الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

15/12/13 چاپ
 

في ليلة التاسع من المحرّم في مجلس عزاء الإمام الحسين(ع) بحضور ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي(دام ظله)

إليكم النصّ الكامل لكلمة سماحة الشيخ بناهيان في مجلس عزاء الإمام الحسين(ع) في حسينية الإمام الخميني(ره) بحضور سماحة وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئي(دام ظله):

الجواسيس والشخصيات السهلة الاختراق في تاريخ الإسلام/ 1. لقد حرق النبيّ المسجد الذي أريد له أن يكون مقرّا للاختراق وحوّله إلى مزبلة

  • أحد معاصري زمن النبي(ص) كان رجلا باسم «أبي عامر» وكان له روّاد في يثرب قبل هجرة النبي(ص) إليها. كان راهبا وزاهدا وأحد وجهاء المدينة يومذاك. ولكن بعد هجرة الرسول(ص) وإشراق نوره في المدينة المنوّرة، فَقَد مكانته وتفرّق الناس من حوله. فلم يؤمن بالنبيّ والتحق بالمشركين، حتى أنه طالبهم بشنّ حملة على النبي(ص) والمسلمين في المدينة. وقيل أنه ساهم في رسم جزء من خريطة الحرب في معركة أحد. [تفسير الميزان والأمثل/ في ذيل الآية 107 من سورة التوبة]
  • بعد ذلك قرّر أبوعامر أن يلتحق بالروم. لا أدري هل استطاع أن يتّصل بالروم ويتفاوض معهم أم لا، ولكنّه «أرسل إلى المنافقين أن استعدوا وابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر و آتي من عنده بجنود و أخرج محمدا من المدينة» أراد أصحابه أن يؤسسوا مقرّا للتجسس والاختراق ولكنهم لم يتمكّنوا من تأسيس معبد أو مقرّ خاصّ بهم. ولذلك بنوا مسجدا، وفي سبيل إعطاء سمعة جيّدة للمسجد دعوا رسول الله(ص) لمباركة المسجد. فاستجاب النبيّ(ص) طلبهم وواعدهم بزيارة المسجد بعد رجوعه من غزوته.
  • بعد ما رجع النبي(ص) إلى المدينة، نزلت الآية تقول: (و الَّذينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْريقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى‏ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُون‏) [التوبة/107] فأمر رسول الله(ص) عمار بن ياسر وآخرين من الأصحاب أن احرقوا واهدموا هذا المسجد الذي أسس وكرا لاختراق الأعداء. فحرقوا المسجد وهدموه وحوّلوا المنطقة إلى مزبلة. [تفسير الميزان والأمثل/ في ذيل الآية 107 من سورة التوبة.]
  • بهذه القوّة أفشل رسول الله(ص) أول عمليّة للاختراق. إنهم كانوا بصدد الاختراق تحت غطاء المسجد والنشاطات المعنوية، فوقف رسول الله(ص) في وجههم.

الموضوع الأهمّ من الاختراق هو ظاهرة الشخصيات السهلة الاختراق

  • إن قضية الاختراق في تاريخ الإسلام لقضية ذو شجون. لا يكفينا الاهتمام بموضوع الاختراق، بل هناك موضوع أهم وهو ظاهرة «الشخصيات السهلة الاختراق» ولابدّ أن يأخذ حيّزا كبيرا من اهتمامنا. وهم أولئك الأشخاص الذين تؤثّر فيهم عمليّات الاختراق ويُستَغلّون كأدوات وقنوات للاختراق. في تاريخ النبي الأكرم(ص) عُرِف أحد الشخصيات كعنصر «سهل الاختراق» وهو «عبد الله بن أبي» وهناك من يقول بأنه كان جاسوسا من الأساس. وعلى أيّ حال كان أحد المنافقين.

2. كان عبد الله بن أبي بصدد تحزيب الأمة الإسلامية إلى فئتي المهاجرين والأنصار

  • متى ظهر نفاق عبد الله بن أبيّ جليّا؟ في معركة أحد، وبعد ما اشتدّ الأمر على جيش الإسلام، قام هذا الرجل بسحب 300 نفر من القوّات الذين كانوا يدافعون عن النبي(ص). هذه كانت إحدى خياناته.
  • ولكن الموقف الذي أدى إلى نزول سورة المنافقون في حقّه، هو أنه عندما سعى لتحزيب المسلمين إلى فئتي المهاجرين والأنصار في أثناء طريقهم إلى إحدى الغزوات (غزوة بني المصطلق). إنه كان قد عزم على إخراج المهاجرين من المدينة بعد رجوع المسلمين من غزوتهم؛ (لَئنِ رَّجَعْنَا إِلىَ الْمَدِینَةِ لَیُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنهَا الْأَذَلّ) [المنافقون/8]  

تعبير القرآن الدقيق عن الشخصيّات السهلة الاختراق: «سمّاعون لهم»

  • إحدى الآيات القرآنية التي قد سلطّت الضوء على هذا النمط من الناس، قد عبّرت عنهم بمصطلح لا بأس أن نعتبره «كلمة مفتاح» لهذا الموضوع. فقد قال الله سبحانه: (وَ فیکُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التبوبة/47] وفي هذه الآية نفسها يعتبرهم القرآن بأنهم يثيرون الفتنة؛ (وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَکُمْ یَبْغُونَکُمُ الْفِتْنَة). وكان أحد بغاة الفتنة، عبد الله بن أبي.

أول حدث أدى إلى زعل النبيّ(ص) الشديد هو مبادرة عبد الله بن أبيّ إلى تحزيب المسلمين

  • بعد ما أثار عبد الله بن أبيّ هذه الفتنة التي كادت أن تشقّ عصا المسلمين وبلغ خبرها إلى رسول الله(ص)، لم يسرع النبي(ع) في قبول هذا الخبر في بداية الأمر. لقد سمع هذا الخبر من أحد الشباب باسم «زيد بن الأرقم» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَعَلَّكَ وَهِمْتَ يَا غُلَامُ- فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ مَا وَهِمْتُ- فَقَالَ لَعَلَّكَ غَضِبْتَ عَلَيْهِ، قَالَ لَا مَا غَضِبْتُ عَلَيْهِ- قَالَ فَلَعَلَّهُ سَفِهَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ. لقد تعامل رسول الله(ص) مع هذا الخبر بكل كرامة واحتياط، إلى أن تأكد من الخبر تماما. وقد جاء في التاريخ أن النبي(ص) بعد ما اطّلع على هذا الخبر تألم جدّا ولزم الصمت لا يكلّمه أحد؛ «فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَوْمَهُ كُلَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ» [تفسير القمي/ج2/ص368, 369]

لقد وصلنا تاريخ الإسلام مجرّدا عن الطابع السياسي/ بكل صراحة يوصون أهل المنابر بعدم التدخل بالسياسة!

  • ليعلم الشباب أن قد وصلنا تاريخ الإسلام مجرّدا عن الطابع السياسي. وعندما تنقل المقاطع السياسيّة من تاريخ الإسلام والتي وردت في التاريخ بوضوح، نجد أن أكثر الناس غير مطّلعين عليها. ولذلك اضطرّ الإمام الخميني(ع) إلى أن يقول: «والله إن الإسلام كلّه سياسية» [صحيفة الإمام(الفارسية)/ج1/ ص270] مما أثار استغراب الناس. بكلّ صراحة يوصي بعض الناس علماءَ الدين والخطباء أن لا تتدخّلوا بالسياسة!
  • ما أكثر القضايا السياسية في تاريخ الإسلام التي لم توضّح جيدا. وأنا لا أدري لماذا تحذف المقاطع السياسية من التاريخ الدورات التمهيدية لتدريس التاريخ؟ فكأنهم يعتبرون المقاطع السياسيّة هوامش وفروع على أصل أحداث التاريخ!

أول مبادرة قام بها النبي(ص) بعد بيعة العقبة الثانية كانت سياسية تماما؛ لا أخلاقية ولا عقائدية

  • ماذا كانت أول مبادرة قام بها النبي(ص) بعد بيعة العقبة الثانية؟ لقد جاءه يومئذ أكثر من سبعين نفرا من مسلمي المدينة ليبايعوا رسول الله(ص) لا لأن يسلموا على يديه. لقد جاءوه ليبايعوه على أن يدافعوا عنه دفاعا كاملا. وحري بالذكر أنه قد انطوت هذه البيعة على خمسة بنود وكلّها كانت سياسيّة. لقد تمّت هذه البيعة في الخفاء بعيدا عن أنظار الناس و «العقبة» منطقة بين منا ومكة وفيها بيوت لعبد المطلب وأبي طالب. (وَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَازِلًا فِي دَارِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ حَمْزَةُ وَ عَلِيٌّ وَ الْعَبَّاسُ مَعَهُ فَجَاءَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ فَدَخَلُوا الدَّارَ...؛ أعلام‌الوری/60) (فَقُلْنَا: یَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَى مَا نُبَایِعُكَ؟ فَقَالَ: بَایَعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَ الطَّاعَةَ فِي النَّشَاطِ وَ الْکَسَلَ، وَ عَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَ الْیُسْرِ، وَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْکَرِ، وَ عَلَى أَنَّ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَأْخُذْکُمْ فِیهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَ عَلَى أَنَّ تَنْصُرُونِی إذَا قَدِمْتَ عَلَیْکُمْ یَثْرِبَ تَمْنَعُونِی مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَکُمْ وَ أَزْوَاجُکُمْ وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ لَکُمْ الْجَنَّةَ؛ دلائل النبوة/2/443)
  • بماذا بدأ النبي(ص) في تلك الجلسة؟ هل أوصاهم بالأخلاق الحسنة؟ هل طرح لهم بحثا عقائديّا؟ لابدّ أن نعرف الخطوات الأولى التي مارسها النبي(ص) في ذلك القوم الذين كانوا يشكّلون اللبنة الأولى وأوّل مجتمع صغير بايع الرسول(ص)، إذ لم تتكوّن مثل هذه اللبنة حتى عند ذهاب الرسول(ص) إلى الطائف.
  • كان النبي(ص) يستغلّ موسم الحج لدعوة باقي القبائل والطوائف كربيعة وغيرهم، حتى أنه كان أحيانا لا يفرض عليهم العقائد الدينية أو طقوس الشريعة، بل إنما كان يدعوهم لعقد اتفاقية بينهم للدفاع عن النبي(ص). فكانت تحرّكات سياسيّة بحتة.
  • لقد بالغ بعض الناس في تشويه سمعة السياسة، بحيث إذا أراد رجل أن يتحدث عن مواقف النبي(ص) السياسيّة، قد يشعر بالإحراج وكأنه نسب إلى النبي(ص) أفعالا هو أجلّ منها ولا تليق به. في حين أن النشاط السياسي هو أصل شغل الأنبياء، وإذا زاحمهم طغاة وغصبوا هذه المناصب فهم ظالمون وتبقى السياسة من شؤون الأنبياء وأوصيائهم ونوّابهم.

أول مبادرة قام بها النبي(ص) بعد بيعة العقبة، هي أنه عيّن رئيسا على أهل المدينة!

  • أوّل مبادرة قام بها النبي(ص) بعد بيعة العقبة هي أن قال لهم: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْکُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِیباً یَکْفُلُونَ عَلَیْکُمْ بِذَلِكَ کَمَا أَخَذَ مُوسَى مِنْ بَني إِسْرَائِیلَ اثْنَیْ عَشَرَ نَقِیباً فَقَالُوا اخْتَرْ مَنْ شِئْتَ، فَأَشَارَ جَبْرَئِیلُ ع إِلَیْهِمْ فَقَالَ هَذَا نَقِیبٌ وَ هَذَا نَقِیب» [إعلام الورى/60]  وكذلك قال لهم: «و لا یجدن أحد منکم في نفسه أن یؤخذ غیره فإنما یختار لي جبرئیل» [الطبقات الكبرى/3/452]
  • قد يقول قائل: يا رسول الله! من الأولى أن تهاجر إلى المدينة وتستقرّ فيها ثم تقرّر في مثل هذه القضايا! إذ لا يعاني أهل المدينة من مشكلة في موضوع الرئاسة والزعامة. لقد كان لهم رئيس منذ سنين طويلة وكانوا يدبّرون حياتهم. وبالإضافة إلى ذلك لم يؤمن بك جميعهم بعد! فالأولى في البداية أن تشرّف المدينة وتهاجر إليها ثم تبدأ بنشاط ثقافي وأخلاقي أولا وبعد ذلك تفكّر في موضوع الرئاسة! ولكنك أخذت تتدخّل في شؤون الرئاسة والقضايا السياسية منذ اليوم الأوّل! كما يبدو أن الموضوع من الأهمّية بمكان بحيث نزل جبرئيل وصرّح بأسمائهم واحدا واحدا؛ «اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ أُمَّتِهِ اثْنَیْ عَشَرَ نَقِیباً أَشَارَ إِلَیْهِمْ جَبْرَئِیلُ وَ أَمَرَهُ بِاخْتِیَارِهِمْ کَعِدَّةِ نُقَبَاءِ مُوسَى ع تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْس» [الخصال/ج2/ص491]
  • ومع كلّ هذه الأهمّية، أينما أطرح هذه القضيّة أجدها جديدة على المستمعين ولم يسمع بها أحد. وأنا لا أدري على أساس أيّ منهج وأي فكر يقوم المبرمجون في شؤون التربية والتعليم باختيار المناهج الدراسية وتنظيمها، بحيث لم تصلنا بعض الأحداث الرئيسة والمواقف الأساسيّة في تاريخ الإسلام، من قبيل هذه القضيّة التي تعبّر عن أوّل مبادرة قام بها رسول الله(ص) تجاه أهل المدينة.

موقف النبيّ(ص) من عمليّة عبدالله بن أبي في شقّ عصا المسلمين

  • هل شاهدتم موقف نبيّ الإسلام(ص) من مسجد ضرار؟ فانظروا ماذا كان موقفه تجاه فتنة عبدالله بن أبيّ؟ كلّ ما جرى هو أن قام رجل وتحدّث بكلام تمزيقي فأدّى حديثه إلى زعل النبيّ(ص) وتوبيخ المسلمين جميعا من الذين كانوا حاضرين في جيشه يومذاك. أعلن النبي(ص) عن الرحيل في أوج لهيب الشمس! «فَقَالُوا- مَا کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِیَرْحَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ- فَرَحَلَ النَّاسُ وَ لَحِقَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَیْكَ یَا رَسُولَ اللَّهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَکَاتُهُ! فَقَالَ وَ عَلَیْكَ السَّلَامُ! فَقَالَ مَا کُنْتَ لِتَرْحَلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَقَالَ أَ وَ مَا سَمِعْتَ قَوْلًا قَالَ صَاحِبُکُمْ؟...فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ص یَوْمَهُ کُلَّهُ لَا یُکَلِّمُهُ أَحَدٌ» [تفسير القمي/2/369]
  • لعل عبد الله بن أبي كان أول من بادر إلى تمزيق المجتمع الإسلامي ولكن امتدّت ظاهرة الجواسيس والعناصر السهلة الاختراق إلى زمن الخلفاء أيضا.

3. كان «كعب» و «أبوهريرة» يهوديّين فأصبحا مستشارين للخلفاء؛ وآهٍ آه من هؤلاء المستشارين!/ كان الجواسيس متخشخشين في جهاز الخلافة دائما

  • كان كعب وتلميذه أبوهريرة يهوديّين فأصبحا مستشارين للخلفاء، وآهٍ آه من هؤلاء المستشارين! ذات يوم فاتح أحد الخلفاء كعبا عن قلقه في أمر الخلافة، وأنه هل يعيّن عليّا(ع) خليفةً. والحقيقة هي أن كعباً كان جاسوسا في جهاز الحكم الإسلامي وكان مأمورا بدسّ الإسرائيليّات في التراث الروائي؛ «کان یحدِّثهم عن الکتب الإسرائیلیة» [سير أعلام النبلاء/ج3/ص489] والله يعلم ماذا فعل هذا الإنسان؟ فقال كعب في مقام المشورة للخليفة: «أَمَّا مِنْ طَرِیقِ الرَّأْيِ فَإِنَّهُ لَا یَصْلُحُ أَنَّهُ رَجُلٌ مَتِینٌ الدِّینِ لاَ یُغْضِي عَلَى عَوْرَةٍ وَ لَا یَحْلُمُ عَنْ زَلَّةً وَ لَا یَعْمَلُ بِاجْتِهَادِ رَأْیِه» [شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد/12/81]
  • لم يخلُ جهاز الخلافة من جواسيس وتركوا بصمات أثرهم. هنا لا بأس أن تتعرّفوا على الجواسيس في حكومة يزيد. أولا نفس يزيد هو قد تربى في مدارس ومكاتب غير مسلمة. وأحد خواله غير مسلم.

4. إن فاجعة كربلاء كانت نتيجة مشورة قدّمها أحد الجواسيس غير المسلمين ليزيد

  • كان ليزيد مستشار غير مسلم باسم سرجون. فلمّا سمع بخبر قيام أبي عبد الله الحسين(ع) استشار هذا المستشار غير المسلم. فقال له عندي عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة فأرسله إلى الكوفة وولّه عليها؛ «فَلَمَّا وَصَلَتِ الْکُتُبُ إِلَى یَزِیدَ دَعَا سَرْجُونَ مَوْلَى مُعَاوِیَةَ...فَقَالَ لَهُ سَرْجُونُ أَ رَأَیْتَ مُعَاوِیَةَ لَوْ نُشِرَ لَكَ حَیّاً أَ مَا کُنْتَ آخِذاً بِرَأْیِهِ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: فَأَخْرَجَ سَرْجُونُ عَهْدَ عُبَیْدِ اللَّهِ بْنِ زِیَادٍ عَلَى الْکُوفَةِ وَ قَالَ هَذَا رَأْيُ مُعَاوِیَةَ مَاتَ وَ قَدْ أَمَرَ بِهَذَا الْکِتَابِ» [إرشاد المفيد/ج2/ص42] هذا ما يدلّ على أن هذا الرجل «سرجون» كان المستشار الأوّل ليزيد، وإلا فلماذا كان عهد معاوية لعبيد الله بن زياد بيده؟ ولماذا كان معاوية يفاتحه عن هذه الأسرار؟ على أي حال يبدو أن فاجعة كربلاء كانت نتيجة مشورة أحد الجواسيس غير المسلمين المتخشخش في جهاز حكومة يزيد.
  • هذه مجرّد أخبار تسرّبت من بطن التاريخ، أمّا ما كان يجري خلف الكواليس وما لم يتسرّب فلا نعلم به. ولا تتوقّعوا إمكان ضبط تفاصيل نشاط الجواسيس في التاريخ. فإن حقيقة الجواسيس ـ كما هو المعلوم ـ حقيقة خفيّة.

5ـ لا نجد في حكومة أمير المؤمنين(ع) جاسوسا، أما شخصيات سهلة الاختراق فكانت موجودة!/ أحد أعمال الأشعث الخبيثة هو تمزيق المجتمع الكوفي إلى فريقين

  • بطبيعة الحال لا نستطيع أن نجد جاسوسا في زمن أمير المؤمنين(ع)، أما شخصيّات سهلة الاختراق والأشخاص الذين «سمّاعون لهم» فكانوا موجودين!
  • يعتقد البعض أن الأشعث كان جاسوسا أساسا. ولكن في المقابل يعتقد كثير آخرون أن القدر المتيقّن هو أنه كان سهل الاختراق. وبالمناسبة كان أحد أعماله الخبيثة هو تمزيق المجتمع الكوفي إلى فريقين.
  • لقد بدأ الأشعث بنشاطه التفريقي والتمزيقي من معركة صفين وكان له دور في تبلور الخوارج. طبعا هو لم يكن منهم، وحتى كان يعاديهم بحسب الظاهر، ولكن كان له دور في تبلور فتنتهم. «فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الْأَشْعَثُ، فَقَرَأَهُ عَلَیْهِمْ، قَالَ فِتْیَانٌ مِنْهُمْ: لَا حُکْمَ إِلَّا لِلَّه» [وقعة الصفین/512]
  • اعرفوا نفسيّة الأشعث فحري بالإنسان أن يتأمل في شخصيّته. وحتى ينبغي أن يؤلّف كتاب مفصّل حول شخصية الأشعث فقط. إذ قد قال الإمام الصادق(ع): «وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَکَهُ وَ لَمْ تَأْخُذُوا بِمِیثَاقِ الْکِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِی نَقَضَهُ وَ لَنْ تَمَسَّکُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِی نَبَذَهُ» [الكافي/ج8/ص390]

رسالة معاوية إلى الأشعث: لا نعترف بأحد من أصحاب علي(ع) سواك!

  • لقد أرسل معاوية أخاه عتبة إلى الأشعث ليتفاوض معه. فلمّا سمع الأشعث صوته وعرفه قال: «غُلَامٌ مُتْرَفٌ وَ لَا بُدَّ مِنْ لِقَائِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا عُتْبَةُ؟» فبلّغه عتبة رسالة معاوية.
  • من جملة ما قال له واستهوى قلبه هو أن قال له: «أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَوْ كَانَ لَاقِياً رَجُلًا غَيْرَ عَلِيٍّ لَلَقِيَكَ إِنَّكَ رَأْسُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَنِ وَ قَدْ سَلَفَ مِنْ عُثْمَانَ إِلَيْكَ مَا سَلَفَ مِنَ الصِّهْرِ وَ الْعَمَلِ وَ لَسْتَ كَأَصْحَابِكَ أَمَّا الْأَشْتَرُ فَقَتَلَ عُثْمَانَ وَ أَمَّا عَدِيٌّ فَحَرَّضَ عَلَيْهِ وَ أَمَّا سَعِيدٌ فَقَلَّدَ عَلِيّاً دِيَتَهُ‏ وَ أَمَّا شُرَيْحٌ وَ زَحْرُ بْنُ قَيْسٍ فَلَا يَعْرِفَانِ غَيْرَ الْهَوَى» ثم قال له: «وَ إِنَّا لَا نَدْعُوكَ إِلَى تَرْكِ عَلِيٍّ وَ نَصْرِ مُعَاوِيَةَ وَ لَكِنَّا نَدْعُوكَ إِلَى الْبَقِيَّةِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُكَ وَ صَلَاحُنَا» [وقعة صفين/ص408] وکان یقصد من «البقيّة» الإبقاء وعدم الاستئصال وحقن الدماء. فلمّا سمع الأشعث بهذا المدح، كان ينبغي له أن يضرب رأسه بالحجر ويموت خجلا، ولكنّه فرح واستبشر! ثم قال: «وَ أَمَّا الْبَقِيَّةُ فَلَسْتُمْ بِأَحْوَجَ إِلَيْهَا مِنَّا وَ سَنَرَى رَأَيْنَا فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» [المصدر نفسه/ص409]

لقد اشتهر بين الناس أن رفع المصاحف على الرماح كان هو السبب في انخداع الناس، ولكن ما لم يتورّط الناس بقادة فاسدين لا ينخدعون

  • لقد اشتهر بين الناس أن رفع المصاحف على الرماح كان هو السبب في انخداع الناس، ولكن ما لم يتورّط الناس بقادة فاسدين لا ينخدعون. إن بعض الأقوال التي تشتهر بين الناس جيّدة ولا بأس بها ولكن يجب أن ندقّق أكثر في تاريخ الإسلام.
  • لو لم يقم الأشعث في تلك الليلة بتثبيط عزائم جيش أمير المؤمنين(ع) ولم يحدث تلك الفتنة، لما رفع معاوية المصاحف على الرماح في يوم غد. في تلك الليلة عندما بلغ معاوية خبر خطاب الأشعث، قال: أَصَابَ وَ رَبِّ الْکَعْبَةِ. وأمر برفع المصاحف. فكان رفع المصاحف في الواقع السهم الأخير.
  • «قَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَیْسٍ الْکِنْدِیُّ لَیْلَةَ الْهَرِیرِ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ کِنْدَةَ فَقَالَ... فَانْطَلَقَتْ عُیُونُ مُعَاوِیَةَ إِلَیْهِ بِخُطْبَةِ الْأَشْعَثِ فَقَالَ: أَصَابَ وَ رَبِّ الْکَعْبَةِ لَئِنْ نَحْنُ الْتَقَیْنَا غَداً لَتَمِیلَنَّ الرُّومُ عَلَى ذَرَارِیِّنَا وَ نِسَائِنَا وَ لَتَمِیلَنَّ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ ذَرَارِیِّهِمْ وَ إِنَّمَا یُبْصِرُ هَذَا ذَوُو الْأَحْلَامِ وَ النُّهَى ارْبِطُوا الْمَصَاحِفَ عَلَى أَطْرَافِ الْقَنَا» [وقعة الصفین/481]  «بَدَرَ مِنَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَیْسٍ لَیْلَةَ الْهَرِیرِ قَوْلٌ نَقَلَهُ النَّاقِلُونَ إِلَى مُعَاوِیَةَ فَاغْتَنَمَهُ وَ بَنَا عَلَیْهِ تَدْبِیرَهُ تَوَاقَفْنَا غَداً إِنَّهُ لَفَنَاءُ الْعَرَبِ وَ ضَیْعَةُ الْحُرُمَاتِ أَوْ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا یَخْذُلُهُمْ عَنِ الْقِتَالِ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِیَةَ قَالَ أَصَابَ وَ رَبِّ الْکَعْبَةِ فَدَبَّرَ تِلْكَ اللَّیْلَةَ مَا دَبَّرَ مِنْ رَفْعِ الْمَصَاحِفِ عَلَى الرِّمَاحِ فَأَقْبَلُوا بِالْمَصَاحِفِ یُنَادُونَ کِتَابُ اللَّهِ بَیْنَنَا وَ بَیْنَكُ» [بحارالأنوار/32/531]

لقد أثار الأشعث فتنة الخوارج! ولكنّه لم ينصر أمير المؤمنين(ع) في حرب نهروان!

  • الأشعث الذي مال قلبه إلى الطرف الآخر، أثار فتنة الخوارج. وأنا أشير هنا إلى أحد أفعاله في هذا المجال. لقد انفصل ستة آلاف نفر وقالوا: «إنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم و قد تبنا فتب إلى الله كما تبنا نعد لك فقال علي ع أنا أستغفر الله‏ من‏ كل‏ ذنب‏ فرجعوا معه» [شرح نهج البلاغة لأبي الحديد/ج2/ص279]
  • فسمع الأشعث بذلك فقال: «فأتى الأشعث عليا ع فقال يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا و الإقامة عليها كفرا فقام علي‏ ع يخطب فقال من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب و من رآها ضلالا فقد ضل فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت‏» [شرح نهج البلاغة لأبي الحديد/ج2/ص279] يقول ابن أبي الحديد: «کُلُّ فَسَادٍ کَانَ فِی خِلَافَةِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ ع وَ کُلُّ اضْطِرَابٍ حَدَثَ فَأَصْلُهُ الْأَشْعَثُ» [المصدر نفسه]
  • وحري بالذكر أن الأشعث لم يشايع أمير المؤمنين(ع) في محاربة الخوارج. هو الذي أجج فتنة «الخروج على الحاكم» ولكن بعدما عزم أمير المؤمنين(ع) على حلّ هذه الفتنة ولكنّه تخلّف عن جيش أمير المؤمنين(ع) بذرائع كاذبة؛ «لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى النَّهْرَوَانِ اسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَسْكِرُوا بِالْمَدَائِنِ‏ فَتَأَخَّرَ عَنْهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ‏ وَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَ قَالُوا أَ تَأْذَنُ لَنَا أَيَّاماً نَتَخَلَّفُ عَنْكَ فِي بَعْضِ حَوَائِجِنَا وَ نَلْحَقُ بِكَ فَقَالَ لَهُمْ قَدْ فَعَلْتُمُوهَا سَوْأَةً لَكُمْ‏ مِنْ‏ مَشَايِخَ‏ فَوَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ حَاجَةٍ تَتَخَلَّفُونَ عَلَيْهَا وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَ سَأُبَيِّنُ لَكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُثَبِّطُوا عَنِّي النَّاس‏» [الخرائج/ج1/ص226]

لقد سبب الأشعث في تأجيل حرب صفين بذريعة أولويّة محاربة الخوارج، ولكنه تخلّف عن النهروان

  • العجيب أنّ أمير المؤمنين(ع) لم يكن بصدد مواجهة الخوارج، بل كان عازما على الاستمرار بحرب صفّين، إذ قد أخلف القوم وعدهم مع أبي موسى الأشعري، ولذلك فكان أمير المؤمنين(ع) عازما على إنهاء حرب صفين. ولكن الأشعث كان يرى أن الأولى تصفية الخوارج إذ لا أمان على الأهل والعيال مع وجودهم؛ «فلمّا بلغ عليّا قتلهم عبدالله بن خباب، واعتراضهم الناس، بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم ، وينظر ما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه ولا يكتمه . فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه ، وأتى عليا الخبر والناس معه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا ؟ سر بنا إلى القوم ، فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام. وقام إليه الأشعث بن قيس ، وكلّمه بمثل ذلك» [تاريخ الطبري/ج5/ص82]
  • كان الأشعث يعلم بأنه لو شارك في حرب نهروان مع أمير المؤمنين(ع) وتلطّخت يده بدماء أربعة آلاف خارجيّ لما تسنّى له القيام بنشاطاته الآتية. ثم خدع الأشعث ابن ملجم والذي كان أحد أفضل أنصار أمير المؤمنين(ع) بحسب الظاهر طبعا. قال له: انظر كم من دماء جرت في هذه الحرب! مع أن الأشعث كان أحد أركان فتنة الخوارج. ولكنّه أخذ ينعى يتامى الخوارج وأراملهم لابن ملجم حتى قَلَبه رأسا على عقب. ففي الواقع شحن أبن ملجم لقتل أمير المؤمنين(ع). «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَیْسٍ شَرِكَ فِي دَمِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِین» [الكافي/8 /167] «و عَلَى یَدَیْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ الْمُرَادِیِّ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قَدْ عَاوَنَهُ وَرْدَانُ بْنُ مُجَالِدٍ مِنْ تَیْمِ الرَّبَابِ وَ شَبِیبُ بْنُ بَجْرَةَ وَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَیْسٍ» [المناقب/3/ 307]

6ـ الرجل السهل الاختراق الآخر هو أبو موسى الأشعري/ ما هي العلاقة بين أبي موسى الأشعري وبين السامري؟

  • الرجل السهل الاختراق الآخر الذي يجب أن ندرس شخصيّته جيّدا هو أبو موسى الأشعري. طبعا لا يستحقّ هذا الرجل أن يؤلّف كتاب بشأنه، ولكنّه يستحقّ اللعن فقد كان أمير المؤمنين(ع) يلعنه في صلواته. [راجع الأمالي للطوسي/ ص725] لقد كان أبو موسى رجلا مغفّلا [وقعة صفين/545] وضعيف العقل [إرشاد القلوب/ج2/ص249] فلمّا خدعوه في قضيّة التحكيم كان يقول: « قَدْ حَذَّرَنِی ابْنُ عَبَّاسٍ غَدْرَةَ الْفَاسِقِ وَ لَکِنْ اطْمَأْنَنْتُ إِلَیْهِ وَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَنْ یُؤْثِرَ شَیْئاً عَلَى نَصِیحَةِ الْأُمَّة» [وقعة صفين/546] فقد كان جاهلا إلى هذا الحدّ.
  • عندما أذكر أبا موسى الأشعري، أتذكر شبهه وعلاقته مع شخص آخر، فهي علاقة بارزة ومهمّة جدّا ولابدّ من تسليط الأضواء عليها.

إن السامري هو الذي أضلّ قوم بني إسرائيل بعد ما رأوه من عظيم المعاجز

  • في قصّة النبي موسى(ع) أنتم تواجهون ظاهرة غريبة ونادرة جدّا باسم «السامري»! لقد كان قوم بني إسرائيل تحت أشدّ أنواع القمع والتعذيب. لقد ارتفع دويّ ضجيجهم في التاريخ لتعجيل فرجهم فعجّل الله في فرجهم حوالي مئة و سبعين سنة؛ «فَلَمَّا طَالَ عَلَى بَنِی إِسْرَائِیلَ الْعَذَابُ ضَجُّوا وَ بَکَوْا إِلَى اللَّهِ ... فَحَطَّ [الله] عَنْهُمْ سَبْعِینَ وَ مِائَةَ سَنَةٍ» [تفسير العياشي/ج2/ص154] إن قوم بني إسرائيل هم الذين أنجاهم الله سبحانه وتعالى عبر أكبر وأعظم معجزة ـ ملموسة على الأقل ـ في القرآن، وغرق فرعون وجنوده جميعا في ساعة واحدة. فهم قد شاهدوا بأعينهم معاجز عظيمة وبركات خاصّة. 
  • لقد طالب الحواريّون بمائدة من السماء أو رغيف خبز فانظروا ماذا فعل الله بهم! )قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمين‏( [المائدة/115]
  • إن المعاجز التي شاهدها قوم بني إسرائيل كانت من الكثرة والوضوح بمكان بحيث كأنهم كانوا جالسين في الفندق ويوصّون المعاجز كما يشاءون! كانت تأتي المعاجز واحدة تلو الأخرى فأوحى الله إلى موسى أن (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) [البقرة/60] يجب أن نحكي قصص قوم بني إسرائيل لأطفالنا عبر أفلام الكارتون، لأنها قصص غريبة ويكاد الإنسان أن لا يصدّق أن الله قد أظهر هذا الكم من المعاجز.
  • بالرغم من كلّ هذه المعاجز التي عاشها قوم بني إسرائيل، استطاع أن يضلّهم شخص باسم السامري. فهو ظاهرة غريبة يجب أن تدرس! فقد استطاع أن يبدّل ذلك القوم إلى عبدة العجل. ألا تجدر هذه القصص بالتفكّر والتدبّر؟ فليت شعري من هذا الإنسان الذي استطاع أن ينسي القوم كلّ هذا المعاجز العظيمة والواضحة ويجرّهم إلى عبادة العجل؟!

كان أبو موسى الأشعري سامري أمّة النبي(ص)/ كان شعار سامري أمة النبي(ص) «لا قتال»/ شعار «لا قتال» هذا هو الذي إدّى إلى جريمة كربلاء

  • لقد جاء في رواياتنا أن أحد الأشخاص الذي كان سامري هذه الأمّة هو أبو موسى الأشعري. فقد روي عن النبي(ص): «وَ فِرْقَةٌ مُدَهْدَهَةٌ عَلَى مِلَّةِ السَّامِرِیِّ لَا یَقُولُونَ «لا مِساسَ» لَکِنَّهُمْ یَقُولُونَ «لَا قِتَالَ»، إِمَامُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَیْسٍ الْأَشْعَرِی‏» [أمالي الصدوق/ص30]
  • ما الفرق بين هذا السامري (أبو موسى) وبين سامري قوم موسى؟ لقد رفع سامريّ قوم موسى شعار «لا مساس» بينما هذا رفع شعار «لا قتال» [أمالي المفيد/ 30] هذا هو شعار سامريّ أمة النبي وأتباعه، ولكنهم تسبّبوا في أفجع الحروب وأكثرها أجراما. كان شعار سامري هذه الأمّة «لا قتال». وبعد أبي موسى أيضا احتل شخص آخر هذا المنصب التعيس وأصبح سامريّ هذه الأمة! وقد رفع شعار «لا قتال» أيضا. لقد سبّب هذا الشعار في كوارث وجرائم كثيرة منها واقعة كربلاء.
  • واللطيف أن أبا موسى أيضا كان ناجحا في سياسة التحزيب والتمزيق. حتى وصل الأمر به إلى أن كتب أمير المؤمنين(ع) إليه كتابا شديدا مليئا بالتهديد:  «مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَیْسٍ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَ عَلَیْكَ...» [نهج البلاغة/الكتاب 63]

عدّة نقاط حول الاختراق/ 1ـ في سبيل فهم قضية الاختراق يجب أن تفهم قضيّة العدوّ أوّلا

  • كان هؤلاء من العناصر السهلة الاختراق. هنا اسمحوا أن نخرج من التاريخ وأطرح بعض النقاط حول قضية الاختراق:
  • النقطة الأولى: قبل القبول بحقيقة الاختراق يجب أن نقرّ بوجود العدوّ. في سبيل أن يدرك شبابنا هذه الحقيقة المتمثّلة بالعدوّ اللدود للإنسان، أذكّرهم بهذه المعلومة التي يعرفونها جيّدا وهي أن الله قد خلق عدوّ النبيّ آدم قبل خلقه بآلاف السنين. فوجود العدوّ في حياتنا نحن أبناء البشر أمر جادّ جدّا. يمكن كتابة هذه الجملة عشر مرّات ولكن لا حاجة لأي شرح. في سبيل أن نتفهّم قضيّة الاختراق جيّدا، يجب أولا أن نفهم قضيّة العدو.
  • هل لنا عدو؟ لقد تحدّث الله في القرآن الكريم عن الشيطان 88 مرّة. وقد أكّد 25 مرّة على أن الشيطان عدوّ لكم. وأنا لا أدري هل قد وعّينا شبابنا بهذه الحقيقة ولو على قدر درس يكرّر التأكيد على وجود عدوّ لدود لدنيانا وآخرتنا بمقدار 25 مرّة على الأقل. فهل نحن نقوم بتوعية شبابنا في هذا المجال؟ فعلى الذين يريدون أن يتفهّموا حقيقة الاختراق أن يدرسوا حصّتين دراسيّة في موضوع قضيّة العدوّ، وأن يقرّوا بوجوده. 

2ـ يجب أن نعرف طرق العداء وأساليب العدوّ في الاختراق/ آية الله بهجت(ره) في أواخر عمره: كل ما تلقيناه من صدمات فكان بسبب الاختراق

  • ثانيا يجب أن يتعرّفوا على طرق العدوّ في العداء. إن أسلوب عدوّنا يعني إبليس وباقي الشياطين الصغار والكبار هو الأسلوب الذي تحدّث عنه أمير المؤمنين(ع) حيث قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ وحَذَّرَکُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِیّاً وَ نَفَثَ فِي الْآذَانِ نَجِیا» [نهج‌البلاغة/الخطبة 83]
  • لابدّ من معرفة أساليب الاختراق. أنا في سبيل أن لا أطيل عليكم أرجعكم إلى كلام آية الله العظمى الشيخ بهجت(ره) حول الاختراق. لقد أكّد سماحته في أواخر باب الجهاد في درس خارج الفقه على أن كل ما تلقّيناه من صدمات فكان بسبب الاختراق. وقد شرح بعض مصاديق الاختراق من اختراق بيوت العلماء إلى اختراق بعض السياسيّين. لقد حذّر سماحته في عام 1992 عن الاختراق بعبارة لا أقرؤها عليكم، إذ لا أريد أن أتكلم بما يثير سوء الفهم أو حساسيّة، وإنما بودّي أن أنقل لكم فحوى كلامه فهو كان يحذّر بشكل صريح ويقول: يجب الحذر إذ لا ينفكّ العدو عن الاختراق. [لقاء الشيخ ريشهري مع آية الله بهجت، زمزم عرفان باللغة الفارسية، ص291]
  • أرجو الشباب، إذ قد كثرت وسائل التواصل وقد تسنّى إيصال كلمة الحقّ بسهولة. فهناك عشرات الكلمات لسماحة الشيخ بهجت(ره) قد نشرت في مختلف الكتب التي جمعت أقواله وكلماته في هوامش دروسه ولقاءاته. فانظروا كيف كان يتعامل بكل تألمّ مع قضيّة الاختراق.

3ـ يجب أن نعرف العناصر السهلة الاختراق/ يتصف العناصر السهلة الاختراق بشيء من عدم الولاء

  • الخطوة الأخرى التي يجب أن نخطوها هي معرفة العناصر السهلة الاختراق. من هم هؤلاء؟ لقد قال أمير المؤمنين(ع) في وصف أبي موسى الأشعري: «هَوَاهُ مَعَ غَیْرِنَا» [كشف الغمة/ج1/ص54] وقد عرّفهم الله تعالى في القرآن: (وَ إِذا قیلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَیْتَ الْمُنافِقینَ یَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) [النساء/61] يتّصف العناصر السهلة الاختراق بشيء من عدم الولاء. حتى أن بعض هؤلاء التعساء ليس لهم مصالح مع الأعداء، ويخدمونهم بلا أجر ومقابل.
  • تأملوا في العوامل النفسانية الدخيلة في مرض سهولة الاختراق. وكذلك حريّ بمجلس صيانة الدستور أن يتأمل في العوامل النفسانيّة لهذا المرض. ليروا هل هذا الإنسان يعاني من الصفات النفسانية وعوامل سهولة الاختراق أم لا. فإذا كان يعاني منها فلا يدخل في العمل السياسي.

4ـ يجب أن ننبّه مجتمعنا على ضعف العدوّ وقوّتنا وتفوّقنا عليه/ لقد قام أهل الكوفة بقتل الإمام الحسين(ع) على أثر إشاعة كاذبة وخوفهم من جيش يزيد الموهوم

  • الخطوة الأخرى التي يجب أن نخطوها في مقابل الاختراق هي أن ننبّه مجتمعنا على ضعف العدوّ وقوّتنا وتفوّقنا عليه. اعلموا يا مرتدي لباس العزاء على الحسين(ع)! أن أعداء الإمام الحسين(ع) قد جيّشوا جيشا جرّارا لقتله بإشاعة الخوف من جيش يزيد الموهوم. لقد قام العدوّ بهذه الجريمة عبر إشاعة أشاعها بين أهل الكوفة وإرعابهم من قوّة العدوّ.
  • أنا أتكلم عن هذا الموضوع بقوّة قلب ويقين من أن «عمليّات الاختراق في بلدنا وفي أمّتنا الإسلامية جهود عقيمة بلا نتيجة» وکلّ هذا الكلام في سبيل أن لا ينتبه هؤلاء العناصر السهلة الاختراق ولا يفضحون أنفسهم. إذ قد وعدنا رسول الله(ص) أن: «لا تَکرِهُوا الفِتنَة فِي آخِر الزَّمانِ فَاِنَّها تُبیرُ المُنافِقِین» [كنز العمّال/ 31170] لذلك فنحن عندما نتطرّق إلى هذه المواضيع فقصدنا هو أن تقلّ أثمان الفتن، فلا تظنّوا أن هناك قلق وخوف خاص من الاختراق. نحن نقول للعناصر السهلة الاختراق بكل اطمئنان وراحة بال: «لا تفضحوا أنفسكم فإن الزمان قد تغيّر».
  • يجب أن ندرس نماذج الاختراق وأساليب الشيطان. لقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: (إِنَّ کَیْدَ الشَّیْطانِ کانَ ضَعیفاً) [النساء/76] هنا يجب أن نقف عند أساليب الشيطان ومكائده لنا فردا فردا. ما يفعله الشيطان هو أن يشخّص نقاط ضعف كل واحد منّا وثغوره، ثم يراهن على نقاط الضعف هذه ويحاول وسوسة الإنسان من خلالها.
  • وكذلك أسلوب العدو لا يختلف عن الشيطان. إن بعض الوثائق التي انكشفت في وكر التجسّس الأمريكي كانت تنطوي على بعض المعلومات حول بعض الشخصيات السياسيّة وأولادهم، من قبيل أن ابن فلان من المسؤولين يتصف بنقطة الضعف هذه ولذلك يمكن إنجاز كذا عن طريقه. طبعا إن مسؤولي البلد بريئون وسيبقون بريئين إن شاء الله فنحن نحسن الظن بهم. ولكن يجب أن نعرف بعض أساليب العدوّ ونتوخّى الحذر.

حكاية لأستاذ متقاعد في منظمة الأمم المتحدة حول كيفيّة الاختراق عن طريق أبناء الشخصيّات

  • في أيام فتنة 2009 التقيت بأحد أساتذة الجامعة المتقاعد من منظمة الأمم المتحدة وأحد أعضاء اللجنة العلمية لأحدى الجامعات، فحكى لي قضية. فأنا قلت له: «هل تسمح لي أن أنقل هذه القضيّة عنك؟» فقال: لا بأس بذلك. أنقلها عني وأنا أتحدّث بها أيضا. القضية التي نقلها حدثت في حوالي عام 1991م. تقريبا. كان هذا الأستاذ من القضاة المحترمين وكان قد استأذن الشهيد بهشتي(ره) في أياب شبابه ليدرس الحقوق الدولية.
  • فقال لي: «كنت قد حصلت من الأمم المتحدة على ممثليّات لعدد من البلدان. فذات يوم سألت أحد المسؤولين في منظمة الأمم المتحدة في جنیف ـ وكان مخالفا للصهاينة شيئا ما وكنت قد صادقته ـ وقلت له: ماذا سيفعل الغربيّون مع الثورة الإسلاميّة في إيران؟ فقال: سأجيبك عن سؤالك يوما آخر حينما كنّا خارج هذه البناية. ـ فلعلّه كان يتوقّى اختراق السمع ـ ثم التقيت به خارج تلك البناية فقال: إذا أردت أن تسقط ثورة ما فلا يحتاج ذلك إلى جهد كبير! بعد انتصار الثورات بطبيعة الحال ستحصل العناصر الثورية على بعض المناصب والإمكانات، ثم يهاجر أولاد هؤلاء إلى خارج البلاد لإكمال دراستهم والحصول على الشهادات العليا، ثم تنصب لهؤلاء الأولاد كمائن ـ وقد شرح مراحل اصطيادهم ـ بعد ذلك يحاولون الاختراق وتغيير بعض القرارات والسياسات عن طريق الأبناء».
  • نعم، لا يجوز إثارة سوء الظن، ولكن لست أنا المسؤول في عدم إثارة سوء الظن، بل الأفعال هي التي يجب أن لا تسبب سوء الظن. وفي نفس الوقت يجب تبصير الناس بهذه المعلومات. في الواقع كان هذا الأستاذ يشرح لي ظاهرة «أبناء الرؤساء» وقال لأول مرّة كنت أسمع بهذه القضيّة.

العدوّ يختار طريق الاختراق إذ لا منطق له ولا قوّة/ يرسلون عملاءهم ليهمسوا في آذان رؤساء جامعاتنا

  • يجب أن تدرس قضيّة الاختراق. لا يملك العدوّ منطقا ولا قوّة ولذلك يخترق. فلو كانت له قوّة لما لجأ إلى الاختراق والتوغّل عبر الأنفاق. يرسل الإنجليز عملاءهم بصفة الضيف إلى الجامعات ليجلسوا مع رؤساء الجامعات ويهمسوا في آذانهم! فلو كنت تملك كلمة علميّة مستدلّة، فلماذا لا تصرّح بها في العلن وبمرأى الطلّاب والأساتذة، بل تهمسها همسا، مع أن بلدنا بلد حرّ يختلف عن بلدانكم الصهيونيّة؟!
  • إن كان مستعدّا للحضور في مناظرة في الجامعة، فليأتِ، أما إذا جاء ليهمس في آذان هذا وذاك، فلا. كما لا يحقّ له أن يعقد جلسات مع رؤساء الجامعات في الفنادق. ما معنى هذه الجلسات الخفيّة الهمسيّة؟ هل لهم منطق؟! ليحضر هؤلاء الوفود الذين يأتون من انكلترا الخبيثة، في مناظرة أو ندوة سؤال وجواب جامعيّة إن كان يجرأون على ذلك.

في سبيل استئصال الاختراق لابدّ من قطع أمل العدو/ الشعب هو الذي يتلقّى أضرار اللين في غير محلّه

  • إنهم قد اتخذوا هذا الأسلوب بسبب ضعفهم ولأننا أقوياء. واعلموا أننا ومن أجل مواجهة عمليات اختراق العدو يجب أن نؤمن بقوّتنا.
  • آخر ما أقوله لكم في ليلة أبي الفضل العبّاس(ع) هو أنه في سبيل استئصال الاختراق وعدم التضرّر من الاختراق، يجب أن نقطع أمل العدوّ. إن بعض الناس من التعاسة بمكان بحيث يقولون: «دعنا نخفّف من شدّتنا مع العدوّ ونتحدّث معه بمزيد من اللين لكي لا نتلقّى صدمات من جانبه!» فإن هذه اللين إن كان في غير محلّه فالشعب هو الذي يتلقّى أضراره. يجب أن ييأس العدوّ منك، ويجب أن يندم كالكلب النادم على اتّصاله بك. وهكذا حصل لشمر في كربلاء؛ «وَ جَاءَ شِمْرٌ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَیْنِ ع فَقَالَ أَیْنَ بَنُو أُخْتِنَا فَخَرَجَ إِلَیْهِ الْعَبَّاسُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُثْمَانُ بَنُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع فَقَالُوا مَا تُرِیدُ فَقَالَ أَنْتُمْ یَا بَنِي أُخْتِی آمِنُونَ فَقَالَتْ لَهُ الْفِتْیَةُ: لَعَنَكَ اللَّهُ وَ لَعَنَ أَمَانَكَ أَ تُؤْمِنُنَا وَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ لَا أَمَانَ لَهُ» [الإرشاد للمفيد/ج2/ص89]
  • فديتك بنفسي يا أبا الفضل العبّاس. أريد أن أحكي لكم هذه المواقف الرائعة التي جسّدها أبو الفضل العبّاس(ع) ولا بأس ببهتجتكم واغتباطكم باستماع هذه المواقف. فإن ارتسمت الابتسامة على شفاهكم باستماع مواقف العبّاس الرائعة، فإنها لا تقلّ قيمة عن الدموع. «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ فَاخْتَارَنَا وَ اخْتَارَ لَنَا شِيعَتَنَا يَنْصُرُونَنَا وَ يَفْرَحُونَ بِفَرَحِنَا وَ يَحْزَنُونَ بِحُزْنِنَا» [تحف العقول/ص123] أريد أن أثني على العبّاس بسبب مواقفه التي رسمت ابتسامة الرضا على شفاه الحسين(ع). وكذلك فلترتسم هذه الابتسامة على شفاهكم. أمّا الدموع فهي تصبّ بغير اختياركم.

غضب العبّاس من كون العدوّ قد طمع فيه/ لقد أندم العبّاس العدوّ وآيسه

  • لقد نادى شمر العبّاس بصوت ليّن، أمّا العبّاس فلم يعبأ به. فلعلّ العبّاس كاد أن يموت خجلا عندما رأى العدوّ يناديه بلين ورأفة. ولكنّه لم يجب العدو. هل تتذكرون موقف الأشعث؟ ما إن ناداه رجل من العدوّ، لم يستطع أن يعرض عنه وأسرع للقائه، بذريعة أنه إنسان مترف ولابدّ من لقائه. أمّا العبّاس فلم يجب العدوّ.
  • فماذا حصل؟! هنا نادى الحسين(ع) أخاه العبّاس أن: اذهب يا أخي وأجبه فإني واثق منك وأعلم كم عليك صعب أن تتحدّث معه. نحن نريد رجلا كالعبّاس بحيث لا يصافح العدو قبل أن يأمره إمامه. نحن نريد رجلا كالعبّاس بحيث لا يتّصل بالعدوّ ولا يجيبه قبل أن يأمره إمامه. «فَقَالَ الْحُسَیْنُ ع: أَجِیبُوهُ وَ إِنْ کَانَ فَاسِقا...» [اللهوف/ص88]
  • لا أدري ولكن عندما أمر الإمام الحسين(ع) أخاه العبّاس بإجابة العدوّ، لعلّ العبّاس نظر إلى أخته زينب ودار بينهما ما دار من الإسرار.
  • يا عبّاس! هل يمكن أن يكون اسمك العبّاس ثم لا تكون بيننا؟ إن لم تكن بيننا فسيقول الحسين: «الآن انكسر ظهري». إن لم تكن بيننا فستسبى النساء والأطفال جميعا. هل يمكن أن لا تكون يا عباس؟!
  • هنا قد ارتفعت آهاتكم وصرخاتكم وأجهشتم بالبكاء ولكنها كانت دموعا بدافع الحبّ والشوق والفخر بشخصيّة العبّاس. أما الآن فلنعرّج على مصيبة العبّاس الذي كسرت مصيبته ظهر الحسين(ع) إلى جانب العلقمي.

يا عبّاس! أنت لم تصافح العدوّ؛ فتقبّل الله يديك قربانا/ فديت كفّ العبّاس التي لم تصافح عدوّ الحسين(ع)

  • هكذا نعى لنا بعض الخطباء على سبيل لسان الحال والاستحسان وقالوا عن لسان العبّاس: «أخي حسين! يداي وعيناي قد مسّت الماء الذي حرمتَ منه، فلابدّ أن أقدمها قربانا إليك»، ولكنّي بودّي أن أقول: يا عبّاس! إنك لم تصافح العدوّ، فتقبّل الله يديك قربانا. فديت كفّ العبّاس التي لم تصافح عدوّ الحسين(ع). يا عبّاس! لقد نظرت إلى العدوّ شزرا، فتقبّل الله عينيك. يا أم البنين تعالي وانظري أي ملحمة جسّدها العبّاس في كربلاء... لم يطأطئ العبّاس رأسه أمام عدوّ الحسين، فتقبّل الله رأس العبّاس...  

تعليق