(ره) للإغاثة. فالفاجعة أعظم! "إلهي، إنك تقول لي بكل صراحة: اَعْطِ بعض دَخلِك!" أجل، إنك أساسًا - وعلى حد قول العلامة الطباطبائي(ره) – تعمل للناس، وليس مالُك ودخلُك ملكًا لك، بل هو مِلك الله تعالى. "إلهي، الكلام الذي تقولُه هنا شديد جدًا!" أجل، ولهذا قال: «يُخْرِجْ أَضْغانَكُم»؛ فإن حقدًا سيتولد لهذا السبب في قلبك، وسيَخرج إلى العلن!
  • ثم يقول في الآية التالية: «هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في‏ سَبيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (محمد(ص)/38)؛ فبمجرد أن يطالبكم الله تعالى بأن تنفقوا شيئًا في سبيله يَبخَلُ بعضُكم. لاحظ هنا تعامُل اللهِ الذي ينُمُّ عن غضب: «وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ»؛ أي: مَن يَبخَل فإنه سيمنع الربح عن نفسه! كم هو جاهل! «وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ»؛ فالله ليس بحاجة إلى مالِك. عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «مَنْ‏ زَعَمَ‏ أَنَّ الْإِمَامَ‏ يَحْتَاجُ‏ إِلَى‏ مَا فِي‏ أَيْدِي‏ النَّاسِ‏ فَهُوَ كَافِرٌ» (الكافي/ ج1/ ص537). الله تعالى غني، أنتم هم الفقراء.
  • المقطع الأخير من الآية لافت جدًا لنا نحن الإيرانيين؛ يقول تعالى: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ»؛ أي: إن لم تتصرفوا في ما آمرُكم به من الإنفاق بالشكل الصحيح فسآتي بقوم آخرين هم ليسوا مثلكم في الإنفاق. وهناك في الروايات، حول هؤلاء القوم الذين سيأتي بهم الله محلَّ أولئك، إشارات على أنهم إيرانِيّو آخر الزمان. من اللافت جدًا أن الله تعالى حين يريد مناداتنا (نحن الإيرانيين) ينادينا بصفة الإنفاق فينا.


الإمام الباقر(ع): إن بَخِلتُم على بعضكم البعض بمالِكم فأنتم أبخل بأنفسكم!

  • عن الإمام الصادق(ع) قوله: «وَيَحِقُّ عَلَى المُسلِمينَ الاجتِهادُ في التَّواصُلِ، وَالتَّعاوُنُ عَلَى التَّعاطُفِ، وَالمُوَاسَاةُ لِأَهلِ الحاجَةِ، وَتَعاطُفُ بَعضِهِمْ عَلى بَعضٍ حَتَّى تَكونوا كَما أَمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رُحَماءَ بَينَكُمْ مُتَراحِمينَ مُغتَمّينَ لِما غابَ عَنكُمْ مِن أَمرِهِم عَلى ما مَضَى عَلَيهِ مَعشَرُ الأَنصارِ عَلى عَهدِ رَسولِ اللهِ(ص)» (الكافي/ ج2/ ص174)؛ أي: على المسلمين أن يجتهدوا في أن يتواصلوا فيما بينهم، ويتعاونوا على التعاطف مع بعضهم البعض، ويواسوا المحتاجين منهم، ويساعد أحدُهم الآخَر، وأن يكونوا "رحماء بينهم" كما أمر الله إلى درجة أن يغتَمّوا إن لم يتمكنوا من ذلك. ويجب أن يكونوا كما كان أصحاب النبي(ص) حيث إن أهلَ المدينة قد آوَوا في مساكنهم أولئك الذينَ هاجروا إلى المدينة من مكة ولم يكن لهم سَكَن؛ فقسَّمَ الواحدُ منهم بيته، حجرةً لنفسه وحجرة لأخيه المسلم.
  • لا تفسّروا "المساعدة" بالتصدق وحسب، بل التَفّوا حول بعضكم البعض واشْرَعوا بعَمل تجاري جماعي مع رفاقكم. ولتعملوا معًا؛ صديقُك ذو الإمكانية المالية الأقل، وأنت ذو الإمكانية المالية الأكثر. لاحظوا إلى أي مستوى يصل توقّعُ الإمام الصادق(ع) منا؟ إنه(ع) يطالبنا بالمواساة كما كان المسلمون الأوائل في المدينة.
  • وهذه رواية أخرى تستحق منا البكاء! وليُنصِت إليها كل من يقول: "أنا حسيني". كل مَن قَلبَتْ هذه الروايةُ أحوالَه فليتجه إلى الحسين(ع) وليطرق بابه. يقول بُرَيْد العِجْلِيّ: «قيلَ لِأَبي جَعفَرٍ الباقِرِ(ع): إِنَّ أَصحابَنا بِالكُوفَةِ جَماعَةٌ كَثيرَةٌ فَلَو أَمَرتَهُم لَأَطاعوكَ وَاتَّبَعوك»؛ يقصد: لماذا لا تثور؟ فقال الإمام(ع): وهل يمُدّ الواحد منهم يده إلى كيس أخيه فيأخذ منه ما يريد بكل طمأنينة؟ «فَقالَ(ع): يَجِيءُ أَحَدُهُم إِلى كِيسِ أَخيهِ فَيَأخُذُ مِنهُ حاجَتَه؟ فَقالَ: لا»، إنهم ليسوا بهذه الحميمية مع بعضهم البعض. فلتتأملوا قليلًا، إنه ذاك الكلام الخطير نفسه! "إلهي، إني عاجز، أنا لا أستطيع...". حين قال السائل: كلا، لا يمد أحدهم يده إلى كيس صاحبه بسهولة، قال(ع): «فَهُم بِدِمائِهِم أَبخَل» (الاختصاص/ ص24)؛ فحين يدور الأمر مدار الدماء يزداد بخل هؤلاء.. لا ينفعني أمثال هؤلاء لأثور بهم! فالذي لا ينفق المال، لا يبذل النفس أيضًا.
  • أحد مصاديق إدخال اليد في كيس الآخرين هو: تعالوا نتشارك ونعمَل سوية. عدة سنوات وأنا أقول: يا روّاد المساجد والمواكب الحسينية، اجمعوا أموالكم إلى أموال أصحابكم وأسّسوا تعاونيات. إلى متى تقول: "أتَّجِر لوحدي وأجني ربح تجارتي بمفردي؟!" نريد أن نجمع رؤوس الأموال الصغيرة إلى بعض ونعمل سوية. فإن الجهاد بالأموال في العديد من آيات القرآن الكريم مُقدَّم على الجهاد بالنفس. المنطق القرآني هكذا يكون في العادة: «وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم» (الأنفال/72، و...). وما قول الإمام الباقر(ع) إلا تفسير لهذه الآيات الكريمة. علِّموا الأولاد منذ الابتدائية على العمل التعاوني؛ أقصد التعاون المبني على أنموذج الأُخوّة الذي طرحه آية الله الشاه آبادي(ره).


لا تقوم الحضارة المتأسِّسة على الإنفاق إن لم يكن على رأسها "ولي"

  • عن الإمام الباقر(ع) أيضًا في رواية أخرى أنه قال: «بُنِيَ الإِسلامُ عَلى خَمسَةِ أَشياءَ: عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالوَلايَةِ. قالَ زُرارَةُ: فَقُلتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أَفضَلُ؟ فَقالَ(ع): الوَلايَةُ أَفضَلُ لِأَنَّها مِفتاحُهُنَّ وَالوالي هُوَ الدَّليلُ عَلَيهِنّ» (الكافي/ ج2/ ص18). والزكاة هي البذل تحديدًا، وتندرج فيها أنواعه كلها. فإنّ لكل ما تملكه زكاةً؛ فزكاة العلم، مثلًا، هي أن تُعَلِّمه للآخرين. وهناك أحاديث جمة حول الزكاة تُنظّم لك نمط حياتك بدقة، وتؤسِّس لنظام وهيكلية مُنتِجة للعدالة. يقول الإمام الباقر(ع) لزرارة: إن الإسلام مبني على هذه الأمور الخمسة. فسأله زرارة عن أهمها وأفضلها. وأنا أُسَرّ كثيرًا بمن يسأل: "أيها أهم؟" لأنه إنسان فَطِن! حين سأله زرارة أيها أهم؟ قال(ع): «الوَلايَةُ أَفضَل لِأَنَّها مِفتاحُهُنَّ»؛ والمفتاح يعني أن الأمور تبدأ من هنا، «وَالوالي هُوَ الدَّليلُ عَلَيهِنّ»؛ أي: إنه الوَلِيّ الذي يَدُلّ على الزكاة. فكل هذه الحضارة المبنية على الإنفاق، التي تحدَّثْنا عنها، لا تقوم إذا لم يكن على رأسها ولي، ولن يكون لها جدوى. إنك لم تستطع إلى الآن إقناع المسؤولين بضرورة أن ينهجوا منهج المواساة مع السيد القائد! فما الذي تبغيه إذن؟! إنّ هذا لأكبر ظُلم يقع!


السيد القائد: لو فُصلت العدالة عن العقلانية والروحانية فلن تكون ثمة عدالة

  • ولأقرأ عليكم عبارات من كلام سماحة السيد القائد الإمام الخامنئي (دام ظله) تتناول الكلام نفسه الذي قلناه. يقول سماحته: "ما هي العدالة أساسًا؟ إنها مفهوم بسيط بحسب الظاهر، يتحدث به الجميع ويكرره، أما في المصداق وعلى أرض الواقع فإن بلوغها في غاية الصعوبة، وهو ما قاله أمير المؤمنين(ع) عن الحق تمامًا: «فَالحَقُّ أَوسَعُ الأَشياءِ في التَّواصُفِ وَأَضيَقُها في التَّناصُف» (نهج البلاغة/ الخطبة216). وهكذا الأمر تمامًا بالنسبة إلى العدل؛ فالعدل هو حق أيضًا، ولا فصل بينهما أبدًا. فالحق – بمعنى من المعاني – هو العدل، والعدل هو الحق. فهو سهل في الوصف، لكن بلوغ العدل عمليًا صعب. بل إن معرفة مَواطن العدالة ومصاديقها هي في غاية الصعوبة أحيانًا؛ وهو أنه: أين تُطبَّق العدالة؟ وأين تُنتهَك؟» (في حديث لسماحته لدى لقاء رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في 30/8/2005).
  • ذكرتُ هذه العبارات لأن البعض قال حول كلامي: "لقد قلتَ إن غرضَ العدل في العادة هو الوقوف أمام أشكال السرقة!" بينما من الواضح أن مصاديق العدل لا تُحَد في هذا المضمار.
  • يقول قائد الثورة متابعةً لكلامه أعلاه: "لا أريد الآن أن أُعرّف العدالة. فقد قُدِّمَت تعاريف عامة وأساسية للعدالة، من قبيل التقسيم العادل للإمكانيات، وما إلى ذلك من الكلام، وهو صائب أيضًا، وبحاجة إلى التدقيق والتمعُّن كذلك. بمعنى أن عليكم في كل جانب من عملكم أن تنظروا: ما هو العدل؟ وبأي شيء يتحقق؟ وأريد هنا أن أنوّه بقضية، وهي أننا إن شئنا تحقُّقَ العدالة في المجتمع بالمعنى الحرفي للكلمة فلنعلم أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمفهومَين آخرَين، هما مفهوم العقلانية، ومفهوم الروحانية. فلو فُصلت العدالة عن العقلانية والروحانية فلن تعود تلك العدالة التي تصبون إليها، بل لن تعود عدالةً أصلًا". كأن يعمد بعضُ من يرى نفسه من أنصار العدالة إلى اتهام الآخرين، والتفوه بالبذاءة، ومُجانَبَة التقوى، فهذه عدالة بمعزل عن الروحانية والتعقل!
  • ويضيف سماحته: "فالعقلانية هي لأنه إذا لم يُتَّخَذ العقلُ أداةً لتعيين مصاديق العدل فسيَضِلّ الإنسان ويُخطئ؛ يظن أنّ فعلًا ما من العدالة وهو ليس كذلك، ولربما غفل عن أمور هي من العدل. فالعقلانية والمحاسبة إذن هي من الشروط الضرورية لبلوغ العدالة" (المصدر نفسه).


سماحة القائد: من لوازم سيادة الشعب الدينية مشاركة أفراده في جميع الميادين/ لو اقتحم التعبويّون ميدان الاقتصاد لأصبح الاقتصاد شعبيًا

  • ويقول سماحته في موضع آخر مخاطبًا القائمين على مراكز الابحاث وأساتذة الجامعات: "لقد طرحتُ موضوع الاقتصاد المقاوِم وقد أيّدني الجميع وأقَرّ قولي. فأين المشكلة إذن؟ ثمة عقدة علمية في الموضوع، فمَن المسؤول عن فَكّها؟ أو في قضية تهيِئة فرص العمل، أين المشكلة؟ لماذا لا تعالَج؟ هناك مُعضلة علمية، لا بد أنه ثمة مشكلة في الموضوع، ثمة عقدة، وهي عقدة علمية، فأين ينبغي فك هذه العقدة؟ ينبغي فكها في الجامعة. أو قضية الآفات الاجتماعية، ومسألة العدالة الاجتماعية؛ فهل تحققت العدالة الاجتماعية يا ترى وها نحن جميعًا نخوض كل هذا الخوض فيها ونتكلّم عليها، وهي من الواضحات والمسَلَّمات؟ فهذا مُعامِل "جيني" يرتفع يومًا بعد آخر". لقد مرَّتْ على قول سماحته هذا ثلاث سنين ومُعامِل "جيني" في الوقت الحاضر مرتفِع أكثر بكثير مما كان عليه قبل ثلاث سنوات خلَت. "صار أسوأ؟ لماذا؟ ما العلة في الموضوع؟ لماذا لا يتحقق في بلدنا هذا الفكر الصائب، وهذه المطالَبة السليمة، وهذا الهدف الصحيح (أي العدالة)؟"
  • لقد ذكر سماحة السيد القائد قبل أربعة أعوام أن: "من لوازم سيادة الشعب الدينية مشاركة أفراده في جميع الميادين. فمشاركة الشعب لا تقتصر على الحضور عند صناديق الاقتراع، بل على الجماهير أن تشارك في جميع الميادين؛ على سبيل المثال لا بد للجماهير أن تشارك في الاقتصاد مشاركةً فاعلة، وعندها ستتحقق سيادة الشعب الدينية في قطاع الاقتصاد". ثم أضاف سماحته: "قوات التعبئة (البسيج) هي تحقُّق سيادة الشعب الدينية على أرض الواقع. فقوات التعبئة هي مظهر لسيادة الشعب الدينية في جميع الصُعُد، فلو اقتحم التعبويون ميدان الاقتصاد لأصبح الاقتصاد اقتصادًا شعبيًا" (بتاريخ 23/11/2016).


كان العلامة الطباطبائي(ره) يَعُد الحضارة الغربية "حضارة التوحُّش"

  • ولنتحوّل الآن إلى القسم الثاني من البحث: وهو أنه ثمة في مقابل الحضارة الإسلامية القائمة على الإنفاق حضارة أخرى مبنية على الإمساك. ولأُعَرِّفكم أوّلًا بالحضارة المبنية على الإمساك.
  • يقول العلامة الطباطبائي(ره): "إن القضاء بالصلاح والطلاح على أفراد المجتمعات المتمدّنة الراقية على خلاف أفراد الأمم الأخرى لا ينبغي أن يُبنَى على ما يظهر من معاشرتهم ومخالطتهم فيما بينهم وعيشتهم الداخلية بل بالبناء على شخصيتهم الاجتماعية البارزة في مُماستها ومصاكتها [احتكاكها مع] سائر الأمم الضعيفة ومخالطتها الحيوية سائر الشخصيات الاجتماعية في العالم" (الميزان في تفسير القرآن/ ج4/ ص106)؛ ما معناه أنه لا يجوز عند الحُكْم على المجتمعات المتحضِّرة أن نتّخذ أفرادَها معيارًا لصلاحها أو فسادها، كما لا ينبغي قياسهم بأفراد مجتمع آخر. فلو رأينا مواطني بلدٍ غربي معيّن يمارسون مع بعضهم البعض سلوكًا معَيَّنًا؛ كأن يتصرّفوا فيما بينهم بأدب، ولا يكذبوا على بعضهم البعض، وأن أهالي بلد شرقي مسلم ليسوا هكذا فلا يسعنا القول: إذن المجتمعات الغربية عمومًا أفضل من الشرقية، بل علينا أن نجعل المعيار شخصيتَهم الاجتماعية وسلوكَهم مع باقي المجتمعات. لا بد أن نرى: كيف هو سلوك المجتمع الغربي الفلاني، الذي يرى نفسه متحضّرًا، مع مجتمع كذا الضعيف؟ وخلاصة القول: علينا أن نقيس شخصية هذا المجتمع الاجتماعية بباقي الشخصيات الاجتماعية في العالم. إذ يذهب العلامة الطباطبائي(ره) إلى أن لدينا عنصرًا اسمه الفرد، وعنصرًا آخر اسمه المجتمع، وهو يرى للأخير أصالة، وأن له شخصية خاصة به. كما أن المجتمع، وفق المنطق القرآني، يموت، ويُنعَت، وله تعاليم وأحكام.
  • ويتابع سماحته(ره) القول: "فهذه هي التي يجب أن تُراعَى وتعتبَر في القضاء بصلاح المجتمع وطلاحه، وسعادته وشقائه، وعلى هذا المجرى يجب أن يجري باحثونا، ثم إن شاؤوا فليستعجبوا وإن شاؤوا فليتعجّبوا" (المصدر نفسه)؛ أي إنّ باحثينا، من الفضلاء المتغربين، قد غفلوا – مع الأسف - عن هذا المعنى فالتبس عليهم الأمر، في حين أنهم لو نظروا إلى المجتمع الغربي نظرتهم إلى شخصية (أو بتعبير بحثنا: نظرتهم إلى حضارة) وقاسوا سلوك هذه الشخصية مع سائر شخصيات العالم فسيُعلَم حينها إن كانوا سيستغربون من حضارة الغرب أم من توحُّشهم! وكأنّ العلامة الطباطبائي(ره) هنا يُقرّ علناً بوحشية الحضارة الغربية. ونحن أيضًا في عاشوراء نبكي على الوحشية التي مُورِسَت مع خيام أبي عبد الله الحسين(ع)، فعلينا أن نعرف يزيد زماننا أيضًا.


كيف ترضى الطبيعة الإنسانية أن تُجهّز طائفةٌ على الآخرين باسم التحضُّر؟!

  • ثم يُضيف العلامة الطباطبائي(ره) قائلًا: "ولعَمْري لو طالَع المُطالِع المتأمِّل تاريخَ حياتهم [الغربيين] الاجتماعية من لدن النهضة الحديثة الأوربية [الظاهر أن سماحة العلامة يقصد هنا عصر النهضة] وتعمّقَ فيما عامَلوا به غيرَهم من الأُمَم والأجيال المسكينة الضعيفة لم يلبث دونَ أن يرى أن هذه المجتمعات؛ التي يُظهِرون أنّهم امتلَؤوا رأفةً ونُصحًا للبشر، يَفدون بالدماء والأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع وإعطاء الحرية والأخذ بيد المظلوم المهضوم حقًّا وإلغاء سُنّة الاسترقاق والأسر - يرى أنهم لا هَمَّ لهم إلا استعباد الأمم الضعيفة مساكين الأرض ما وجَدوا إليه سبيلًا بما وجدوا إليه من سبيل؛ فيومًا بالقَهر، و يومًا بالاستعمار، ويومًا بالاستملاك، ويومًا بالقيمومة، ويومًا باسم حفظ المنافع المشتركة...." [أي يرى سماحته وحشيتهم]. "والمجتمعات التي هذا شأنها لا ترتضي الفطرةُ الإنسانية السليمة أن تَصِفَها بالصلاح أو تُذعن لها بالسعادة وإن أغمضَت النظرَ عما يشخّصه قضاء الدين وحُكم الوحي والنبوة من معنى السعادة. وكيف ترضى الطبيعة الإنسانية أن تُجَهِّز أفرادَها بما تُجَهِّزَها على السواء ثم تناقض نفسَها فتعطي بعضًا منهم عهدًا أن يتملّكوا الآخرين تملّكًا يُبيح لهم دماءَهم وأعراضهم وأموالهم، ويسوّي لهم الطريق إلى اللعب بمجامع حياتهم ووجودهم والتصرّف في إدراكهم وإرادتهم بما لم يَلقَه ولا قاساه إنسان القرون الأولى؟!" (المصدر نفسه/ ص106-107).
  • ثم يقول العلامة الطباطبائي(ره)، وهو الفيلسوف الذي لا يُلقي كلامه من دون توثيق واستدلال: "والمُعَوَّل في جميع ما نذكره تواريخ حياة هؤلاء الأمم وما يقاسيه الجيل الحاضر من أيديهم. فإن سُمّي ما عندهم سعادةً وصلاحًا فلتكن بمعنى التحكّم وإطلاق المشيّة" (المصدر نفسه/ ص107)؛ فأسوَأ هذه الجرائم هي أن يُسَمّوا جرائمهم، بما أوتوا من منطق التجبُّر، إصلاحًا!


آية الله بهجت(ره): إننا نمد أيدينا إلى حفنة من الوحوش المفترسة!

  • ننتقل الآن إلى كلام سماحة آية الله بهجت(ره) حيث يقول: "والآن، بماذا يتم إصلاحنا حاليًّا؟ إنه بالأوبة عما نعلم أننا نفعله في الداخل أو الخارج. فإننا تقيم مع الأجانب علاقات تصُبّ في مصلحتهم، ولا تصب في مصلحتنا" (كتاب: به سوى محبوب (نحو المحبوب)/ ص106-107). إذن خلاصة قول سماحة آية الله بهجت(ره) هو أن علاقتَنا بالأجانب تصب في مصلحتهم هم.
  • ثم یتابع سماحته: "إننا نمد يد الاستعطاء إلى حفنة من الوحوش المفترسة والبهائم، ونرغب في أن يُقرضونا!" ويقول سماحته في موضع آخر: "العجيب أن الكفار يقترحون علينا، من أجل هدايتنا وإرشادنا، الصلحَ والتطبيع، بالضبط كمعلّم الأخلاق إذا واجهَ جاهلًا ضحلَ الأخلاق ويريد إرشاده". ويقول سماحته(ره): "من غير المُستبعَد أن تؤمن السباع، أما هؤلاء فإنهم أسوأ حتى من السباع والوحوش" (المصدر نفسه). لو كان القوم يعرفون هذه الأمور من ذي قبل لما وصلت بنا الحال إلى ما نحن عليه.


الإمام الراحل(ره): ماذا عسانا نصنع بهذه الحضارة الغربية الأسوأ من التوحُّش؟!

  • ونتناول الآن كلمات الإمام الخميني الراحل(ره)؛ يقول سماحته: "المهم برأيي هو أن الأب وابنَه الطالحَين (الشاهَين البهلويَّين) قد جعلانا نؤمن بالغرب إلى درجة أن أصبحنا غير ميّالين للقبول بسوى ما يُلَقِّنُنا به. هكذا صار أغلب شبابنا تقريبًا؛ تحوّلوا من إيرانيين إلى غربيين. إنه لَخطَر أن لا يعود بلدٌ ما يقبَل نفسَه... علينا أن نحلّل برَوِيّة لنرى إن كانت أشكال التطور هذه (الموجودة في الغرب) تسير باتجاه التحضّر أم نحو التوحّش؟ ما أريد قوله هو إن الولايات المتحدة وسائر هذه الدول الغربية والشرقية تسير، عبر أشكال الرُقِيّ التي خلقَتها، نحو تنشئة شعوبها على التوحّش. إنّ كل ما يصنعون هو من أجل التوحّش" (صحيفه امام (صحيفة الإمام)/ ج8/ ص100). لاحظوا كم تتشابه أقوال هؤلاء العظماء الثلاثة!
  • ويقول سماحته(ره) في موضع آخر: "الأمور التي تشاهدونها في الدول الأخرى وتظنون أنها تحضُّر هي – إن تأمّلتُم جيدًا – ليست تحضّرًا، بل هي أقرب ما تكون إلى التوحّش" (المصدر نفسه/ ص309). ويقول(ره) أيضًا في موطن آخر: "ماذا عسانا نصنع بهذا التحضر الذي هو أسوأ من التوحش، التحضر الذي سلوكُ حيوانات البراري أرقى منه؟ أنريد بلوغ مثل هذه الحضارة؟!" (صحيفه امام (المصدر نفسه/ ج12/ ص378).


الإمام الراحل(ره): ما لم يرحل المتغربون عن البلد أو ينصلحوا لن تنالوا استقلالكم؛ لن يذروكم!

  • ويقول سماحته(ره): "إننا قد نجونا من رضا خان ومحمد رضا شاه، لكننا لن ننجوا بهذه السرعة من أَرِبّاء الغرب والشرق" (المصدر نفسه/ ج15/ ص446). لاحظوا هذا الإمام نفسُه ذو النظرة الإيجابية، هذا الإمام ذاتُه الذي يقول: "سنقتحم ذُرى العالَم" ويقول: "نحن أقوياء"، ...إلخ، قال في موضع واحد فقط: "لن ننجوا منهم بهذه السهولة"، وهم المتغرّبون! والمتغرّب هو المولَع بحضارة التوحش هذه! إنني أنقل لكم هذا الكلام بعد أن قرأتُ صحيفة الإمام كلها.
  • ويقول سماحته(ره) في مكان آخر: "لا ينبغي أن نتوقع من المريض - الذي راح الخَوَنة، على مدى خمسين ونيِّف من السنين، يُغَذّون مرضَه ويتمادون في إمراضه - أن يُشفى من هذا المرض فورَ رحيل هؤلاء الخوَنة. لا نتوقَّعَنّ التعافي من هذا المرض الغربي، الذي انتقل إلى مجتمعنا من الغرب، من الدول الأجنبية التي كانت تريد سلبَنا كل شيء – التعافي منه مدة ثمانية أشهر، أو ثماني سنين، أو حتى عشرين سنة" (المصدر نفسه/ ج10/ ص388). واللافت أن المتغربين قد عادوا إلى الساحة بشعاراتهم علنًا بعد حوالي عشرين عامًا من كلام الإمام الراحل(ره) هذا.
  • ثم يتابع(ره): "...إن طموحكم في أن يُشفى هؤلاء المرضى بين ليلة وضحاها، أو أن تُنَحّوهم جانبًا وتأتوا بصالحين محلَّهم هو طموح غير معقول. إني أعلم أن الأجانب قد عملوا، في المجالات كافة، وفي مراكز التربية والتعليم خاصةً، على الإبقاء على الناس في مستوى معيَّن، أو حَرفِهم عن الجادة التي ينبغي المُضِيّ فيها". ثم يردف(ره) قائلًا: "وما لم يرحل هؤلاء المتغربون، الموجودون في كل مكان، عن البلد أو ينصلحوا فلن تنالوا استقلالكم، إنهم لن يذروكم تفعلوا ذلك!" (صحيفه امام (المصدر نفسه/ ص391).
  • ويقول الإمام الراحل(ره) في موضع آخر: "فلتُكسَر الأقلام التي تكتب لهم، ولتُقطَع الألسُن التي تتكلم خدمةً لمصلحتهم وتسعى لإفساد أفراد الشعب" (المصدر نفسه). ولتذهبوا وتقرؤوا أول هذه الجُمَل وآخرها. ويقول(ره) في مكان آخر: "أيها السادة، إن بلدنا اليوم هو ضحية التغرّب، وهو أسوأ من أن يكون ضحية زلزال... فليُنَحّوا المتغرّبين جانبًا؛ وليس عددهم بالكثير جدًا، لكنّ تدخُّلهُم فائق عن الحَدّ؛ ليسوا كثيرين بالعدد، لكن مزاعمهم كبيرة" (المصدر نفسه/ ج8/ ص177).
  • ويقول سماحة الإمام(ره) أيضًا: "كل أشكال التغرُّب ظُلمَة. إن الذين اهتمامهم الغرب والأجانب، وقبلتهم الغرب، والذين يُوجِّهون وجوهَهم للغرب هم غارقون في الظلمات، وإن أولياءهم الطاغوت" (المصدر نفسه/ ج9/ ص460). اقرأوا الليلةَ قبلَ النوم آية الكرسي عملًا بسنة رسول الله(ص). يقول تعالى في آخر آية الكرسي ما معناه: إن مَن كان أولياؤهم الطاغوت مُخَلَّدون في العذاب: «وَالَّذينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فيها خالِدُون» (البقرة/257).


ماذا يجب أن نصنع مع المتغربين في بلدنا؟

  • فماذا نصنع إذن مع هؤلاء المتغربين العابدين للغرب؟ فليَنأَ مجلس الشورى الإسلامي بنفسه عنهم. أرجوكم أن تؤلّفوا لجنة لتقصّي كل القوانين المتغرّبة والعمل على إصلاحها.
  • قبل سنين قال أحدهم في لقاء معه: "لقد اقتبستُ من فرنسا وانجلترا بعض القوانين الخاصة بالأسرة، مع بعض التعديلات، وعملتُ على إقرارها في مجلس الشورى. كان البرلمان رافضًا ذلك في البداية فعملتُ على إقرارها بشقّ الأنفُس. مجلس صيانة الدستور أيضًا كاد أن يرفضها فبالغتُ في الإصرار عليهم حتى اقتنعوا...". نأمل أن يتمكن مجلس الشورى الحالي من إصلاحها، فأمثال هذه القوانين هي أساس الظلم. إنهم قد حوَّلوا الأسرة إلى بيئة منزوعة المواساة، وهذا هو سبب انخفاض معدلات الإنجاب. منطق الواحد منهم هو: "لماذا أَشيخُ أنا وأفدي غيري بنفسي؟!" إنه يبخل في الإنجاب. أترون ما صنعت فينا ثقافة الإمساك والحضارة القائمة على الإمساك؟!


زكريا(ع): إلهي، هبني صبيًا صالحًا يستشهد في سبيلك...

  • أعزائي الشباب، إنكم إن أقدمتم على الزواج وأنجبتم الأولاد مرضاةً لصاحب الزمان(عج) فسيحصل في المجتمع تطوّر من نوع آخر. طالِعوا قصة أم مريم العذراء(س) في سورة آل عمران، إنها معجزة من معاجز الله سبحانه. أُمٌّ تخاطب ربها: إلهي، لقد نذرتُ لك الجنين الذي في بطني... وكان الجنين بنتًا. قالت: إنها بنت، وكان لا بد أن يكون صبيًا لأنذره لك، أنا الآن طوعُ أمرك. فقال لها الله: قبلتُ منك؛ «إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في‏ بَطْني‏ مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي... فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى... فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَن‏...» (آل عمران/35-37). فكانت هذه البنت مريم العذراء(س) وكان ابنها عيسى بن مريم(ع).
  • يقول نبي الله زكريا(ع): كلما دخلتُ على مريم المحراب أجد عندها فاكهة، فسألتُها: من أين لك هذا؟ فأجابت: الله يبعثها لي من الجنة؛ «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله» (آل عمران/37). وحينذاك.. «هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لي‏ مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَة» (آل عمران/38). يا إلهي، ما أروعه من ولَد هذا الذي تمنحُه بعد دعاء! يقول رب العزة: لقد وهبتُ لزكريا أيضًا ولدًا. حين استجاب الله تعالى لزكريا دعاءه قال زكريا(ع): لكني يا إلهي قد كبرتُ في السن، وهذه امرأتي عاقر لا تُنجب! فقال الله تعالى: لقد سألتَني، وها أنا أهبُك ولَدًا! «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى... قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لي‏ غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتي‏ عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاء» (آل عمران/39-40).
  • القصة إلى هنا مذكورة في القرآن الكريم، أما تتمتها ففي الروايات. قال زكريا(ع) لربه: إلهي، ما دمتَ ستهبني ولدًا فهبني ولدًا صالحًا يستشهد في سبيلك.. يفصلون رأسَه عن جسده ويضعونه أمامي، فيلتَعْ قلبي بمصاب هذا الولد القطيع الرأس، فأواسي به نبي آخر الزمان إذ يُفصَل رأسُ ولَده الحسين(ع) عن جسده! «زَكَرِيَّا سَأَلَ‏ رَبَّهُ‏ أَنْ‏ يُعَلِّمَهُ‏ أَسْمَاءَ الْخَمْسَةِ فَأَهْبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ فَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا... ثُمَّ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي وَلَدًا تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي عَلَى الْكِبَرِ، وَاجْعَلْهُ وَارِثًا وَصِيًّا، وَاجْعَلْ مَحَلَّهُ مِنِّي مَحَلَّ الْحُسَيْنِ، فَإِذَا رَزَقْتَنِيهِ فَافْتِنِّي بِحُبِّهِ، ثُمَّ فَجِّعْنِي بِهِ كَمَا تُفَجِّعُ مُحَمَّدًا حَبِيبَكَ بِوَلَدِهِ. فَرَزَقَهُ اللهُ يَحْيَى وَفَجَّعَهُ بِه‏...» (كمال الدين وتمام النعمة/ ج2/ ص461).
  • فوهبه الله تعالى يحيى.. وما أحَبَّه من يحيى! فوصلت المواصيل إلى أن يفصل الأعداء رأس يحيى عن جسده، ويضعوه في طشت، فكان زكريا ينظر إليه ويقول: يا حسيني.... فلتدعوني الآن أقرأ العزاء لزكريا(ع).. أقول: يا زكريا، أجل لقد فصلوا رأس ولدك يحيى عن جسده، لكنهم لم يقتادوا وُلْدَه أُسارى في البوادي، ولم يضربوا أطفاله بالسياط، ولم يسلبوا خيامه... فأين ولدك يحيى من حُسينِ رسول الله(ص)...!

تعليق