الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

16/10/29 چاپ
 

ليلة الحادي عشر ـ بحضور ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي(دام ظله)/ المراحل الأربعة لإصلاح المجتمع

 

  • المكان: حسينية الإمام الخميني(ره)
  • الزمان: 12/10/2016

ألقى سماحة الشيخ علي­رضا بناهيان محاضرة تحت عنوان «مراحل إصلاح المجتمع» في ليلة الحادي عشر من المحرّم وفي الليلة الخامسة من مجلس العزاء في حسينية الإمام الخميني(ره) وبحضور ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي(دام ظله) فإليكم النصّ الكامل من محاضرته:

خطة إصلاح المجتمع في بيان حكم مهامّ الأنبياء (سورة الجمعة/الآية2)

السؤال الرئيسي: ما هو طريق إصلاح المجتمع؟ / الخطّة العامّة لإصلاح المجتمع على أساس القرآن

بسم اللّه الرحمن الرحيم. كتب أبو عبد اللّه الحسين(ع) في وصيّته: «إنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي ص‏» [مثيرالأحزان/4] لقد كان قيام الإمام الحسين(ع) من أجل إصلاح أمة النبي(ص). وقد ذكر في وصيّته القصيرة هذه: «أَسِیرَ بِسِیرَةِ جَدِّي وَ أَبِي» [المصدر نفسه].

السؤال الذي أسعى أن أجيب عنه في هذه الجلسة هو ما هو طريق إصلاح أمةٍ أو مجتمعٍ ما؟ وإن أردنا أن نسعد مجتمعا ما، فأي برنامج يجب أن نؤسسه لهذا المجتمع؟ وأيّ إجراءات نقوم بها؟ نحن نريد أن نحصل على خطّة عامّة لإصلاح المجتمع، بحيث لو كان الإمام أبو عبد اللّه الحسين(ع) قد انتصر ولم يقِفْ أمامه أهلُ الكوفة لقام بإصلاح أمة جدّه وفق هذه الخطّة بطبيعة الحال. فبمناسبة وصيّة الإمام الحسين(ع) الشريفة نحن نريد أن نستنبط هذه الخطّة التي تبدو ضرورية لإصلاح المجتمع.

باعتبار أن هذه لقضيّة أساسيّة وأصوليّة ومهمّة، فلابد أن القرآن قد تطرّق إليها بصراحة، ويفترض لقضية مهمّة مثل هذه أن تذكر في آيات القرآن الكريم لا في مرّة واحدة بل في عدّة مرّات وفي أهمّ الآيات القرآنية. وهو كذلك فعلا. أنا أشير إلى آية قرآنية تكرّر مضمونها أربع مرّات على الأقل وأحيانا تكرّرت بنفس العبارات، لكي تؤسّس خطّة وهيكلية لإصلاح المجتمع.

الأعمال الرئيسة الأربعة في حكم مهامّ الأنبياء، تمثّل خطّة إصلاح المجتمع

لقد قال اللّه في القرآن الكريم في سورة الجمعة: (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ وَ یُزَکِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَةَ) [الجمعة:2] وقد تكرّرت أمثال هذه الآية في القرآن الكريم. ولذلك يمكن القول أن بيان حكم مهامّ الأنبياء الربّانيّين التي هي ليست سوى إصلاح المجتمع هو عبارة عن هذه الأعمال الأربعة الأساسيّة. وباعتبار أن هذه الآية غريبةٌ نوعا ما ولم تتسلّط الأضواء عليها، أحاول أن أقف عند هذه الآية لتروا هل يمكن أن نجعل هذه الآية ميزانا لمنهج إصلاح المجتمع أم لا؟

المرحلة الأولى: التلاوة (یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ)

التلاوة ليست بعمل علميّ عميق، وإنما هي عرض آيات القرآن على الناس/ التلاوة توقظ النفوس المستعدّة وتحلّق بها نحو السماء

 (یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ) عبر تلاوة آيات القرآن يخطو رسول اللّه(ص) الخطوة الأولى في سبيل إصلاح المجتمع. ما معنى تلاوة آيات القرآن؟ يعني كأن اللّه قال لرسوله: في المرحلة الأولى وفي سبيل إصلاح المجتمع اتلُ عليهم آيات القرآن واعرضها عليهم. وقد حصل هذا الأمر فعلا. فقد كان النبيّ(ص) في السنين العشر أو الثلاثة عشر يقوم بتلاوة الآيات فقط ويجعل الناس في معرض إشعاع نور آيات القرآن؛ بلا أن يمارس نشاطا علميّا عميقا، وبلا أن يمارس المراحل الأخرى من إصلاح المجتمع.

ما فائدة هذه التلاوة؟ فائدتها هي أن النفوس المستعدّة في المجتمع من شأنها أن تستيقظ بمجرّد التلاوة هذه دون شيءٍ آخر، وينقدح فيها الإيمان بالتلاوة وحسب وحتى تستعدّ للتضحية في سبيل رسول اللّه كوالدي عمّار!

التلاوة ليست بنشاط عميق، وإنما هو عرض الناس على آيات القرآن. فترى بعض النّاس يحلّق بمجرّد أن يسمع كلمة الحقّ. وبعضهم يستيقظ في أوّل مواجهته لحقائق القرآن النورانيّة ويميل ميلا شديدا يؤدّي إلى إيمانه. وقد اعتبر القرآن «ازدياد الإيمان» أحد آثار التلاوة.

فلنعتبر التلاوة منهجا من المناهج/ ذكر مصيبة الإمام الحسين(ع) هي نوع من أنواع التلاوة من حيث المنهج

فلنعتبر التلاوة منهجا من المناهج التي يمكن تعميمها في موارد أخرى. فإنه لسلوك عقلاني. عندما يرى الإنسان مصداقا من مصاديق الجمال ينجذب إليه بلا حاجة إلى استدلال. فإن تصوّر بعض الحقائق تقتضي التصديق بها. مثل ذكر مصائيب أبي عبد اللّه الحسين(ع)! لماذا نقول إن ذكر مصيبة الإمام الحسين(ع) بناءة؟ لأن ذكر المصيبة هي نوع من أنواع التلاوة من حيث المنهج. فلا داعي لإقناع أحد أن عمل الإمام الحسين(ع) كان عملا رائعا لهذه الأسباب وأنه جسّد ملحمة! فإن هناك قلوب كثيرة في أطراف العالم ما إن تسمع بعاشوراء وذكر مصائب أبي عبد اللّه الحسين(ع) تنجذب بسبب فطرتها الطاهرة، وسيكون هذا الحدث سببا لدراستهم وتحقيقهم في هذه القضيّة.

ليست التلاوة محدودة بآيات القرآن؛ فإن بيان كثير من حقائق تاريخ الإسلام له آثار كآثار التلاوة

من الممكن أن لا نحدّد التلاوة بتلاوة آيات القرآن، فإنّ بيان كثير من حقائق تاريخ الإسلام ـ كمصائب أهل البيت(ع) ـ له آثار كآثار التلاوة. أحد الشباب في طهران كان قد انحرف عن طريق الصواب، فجاء أخوه إلى آية اللّه الخوانساري الكبير وقال له: سيدنا انصح أخي. (أنا لا أذكر اسمه؛ فهو كان ولا يزال من مشاهير طهران) فقال السيد الخوانساري: وكيف سلوكه يا ترى؟ فقال: لقد ابتلي أخي بالبلطجة وحمل القامة وحتى استعمال المسكرات. فانصحه يا سيدنا. فقال السيد الخوانساري: يبدو أن لا أستطيع أن أفعل شيئا، فكيف يتسنّى لمن ذاق لذّة العصيان، أن يصلُح بنصيحتي؟ فأصرّ عليه أخوه، إلى أن قال له السيد: إذهب به إلى كربلاء فانظر هل يتأثر أم لا؟ وانظر هل يبكي على الإمام الحسين(ع) أم لا؟ فإن خشع قلبه فاعرف أن فيه بارقة أمل، فأتِ به إليّ لأنصحه.

فذهب به أخوه إلى كربلاء بإصرار وذرائع وقال له تعال فإنها زيارة وسياحة. يقول: كان أخي في طول الطريق ملتهيا بغفلته ولهوه، فحينما وقفنا على عتبة حرم أبي عبد اللّه الحسين(ع) قلت له: قف لأقرأ إذن الدخول «أ أدخل يا مولاي...» فرأيت أخي بدأت تصبّ دموعه. فلمّا دخلنا في صحن حرم أبي عبد اللّه الحسين(ع) رأيته يبكي بصوت عالٍ. فإن هذا الإنسان لم يفعل شيئا، وإنما عُرِضت عليه آية من آيات اللّه في عترته. يقول عندما وقفنا أمام الضريح، هوى على الأرض كالثكلى وهو يقول: «سيدي لقد أخطأت وأجرمت...» فكان قد تحوّل حقيقة.

إن مشاهدة الأبرار والصالحين في العالم بإمكانها أن تغيّر الإنسان مثل تلاوة الآيات

تؤثّر آيات اللّه والأعمال الصالحة وكذلك الصالحون في ضمير الإنسان هكذا وبإمكانهم أن يوقظوا الإنسان ويوجدوا تحوّلا فيه. اسمحوا لي أن أقرأ حديثا عن الإمام السجّاد(ع) وسأبيّن غرضي من نقل هذا الحديث: «کنّا نُعَّلِمُ مَغَازِي رَسُولِ اللّه کما نُعَّلِمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» [البداية والنهاية/ج3/ص243]

لقد أصبحت أوساطنا وحتى الحوزات العلميّة أحاديّة الجانب ولا يُعبَأ بتاريخ الإسلام/ تاريخ الإسلام هو إشعاع نور القرآن الناطق

لقد أصبحت أوساطنا وحتى الحوزات العلميّة أحاديّة الجانب. ممّا يثير عجبي كثيرا أن في الحوزات العلمية التي هي مركز تبليغ الدين، تعقد دروس أسبوعية في الأخلاق في سبيل أن تكون سببا لصفاء باطننا، أو يؤكّد على الإكثار من تلاوة القرآن ولا شك في حسن هذه الأعمال وأهميّتها، ولكن عندما يأتي دور تاريخ الإسلام، لا تجد رؤية الإمام السجاد(ع) تجاه تاريخ الإسلام، فيقال: طالعوا المادّة ثمّ اشتركوا في الامتحان. أفلا نحتاج إلى التعرّف على تاريخ الإسلام ومطالعته كما نحتاج إلى تلاوة القرآن الكريم والتعرّض له. أولم يجب أن نتعرّض لإشعاع نور هؤلاء الذين كانوا يمثّلون القرآن الناطق؟

طبعا في هذا البين الإمام الحسين(ع) ومصائبه منجية، فهذا المقطع من التاريخ يعني مصائب الإمام الحسين(ع) هو من هذا النوع وأرجو أن لا نحرم منه إن شاء اللّه.

التلاوة هي منهج ونشاط ثقافي يجب أن يمارسه المدراء الثقافيّون/ التلاوة تعني استعراض الفضائل وآيات الحقّ

ينبغي أن نعتبر التلاوة كنشاط ثقافي. فإن أردنا أن نصلح إنفسنا، يجب أن نمارس هذا العمل في حياتنا أي نتلو القرآن. حتى قد جاء في الروايات أن أئمة الهدى(ع) كانوا يقسّمون تلاوتهم إلى أربعة عشر مرّة. كما قد أكّدوا على تلاوة ما لا يقل عن خمسين آية من القرآن. طبعا لا أن تُقرأ بدفعة واحدة من باب أداء التكليف، بل ليقّسمها الإنسان فيقرأ عشرة آيات منها ثم يقرأ خمسة منها، بحيث يراجع القرآن مرّات عديدة في يومه.

التلاوة تعني استعراض الفضائل وآيات الحقّ. وقد أطلق عنوان الآيات على أئمة الهدى(ع) فقد قال أمير المؤمنين(ع): «أَنَا الْحُجَّةُ الْعُظْمَى وَ الْآیَةُ الْکُبْرَى» [الأمالي للصدوق/ص39] كما قد أوّل الإمام الصادق(ع) عبارة آيات ربّك في قوله تعالى: (یَوْمَ یَأْتي بَعْضُ آیاتِ رَبِّكَ لا یَنْفَعُ نَفْساً إیمانُها لَمْ تَکُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ...) [الأنعام/158] بالإمام الحجّة(عج) وآبائه(ع) حيث قال: «الْآیَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ وَ الْآیَةُ الْمُنْتَظَرَةُ هُوَ الْقَائِمُ ع، فَیَوْمَئِذٍ لَا یَنْفَعُ نَفْساً إِیمَانُهَا لَمْ تَکُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ قِیَامِهِ بِالسَّیْفِ وَ إِنْ آمَنَتْ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ آبَائِهِ ع» [كمال الدين/ج1/ص18]

فإن اعتبرنا التلاوة منهجا، يصبح في زمرة النشاطات الثقافية التي لابدّ للمدراء الثقافيّين أن يمارسوها، وإن كان لا يصلح إلّا النفوس المستعدّة. إذ كثير من الناس لا يتحوّلون بمجرّد أن تتلى عليهم آية من القرآن، فلابدّ أن تجرى عليهم المراحل الأخرى من مراحل الإصلاح. أما أولي النفوس المستعدّة فسيعينون النبي(ص) في عمله، بحيث يتلو النبيّ عليهم الآيات فينجذب إليه بعض الناس.

التلاوة كافية للقلوب اليقظة بشرط أن تتّصف التلاوة بجامعيّة وجمال/ إن هذه لقضية ثقافيّة!

يعني كأنّ التلاوة بمفردها هي ميزان لتشخيص قلوب الناس! فاقرأ آيات القرآن لتعرف من هو أهل لها! في كثير من الأحيان يجب أن نمارس هذا العمل في خلال النشاطات الثقافيّة. يعني أن نعرض الفضائل ومصاديق الجمال وعلى رأسها القرآن الكريم والعترة أي الثقل الأكبر والثقل الأصغر، في سبيل أن تتبلور القلوب الطاهرة؟ كثير من الكتب المؤلّفة هي في الواقع تفيد القلوب المريضة، أمّا القلوب اليقظة فتكفيها التلاوة؛ بشرط أن تتصف التلاوة بجامعيّة وجمال. وهذه لقضية ثقافيّة.

المرحلة الثانية: التزكية (و یُزَکِّیهِمْ)

المرحلة الثانية من عملية إصلاح المجتمع هي «التزكية»/ ما معنى يزكّيهم؟ كيف كان النبيّ يزكّي الناس؟

والآن فلننتقل إلى المرحلة الثانية من عمليّة إصلاح المجتمع أو حركة رسالة الأنبياء المتمثّلة في قوله تعالى (یُزَکِّیهِمْ). فقد قال اللّه تعالى: (یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ وَ یُزَکِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَةَ) [الجمعة:2] هذه الآية في الواقع تحكي عن أربعة أعمال أساسيّة. أما غرضي الرئيس في هذا المجلس الشريف هو الوقوف عند المرحلة الثانية (یُزَکِّیهِمْ) والمرحلة الرابعة (یُعَلِّمُهُمُ... وَ الْحِکْمَةَ). أما العمليّتين الأولى والثالثة فتبدوان أوضح.

ما هي العمليّة الثانية؟ لقد أراد اللّه من النبيّ(ص) أن يزكّي أمّته. فكيف ينجز النبيّ ذلك؟ هل يلقي عليهم درس أخلاق؟ أولم تنطوي المرحلة الأولى وتلاوة آيات اللّه على درس أخلاق نوعا ما، وبشكل أكثر تفصيلا في المرحلة الثالثة حيث (یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ)؟ إن أراد النبي(ص) أن يعلّم الكتاب، أفلا تنطوي آيات كثيرة من القرآن على مواعظ معنوية وإلهيّة؟! وإن أراد أن يلقي محاضرات أخلاقيّة ويزكّي الناس عبر الحديث الأخلاقي، أفليست هذه المضامين الأخلاقية موجودة في القرآن الكريم؟ سيأتي دور (یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ) كما أن عمله حين ((یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ) لا يخلو من آثار أخلاقية ومعنوية، إذن فما معنى التزكية في قوله (یُزَکِّیهِمْ)؟

المشهور ـ ولا أدري كيف شاعت هذه القناعة ـ هو أنّ (یُزَکِّیهِمْ) يعني أن يخلّقهم بالأخلاق الحميدة! نعم، بمقتضى هذه المهمّة سيربّيهم الرسول(ص) على الأخلاق الحسنة ويطهّر نفوسهم ولكن كيف؟ نحن قد عرفنا كيفية عمليّة التلاوة وهي عرض النفوس على الآيات الإلهية لكشف النفوس المستعدّة. وفي سبيل أن تجتمع النفوس المستعدّة وننطلق في حركتنا، ولكن كيف يريد الرسول(ص) أن (یُزَکِّیهِمْ)؟ فما ينبغي للرسول(ص) أن يفعل لتزكيتهم؟

تزكية الرسول للناس ماذا تعني؟ يعني أن يتصرّف النبي في قلوب الناس ويطهّرها تكوينا؟!

فإن كانت تعني أن يعطي الرسول لأمته بعض المعلومات الأخلاقية، لكي يذهبوا ويطهّروا أنفسهم وفق إرشادات النبيّ، فهنا في الواقع قد قام المسلمون بتزكية أنفسهم كما تقول الآية (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاها) [الشمس/9] وعلى أثر استماع الكلمات الإلهية وتعلّم آيات اللّه. ولكن في هذه الآية قد نُسبت التزكية إلى فعل النبي(ص) نفسه. وهل يستطيع النبي(ص) أن يزكّي أحدا؟ فما تعني تزكية الرسول للنّاس؟ يعني أن يتصرّف النبيّ في قلوب الناس التي هي موطن تزكيتهم ويزكّيها؟ في حين أن النبيّ(ص) لا يتصرّف في قلوب الناس مباشرة ليزكّيها قهرا، إلا بعض التصرّفات الخاصّة التي قد يمارسها في بعض المواطن وعلى من يستحقّ هذه العناية الخاصة.

يقول اللّه سبحانه: (لَسْتَ عَلَیْهِمْ بِمُصَیْطِرٍ) [الغاشية/22] وكذلك يقول: (إِنَّكَ لا تَهْدي مَنْ أَحْبَبْت) [القصص/56] فالتزكية مسؤولية على عاتق الإنسان ذاته وهو الذي يجب أن يزكّي نفسه. وأحيانا يقول اللّه سبحانه إن أمر التزكية بيدي (بَلِ اللّه یُزَکِّي مَنْ یَشاءُ) [النساء/49]

إن النبي لا يغيّر قلب أحد مباشرة/ في سبيل تزكية الناس لا سبيل للني(ص) إلا أن يتدخّل في «فكر» الناس أو «سلوكهم»

إذن فماذا يجب أن يفعله النبي(ص) من أجل تزكية الناس؟ لا سبيل له إلا أن يتدخّل في فكر الناس أو في سلوكهم. ولا يغيّر رسول اللّه(ص) قلب أحد بشكل مباشر. ولا يقول لأحد: «دعني أتصرّف في قلبك لكي تطهر وتتزكّى!». فلو أمكن ذلك لما احتاجت الرسالة إلى جهاد وقتال! وإنما كانت تنحلّ القضية بتصرّف النبيّ(ص) في القلوب وتغييرها بشكل مباشر وقهري!

التزكية هنا شيء غير تعليم المعارف الدينية والموعظة الأخلاقية/ عادة ما يحصل خلط بين (یُزَکِّیهِمْ) و (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاها)

ما تعني (یُزَکِّیهِمْ)؟ باعتبار أن كلمة (یُزَکِّیهِمْ) تحكي عن التزكية وتعبّر عن عمليّة أخلاقية لتزكية النفوس، عادة ما يحصل خلط بين (یُزَکِّیهِمْ) و (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاها) [الشمس/9] ويقال: لابدّ للنبيّ(ص) ومن أجل تزكية النفوس أن يباشر بعمل أخلاقي! ولكن على أساس بعض الآيات القرآنية وأحكام الإسلام والروايات التي سأقرأ بعضها عليكم، يتبيّن أن عمليّة التزكية في هذه الآية شيء مختلف عن تعليم المعارف الدينية والأخلاقية، ولا هي من أنواع الموعظة. نعم، يشتمل القرآن على مواعظ كثيرة، وهو أساسا كتاب موعظة، كما يشتمل على إرشادات أخلاقيّة. ولكن مرحلة تعليم الكتاب هي المرحلة القادمة التي تأتي بعد مرحلة التزكية حيث يقول: (وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَةَ) [الجمعة/2] حتى أن بعض المفسرين يفسّرون الحكمة بالأخلاق. كما قد سمعتم حِكَما أخلاقية كثيرة من أولياء اللّه .

لعلّ التزكية هنا بمعنى إدارة المجتمع ووضع القوانين التي تسوق سلوك الناس بالنحو الذي يزكّي الناس

ما معنى (یُزَکِّیهِمْ) في هذه الآية؟ ليس للرسول إلا أن يستهدف فكرنا أو قلبنا أو سلوكنا. فليس للإنسان شيء خارج عن هذه الأبعاد الثلاثة. فإن خاطب فكرنا

فهو تعليم أو تلاوة، يعني أن يقرأ ويتلو وأنا أسمع لكي أرشد إن شاء اللّه. أو يعلّمني ويفهّمني بعض المفاهيم والمضامين. فإما يخاطب فكرنا وإما يخاطب قلبنا. وقلنا ليس من المفترض أن يتدخّل النبيّ في قلوبنا بشكل مباشر. وإما أن يضبّط سلوكنا. ولعلّ هذا هو معنى التزكية في هذه الآية الكريمة. لعلّ معنى هذه العبارة هي أن يباشر النبي(ص) بإدارة المجتمع ووضع القوانين بحيث يؤدّي ذلك إلى هداية سلوكهم وتزكيتهم.

عندما أسمع عبارة (یُزَکِّیهِمْ) تتبادر إلى ذهني «الحكومة والسياسة»، فلا أدري لماذا تتبادر إلى ذهن البعض «الأخلاق والمعنويّة»؟!/ فلننظر إلى آيات القرآن

عندما أسمع عبارة (یُزَکِّیهِمْ) تتبادر إلى ذهني «الحكومة والسياسة»، فلا أدري لماذا تتبادر إلى ذهن البعض «الأخلاق والمعنويّة»؟! فلأقرأ مثالا من آيات القرآن لنرى هل تخرجون بنفس هذه النتيجة. لقد قال اللّه سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَکِّیهِمْ) [التوبة/103] يعني الزكاة والنظام المعيشي الذي هو من شؤون حكّام المجتمع لا أساتذة الأخلاق! فلابدّ أن تمتلك قوّة وأن تشهر السلاح حفاظا عليها، وأن تجنّد مرابطين على الحدود لإبادة العدوّ، ولابدّ أن يكون مركز القوّة في أمان ليتسنّى له أخذ الزكاة.

فقد أمر اللّه الرسول(ص) أن يضع قوانين وينظّم سلوك الناس المعيشي وخذ منهم زكاة أموالهم. وبعد ما تجتمع أموال الزكاة يأتي دور توزيع الزكاة وسياسة توزيعها، وهذا ما يحتاج إلى قوانين أخرى بالطبع. فلابدّ أن يستخدم الرسول(ص) أشخاصا معتمدين وموثوقين لأخذ الزكاة وتوزيعها. وكلّ هذه القوانين والأعمال الحكومية في سبيل تزكية الناس وطهارتهم(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَکِّیهِمْ).

من خلال هذه الآية عرفت أن أحد مصاديق التزكية في قوله (یُزَکِّیهِمْ) هو أخذ الزكاة وتشريع قوانين اقتصاديّة! ومتى كان هذا الأمر؟ بعد ما جاء رسول اللّه(ص) إلى المدينة، حيث شرّع قوانين؛ لا اقتصادية وحسب، بل وضع قوانين حقوقية أيضا، لأنها تزكّي الناس أيضا. كما أنه وضع قوانين تحدّد علاقة المسلمين مع باقي الشعوب والأمم، وكلّها تؤدي إلى تزكية النفوس.

یَتْلُوا عَلَیْهِمْ: عمل ثقافي بينما یُزَکِّیهِمْ: عمل حكومي/ السياسة هي التي تستطيع أن تحيي الأخلاق أو تقضي عليها!

(یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ) بتعبيرنا تعبّر عن نشاط ثقافي، بينما (يُزَکِّیهِمْ) بحسب مصاديقها الغالبة بمعنى «یحکم بینهم». فعلى سبيل المثال انظروا إلى كلام فاطمة الزهراء(س). فقد تضيع أقوال الأئمة(ع) هذه بين ضجيج الأخلاق. وقد يعلو صوت الأخلاق على صوت السياسة؛ وهذه ليست بظاهرة صحّية! فالسياسة هي التي تقدر على سحق الأخلاق في المجتمع بحيث تسلب التأثير من آلاف المواعظ الأخلاقيّة. والسياسة هي القادرة على إعمار المجتمع بحيث تصلحه الحد الأدنى من المواعظ الأخلاقية. فلا ينبغي أن نشوّه الدين بل يجب أن نصوّره كما هو. لقد قالت فاطمة الزهراء(س): «جَعَلَ اللّه الْإِیمَانَ تَطْهِیراً لَکُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَ الصَّلَاةَ تَنْزِیهاً لَکُمْ عَنِ الْکِبْرِ وَ الزَّکَاةَ تَزْکِیَةً لِلنَّفْس» [الاحتجاج للطبرسي/ج1/ص99]

إن لم نعتبر السياسة محلّا لتطهير المجتمع، سنسلّمها بيد أناس يفتقدون الصلاحية اللازمة

أنا قد ذكرت هذا المعنى كثيرا وهو أنّ «دفع الزكاة أحد عوامل التزكية، وإذا أراد النبيّ(ص) أن يزكّي الناس، يزكّيهم بالزكاة كأحد أهم الأساليب على الأقل»، فعندما يسمعون هذا الكلام يقولون: «لقد سمعنا كلاما جديدا، إذ كنّا نعتقد أن النبيّ يزكي الناس عبر الدروس والأبحاث الأخلاقيّة!» وهكذا تنخفظ التوقّعات من الأوساط السياسيّة، وذلك بسبب أن الناس لا يعتبرون السياسة موقعا لتطهير المجتمع، فيسلّموها أحيانا بيد أناس يفتقدون الصلاحية اللازمة! وهكذا يفسد المجتمع.

العنصر الثوري أما غير سياسي يصبح مشاغب كالخوارج

نحن إن أردنا أن نكون ثوريّين، فلابدّ أن نكون سياسيّين قبل كلّ شيء. من هو الثوريّ؟ هو ذلك المرء الذي يصرّ على تحقيق الأهداف والمثل السياسيّة ويقوم بنشاطات سياسيّة عن بصيرة. فأساس الثوريّة هي أن تكون سياسيّا. فإن لم تكن سياسيّا وكنت ثوريّا، فهذه تشكّل خطورة، ولعلّك تصبح مشاغب، كالخوارج. فإنهم لم يكونوا سياسيّين ولكنّهم كانوا ثوريّين. الأساس الأوّل هو أن تصبح سياسيّا. وفي سبيل تحقيق ذلك، عليك أن تعرف ما يريده اللّه منك في الساحة السياسيّة؟

كثير من المشاكل الأخلاقيّة في مجتمعنا ناشئة من شبه قوانينا بالقوانين الغربيّة/ كيفيّة إقرار قانونٍ غربي حول الأسرة في مجلس صيانة الدستور

كثير من مشاكل مجتمعنا في القضايا الأخلاقية، ناشئة من شبه بعض قوانيننا بالقوانين الغربيّة. يقول أحد نوّاب المجلس السابقين: لقد درست القوانين الفرنسيّة والبريطانيّة فاستحسنت أحد قوانينهم حول الأسرة ـ طبعا أنا لا أعلم هل يمكن لأحد نوّاب المجلس أن يدفع باقي النوّاب لإقرار قانونٍ ما إن راق له قانون؟! ـ ثم يقول: ذهبت وأقنعت أعضاء مجلس الشورى الإسلامي ليقرّوه، فرفض مجلس صيانة الدستور. ثم تحدّثت مع أعضاء مجلس صيانة الدستور فأمضوه بتعديلات بسيطة!

و لا أدري هل أن فرنسا وإنكلترا قد نجحا في موضوع الأسرة حتى ذهبت واستوردت قانونا منهم ووضعته علينا؟ إن حالهم في أمر الأسرة لمؤسف جدّا! وهل أن الإخوة الأعزاء في مجلس صيانة الدستور ينبغي لهم أن يقرّوا قانونا يهندس النظام الإسلامي بمجرّد عدم تعارضه الصريح مع الإسلام؟!

ما الحكمة من الحكومة الإسلامية أساسا؟ ولماذا بعث النبي(ص)؟ في سبيل أن (يُزَکِّیهِمْ) بالقانون والمدير والحكومة والزكاة التي هي شأن من شؤون الحكومة. تصوّروا لو أراد النبي(ص) أن يعمل على أساس الأخلاقيّات فقط، في هذه القضيّة كيف كان يعمل؟ لقال: «أنا لا أدري أيها الناس! على أيّ حال يجب عليكم دفع الزكاة، فاذهبوا وانظروا لمن تستطيعون أن تدفعوها. ليس لي سوى أن أرجوكم وأعظكم!» هل كان كذلك؟!

كانت الزكاة التي يأخذها النبي(ص) من الناس شأنا من شؤون الحكومة/ الإمام الصادق(ع): مَا فَرَضَ اللّه عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ شَیْئاً أَشَدَّ عَلَیْهِمْ مِنَ الزَّکَاةِ

كان النبي(ص) أحيانا يصدر حكما لولاية أحد الناس، ثم يصدر له حكما مستقلّا آخر لأخذ الزكاة. إذ كان يقول هذا الشخص للنبي(ص): لقد ولّيتني على ذلك القوم، ولكني أخشى أن لا يدفعوا إليّ الزكاة، لأن أخذ الزكاة أهمّ من الحكومة عليهم، فتفضّل عليّ بإصدار حكم مستقل في خصوص أخذ الزكاة، ليتسنّى لي ذلك. الزكاة هي شأن من شؤون الحكومة، وليست بمفهوم قديم. إنها من معالم الاقتصاد الإسلامي التي تنظّم معيشة الناس.

لأقرأ عليكم رواية عن الإمام الصادق(ع) لتلتفتوا أكثر إلى هذا الموضوع. فقال(ع): «مَا فَرَضَ اللّه عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ شَیْئاً أَشَدَّ عَلَیْهِمْ مِنَ الزَّکَاةِ» [الكافي/ج3/ص497]

وعندما استلم أميرالمؤمنين(ع) زمام الحكم عزم على أن يقسّم الزكاة التي تؤخذ من الناس والغنائم بالسويّة؛ «یُقْسَمُ بَیْنَکُمْ بِالسَّوِیَّة» [الأمالي للطوسي/ص729] فشبّت نيران الحروب الداخليّة في حكومته. وانفصل عنه أصحابه الأوفياء مثل الطلحة والزبير. ولكنّ أمير المؤمنين(ع) كان قد أراد أن (يُزَکِّیهِمْ).

ما هي سيرة علي(ع) والنبي(ص) بحيث اجتمع ثلاثون ألف وقتلوا الإمام الحسين(ع) بعد ما أعلن أنه يسير بسيرة جدّه النبي(ص) وأبيه علي(ع)؟/ كانوا يطبّقون قوله (يُزَکِّیهِمْ)! 

ما أريد أن أذكره هو إحدى مصائب كربلاء، فإن لم تستطع أن تبكي تأوّه وإن أنّة في قلبك فقد قال(ع): «نَفَسُ الْمَهْمُومِ لَنَا تَسْبِیحٌ» [الكافي/ج2/ص226] طوبى لمن يستطيع أن يصبّ الدموع على هذه المصيبة. موعدنا يوم القيامة! فليحترق قلبك في ليلة الحادي عشر، وامشِ وسط الخيام المحترقة وابكِ على هذه المصيبة!

لقد أعلن الإمام الحسين(ع) نهجه وسيرته فقال(ع): «أَسِیرَ بِسِیرَةِ جَدِّی وَ أَبِي» [مثير الأحزان/ص4]. فيا ترى ماذا كانت سيرة علي(ع) وسيرة النبي(ص) بحيث اجتمع ثلاثون ألف وقطّعوه إربا إربا؟ لقد كان يريد أن يقسّم بيت المال بالسّويّة؛ «یُقْسَمُ بَیْنَکُمْ بِالسَّوِیَّة» [الأمالي للطوسي/ص729] فقالوا: كأن قد رجع إلينا عليّ(ع) فلنقتل الحسين(ع)! وإلّا هل كانوا يكرهون شكل الإمام الحسين(ع) والعياذ باللّه؟! بالمناسبة كانوا يحبّونه!

لم تكن لهم مشكلة مع شخص الإمام الحسين(ع) كثيرا. جاء أحدهم ليسلب خلخالا من إحدى بنات الإمام الحسين(ع)، ولكن اللعين كان يبكي. فقالت له: ما يبكيك؟ فقال لها: «كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَنَا أَسْلُبُ ابْنَةَ رَسُولِ اللّه فقالت لَا تَسْلُبْنِي قَالَ أَخَافُ أَنْ يَجِي‏ءَ غَيْرِي فَيَأْخُذَه‏» [الأمالي للصدوق/165]

من أين تقول أنّهم عمدوا إلى قتل أبي عبد اللّه الحسين(ع) لكي لا تتكرّر حكومة عدل أمير المؤمنين(ع)؟ لمّا أخذ الإمام الحسين(ع) يناشد القوم وينادي: أ لست أنا ابن بنت نبيّكم؟ طأطأو رؤوسهم ولم يقولوا شيئا. ولكن لمّا قال: أ لست ابن علي بن أبي طالب(ع)؟ قالوا: «إنا نقتلك بغضا لأبیك» [ينابيع المودّة/ج3/ص80]

و يا ترى ماذا كان قد فعل أميرالمؤمنين(ع). إنه كان يطبّق قوله (يُزَکِّیهِمْ). ولكن الناس رفضوا سياسة أميرالمؤمنين(ع) في تزكيتهم. والتزكية عبارة عن تقسيم بيت المال بين الناس بالسويّة وعدم التمييز بينهم.

إن رأى الناس ممارسات التمييز من الرجال السياسيّين، ستفقد آلاف المنابر الأخلاقية أثرها ويفقد آلاف الناس إيمانهم وترتكب آلاف المعاصي وكلّه في رقبة هؤلاء السياسيّين

يشهد اللّه أن إذا رأى الناس ممارسات التمييز من الرجال السياسيّين، ستفقد آلاف المنابر الأخلاقيّة أثرها ويفقد آلاف الناس إيمانهم وترتكيب آلاف المعاصي وكلّه في رقبة هؤلاء السياسيّين الذين يمارسون التمييز!

حينما يمارس تمييز ما في البلد، أحيانا أقول في نفسي ما الفائدة من هذه المحاضرة التي أريد أن ألقيها، وما عساي أن أقول؟! قد يصوّت على قانون غير صائب، أو يصوّت على مقرّرات غير صحيحة، أو ترى النظام الاقتصادي فيه خلل، فماذا أقول في مثل هذه الظروف؟!

إن أصل عمليّة التزكية وظيفة مشرّعي القانون/ لا يجوز لنائب المجلس أن يصوّت على قانون بدافع المجاملات السياسيّة

إن أصل عمليّة التزكية وظيفة مشرّعي القانون. ولكن الناس لا يتوقّعون من مشرّعي القانون هذه المهمّة، إذ لم يتم تبيين هذه الحقيقة. يجب على الناس أن ينظروا أي نائب يرسلوه إلى مجلس الشورى؟ يجب أن يشخّص هذا النائب أن بأيّ قانون يتزكّى المجتمع؛ لا أن يتأثر بالمجاملات السياسيّة!

قال رسول اللّه(ص): «حَدٌّ یُقَامُ فِي الْأَرْضِ أَزْکَى مِنْ عِبَادَةِ سِتِّینَ سَنَة» [مستدرك الوسائل/ج9/ص18] ولا شكّ في أن إقامة الحدّ هو شأن حكّام المجتمع لا أساتذة الأخلاق! إنه وظيفة مشرّعي القانون والقوّة القضائيّة. إقامة العدل لمرّة واحدة أفضل من عبادة ستين سنة.

فإن ذهبت أنا وأصدقائي في المصلّى وبتنا إلى الصباح في بكاء وتضرّع وأبحاث أخلاقيّة، وواصلنا عبادتنا ستّين سنة بهذه الكيفيّة لا تعادل إقامة حدّ واحد تقيمه القوّة القضائيّة! فإن هذه الأعمال هي التي تزكّي المجتمع! هذا ليس قولنا وإنما قول رسول اللّه(ص).

لا يصلح المجتمع معنويّا وماديّا إلا إذا تعرّف أبناؤه على المعارف السياسيّة في الدّين/ المعارف الدينية التي نلقيها على الطلّاب في المدارس لا تعرّفهم على حقيقة الإسلام!

حينما تسمعون مفهوم التزكية فلا تتبادر إلى ذهنكم الأبحاث الأخلاقيّة وحسب! نعم، نتيجة التزكية هي صفاء القلب الذي يعتري الإنسان. إن عمليّة التزكية ملاحظة في سيرة النبي الأكرم(ص). لقد امتدّت عمليّة تلاوة القرآن وفق قوله تعالى (یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ) ثلاثة عشر سنة في مكّة واستمرّت في المدينة أيضا. ولكن بدأت مرحلة التزكية بعد الهجرة. فلمّا هاجر النبي(ص) بدأ بتشريع القوانين. وهذه القوانين التي شرّعها النبي(ص) في المدينة هي التي تعبّر عن قوله تعالى (يُزَکِّیهِمْ)!

إحدى مشاكلنا هي هذه. لا يصلح المجتمع معنويّا وماديّا إلا إذا تعرّف أبناؤه على المعارف السياسية في الدين. وهذه المسؤوليّة تعود إلى وزارة التربية والتعليم. أنا لا أظن أن هذا الدين الذي نلقيه على الطلّاب في المدارس، يربّي الطلّاب سياسيّين! أو بالأحرى يعرّفهم على حقيقة الإسلام. وقد قال الإمام الخميني(ره): «واللّه إن الإسلام كلّه سياسة» [صحيفة الإمام(الفارسية)/ج1/ص270]. وأنا قد ذكرت هذا المعنى في إحدى الجلسات فاعترض عليّ أحد الإخوة من أهل العلم وقال: لا تبالغ في الكلام! فقلت: هذا هو قول السيد الإمام. فَلان بعد ما سمع هذه العبارة. ثمّ قلت له طبعا لخاطرك قال الإمام(ره) أيضا: «إن الإسلام هو دين السياسة قبل أن يكون دين المعنويّة» [صحيفة الإمام/ج6/ص467] و «إن قضايا الإسلام قضايا سياسية وسياسته غالبة على باقي أبعاده» [صحيفة الإمام/ج13/ص323] ولكن قبل ذلك كان قد قال: «الإسلام كلّه سياسة».

يجب أن يعلّم «الإسلام السياسي» في عمليّة التربية والتعليم لكي لا يتسنّى لأحد أن يخدع الناس/ إن أغلب المتديّنين غير مطّلعين عن هذه المبادرة السياسيّة للنبيّ!

يجب أن يعلّم «الإسلام السياسي» في عمليّة التربية والتعليم لكي لا يتسنّى لأحد أن يخدع الناس. منذ فترة وأنا أسأل المستمعين في المجالس المعنويّة بهذا السؤال وأغلب الحاضرين المتديّنين غير مطّلعين عن هذا الخبر. فلعلّنا نحن الطلبة مخطئون في أسلوب التبليغ. السؤال هو هذا: إن نبيّ الإسلام(ص) في بيعة العقبة الثانية، وبعد ما بايعه سبعون رجلا من المدينة وعاهدوه على أن يدافعوا عنه وطلبوا منه أن يهاجر إلى المدينة... حيث قد تمّت هذه البيعة خفية، في عقبة بين منا ومكّة. وكان حمزة سيد الشهداء وعلي(ع) واقفين بسلاحهم على العقبة لحماية رسول اللّه(ص) عن قريش، وقد جاءت قريش فواجهاهم وقال لهم حمزة ما ها هنا أحد. «وَ کَانَ رَسُولُ اللّه نَازِلًا فِی دَارِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ حَمْزَةُ وَ عَلِیٌّ وَ الْعَبَّاسُ مَعَهُ فَجَاءَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ فَدَخَلُوا الدَّارَ» [إعلام الورى/ص60]

لقد تمّت هذه البيعة في غاية الخفية. إنهم كانوا قد أسلموا وجاءوا من المدينة. وكان قد أتى منهم إثنا عشر رجلا في العام الماضي والآن قد جاء سبعون. فقالوا له: يا رسول اللّه إن القوم بصدد قتلك هنا أي في مكة! فهاجر إلينا. كان عدد المسلمين يومذاك في المدينة سبعين نفرا أو أكثر. كما كان اليهود حاضرين في المدينة وبعض أبناء المدينة لم يصلحوا ولم يسلموا أبدا. «يا رسول اللّه! على ما نبايعك فقال بايعوني على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل، و على النفقة في العسر و اليسر...» [دلائل النبوّة/ج2/ص443]

فبايعهم رسول اللّه في هذه الظروف وفي أوج الغربة! سؤالي هو أنه ما هو أوّل فعل بادر إليه رسول اللّه(ص) بعد هذه البيعة؟ لقد طرحت هذا السؤال في كثير من المجالس المعنويّة فأبدوا عدم علمهم بالجواب. قال بعضهم: أول ما قام به النبي(ص) هو أنه بنى مسجدا! في حين أنه قد بنى المسجد بعد هجرته إلى المدينة. أنا لا أعرف من الذي يؤلّف مناهج تاريخ الإسلام ومن الذي يدرّسها وكيف يُبَرمج لهذه المناهج؟!

أول ما قام به النبي(ص) بعد بيعة العقبة، تعيين إثني عشر نقيبا على أقوام المدينة؛ يعني قام بعمليّة سياسية بحتة؛ لا أخلاقيّة!

بعد ما تمّت بيعة العقبة قال رسول اللّه(ص): «أَخْرِجُوا إِلَیَّ مِنْکُمُ اثْنَیْ عَشَرَ نَقِیباً یَکْفُلُونَ عَلَیْکُمْ بِذَلِكَ کَمَا أَخَذَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِیلَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِیباً فَقَالُوا اخْتَرْ مَنْ شِئْتَ، فَأَشَارَ جَبْرَئِیلُ ع إِلَیْهِمْ فَقَالَ هَذَا نَقِیبٌ وَ هَذَا نَقِیب» [أعلام الورى/ص60] وهذه لمبادرة سياسية مئة في المئة.

أقول يا رسول اللّه(ص)! لم تكن مشكلة أهل المدينة تعيين الرئيس. ولم يأتوك هؤلاء لتعيّن عليهم نقباء! مضافا إلى أنه لم يسلم جميع أهل المدينة بعد! فيا حبّذا لو كنت تذهب إلى المدينة وتباشر بنشاطات ثقافيّة ثم تعيّن عليهم نقيبا في المستقبل. فلماذا هذه العجلة في تعيين النقباء؟ وهل هذا هو شأن النبوّة؟ نحن كنا نظن أن النبوّة هي وعظ الناس أكثر من أيّ شيء آخر! وكان انطباعنا عنك وعن دورك يختلف عن ما نراه منك في الواقع.

إن بعض النقباء الذين عيّنهم جبرئيل انحرفوا في المستقبل!/ يعني حتى مجلس صيانة الدستور الربوبي إذا أيّد صلاحية بعض الأشخاص في مناصب سياسية، قد يفسد بعضهم

جاء جبرئيل الأمين بأسماء هؤلاء الإثني عشر وعيّنهم فردا فردا. فكان جبرئيل هو الذي يمثّل مجلس صيانة الدستور الربوبي وتمّ تعيين الأسماء بأمر سماويّ. وبعد ذلك قال رسول اللّه(ص): «لا یجدنّ أحدٌ منکم في نفسه أن یؤخذ غیره فإنما یختار لي جبرئیل» [الطبقات الكبرى/ج3/ص452]

ولأخبركم أن بعض هؤلاء الإثني عشر المعيّنين، انحرفوا عن الطريق في المستقبل. ولا أريد أن أقول ماذا فعل بعضهم في زقاق بني هاشم عندما كانوا يجرّون أميرالمؤمنين(ع) إلى المسجد.

إذن فهل يمكن أن ينحرف بعض الناس في المناصب السياسية حتى وإن أيّد صلاحيتهم «مجلس صيانة الدستور» الربوبي في زمن ما؟! نعم هذا هو مقتضى القضايا الاجتماعية، فلابدّ أن تعرف ذلك. من بين هؤلاء النقباء الذين قد حدّدهم جبرئيل، استشهد ستّة منهم بين يدي رسول اللّه(ص). وواحد منهم هو «ابن التيّهان» الذي استشهد تحت راية أمير المؤمنين(ع) في معركة صفّين. وهو الذي بكى أمير المؤمنين(ع) حزنا عليه وعلى عمّار وقال: «أَیْنَ عَمَّارٌ وَ أَیْنَ ابْنُ التَّیِّهَانِ» [نهج البلاغة/الخطبة181] فقد انتهوا هؤلاء الإثنا عشر إلى مصائر متعدّدة.

حتى النبي(ص) لا يستطيع أن يطبّق قوله (يُزَکِّیهِمْ) بلا قانون ونقباء صالحين

لقد قام النبي(ص) بمبادرة سياسيّة، لأنه كان بصدّد تنفيذ مرحلة التزكية وفق قوله تعالى (يُزَکِّیهِمْ). ولكن كيف يمكن القيام بذلك وبأي وسيلة وباستعانة من؟! بالقانون الجيّد والمسؤولين الصالحين. وإلا فحتى النبي(ص) بعظمته لا يستطيع أن يزكّي الناس بلا قانون ونقباء صالحين.

المرحلة الثالثة: تعليم الكتاب (وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ)

لقد حظر البعض تفسير القرآن بعد وفاة النبي(ص)!/ إن تعليم الكتاب بحاجة إلى حكومة

طيّب فلننتقل إلى المرحلة الأخرى. الخطوة الأخرى التي يجب أن ينفذها النبيّ(ص) هي أن (یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَةَ) [الجمعة/2] فبعد تشريع القانون وإعداد البيئة المناسبة لتزكية الناس، فليأت النبيّ(ص) ويعلّمهم الكتاب في ظروف مناسبة وهادئة.

وهناك حديث ذوشجون في قضيّة تعليم الكتاب، فلأدعه وأتركه. جاء رجل إلى أحد الحكّام فقال إن فلان رجل لقينا يا أمير المؤمنين فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن فقال اللّهم أمكني منه فبينا هذا الحاكم يوما جالس يغدي الناس إذ جاءه ذاك الرجل و عليه ثياب و عمامة فتقدم فأكل حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى (وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً * فَالْحامِلاتِ وِقْراً) قال ويحك أنت هو فقام إليه فحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته فإذا له ضفيرتان فقال واللّه لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك ثم أمر به فجعل في بيت ثم كان يخرجه كل يوم فيضربه مئة فإذا برأ أخرجه فضربه مئة أخرى ثم حمله على قتب وسيّره إلى البصرة و كتب إلى والي البصرة يأمره أن يحرم على الناس مجالسته و أن يقوم في الناس خطيبا ثم يقول إن هذا الرجل قد ابتغى العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه و عند الناس حتى هلك و قد كان من قبل سيّد قومه. [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد/ج12/102] إن تعليم الكتاب بحاجة إلى حكومة. طيّب، لم نكن بصدد الإكثار في الحديث حول هذه المرحلة، فندعها وننتقل إلى المرحلة الأخرى أي مرحلة تعليم الحكمة.

المرحلة الرابعة: تعليم الحكمة (وَ الْحِکْمَةَ)

لابدّ للنبيّ(ص) أن يعلّم الناس الحكمة لكي يسعد المجتمع/ الحكمة هي البصيرة والفهم الصائب

كأن اللّه قد أمر رسوله(ص) أن لابدّ لك أن تعلّمهم الحكمة لكي يسعد المجتمع. ما معنى الحكمة؟ الحكمة هي أن تكون عالما بغير دراسة، وأن تنتج الفكر، وأن تكون بصيرا وتقدر على تشخيص بعض المصاديق، وأن يكون لك تحليل. أما من يعرف بعض المصطلحات وحسب فهو (کَمَثَلِ الْحِمارِ یَحْمِلُ أَسْفاراً) [الجمعة/5] فهو يأخذ بظواهر الكتاب فقط. لقد قال أميرالمؤمنين(ع): «عَلَیْکُمْ بِالدِّرَایَاتِ لَا بِالرِّوَایَاتِ» [کنزالفوائد/ج2/ص31] يعني عندما تسمعون حديثنا تفهّموه وأدركوه جيدا لا أن تنقلوه فقط؛ لا تكونوا نقّالين بل كونوا محلّلين.

يا نبيّي! إن الالتزام بهذا الدين يحتاج إلى حكمة، فلابدّ أن تعلّمهم الحكمة! لابدّ لهؤلاء أن يعوا جيّدا ويتّصفوا بالبصيرة. لابدّ أن يتفهّموا الأمر. وإلّا فمن يفتقد الحكمة سيهلك نفسه بالمعلومات السطحيّة وبعجزه عن تشخيص المصاديق. فهو لا يقدر على تحليل زمانه. لا يتّصف المرء بالحكمة إلا من كان عارفا بزمانه. لا يتّصف الإنسان بالحكمة الأخلاقية إلا إذا كان عارفا بنفسه. لا يتصف الإنسان بالحكمة إلا إذا كان يعرف مواطن استخدام معلوماته المختلفة. لا يتصف الإنسان بالحكمة إلّا إذا كان يعرف أن أيّ ذنب هو أعظم في مثل هذه الظروف، وأي ذنب أخفّ وأهون، وأي ذنب يمكن التغاضي عنه وأي ذنب لا يمكن التغاضي عنه.

من أهم مصاديق الحكمة هي الحكمة السياسية التي تؤدي إلى سعادة المجتمع/ الحكيم يشخّص الأولويّات

وهنا أيضا أقول أن أهم نوع من أنواع الحكمة هي الحكمة السياسية التي تؤدّي إلى سعادة المجتمع. نحن لو كنّا قد أدركنا أميرالمؤمنين(ع) لعلّنا كنّا نعترض على بعض مواقفه. لقد جاء أميرالمؤمنين(ع) إلى المسجد وإذا بالناس يصلّون نوافل جماعةً! فقال: لا يجوز صلاة النوافل جماعةً! ولكن ضجّ الناس اعتراضا عليه وأحدثوا بلبلة. فتنازل أميرالمؤمنين(ع) وقال: لا بأس؛ «قُلْ لَهُمْ صَلُّوا» [تهذيب الأحكام/ج3/ص70]

ولكن من جانب آخر عزم أميرالمؤمنين(ع) على أن يقسّم بيت المال بالسويّة خلافا للسياسات الماضية. فنصحه بعض أصحابه أن اترك هذا الملفّ إلى إشعار آخر، إذ ستنكسر حكومتك بهذه الطريقة وتثار حروب! فلم يبال أميرالمؤمنين(ع) وأصرّ على ذلك مهما بلغ الثمن.

انظروا! فقد اعترض بعض الناس على أميرالمؤمنين(ع) في قضية إقامة صلاة النافلة جماعة، فتنازل أميرالمؤمنين(ع)، ولكنه في هذا الموقف لم يتنازل. هذه هي الحكمة السياسية. يعني كان يرى أن يمكن التغاضي عن هذا المنكر، ولكن لابدّ أن تقسّم الأموال بشكل صحيح.

إنما الحكيم يستطيع أن يشخّص الأولويّات ويرتّبها على أساس الأهم فالأهم. لقد جاء في بعض الروايات أن الحكمة هي الفقه؛ «إِنَّ الْحِکْمَةَ الْمَعْرِفَةُ وَ التَّفَقُّهُ فِي الدِّینِ فَمَنْ فَقُهَ مِنْکُمْ فَهُوَ حَکِیم‏»[تفسير العيّاشي/ج1/ص151] فبمقتضى الحكمة أصدر الميرزا الشيرازي حكمه في حرمة التنباك فقال: «بسم‌اللّه الرحمن الرحیم، الیوم استعمال التبناك بِأَیِ نحوٍ کان هو في حکم محاربة إمام الزمان علیه ‌السلام». هذا هو الفقه الذي عين الحكمة.

إن كنّا لا نتّصف بالحكمة سنعترض حتى على أميرالمؤمنين(ع)!

لقد قال الإمام الخميني(ره) ارجعوا إلى الفقهاء العارفين بالزمان. وفي الواقع إن معرفة الزمان مرتبط بجانب الحكمة في شخصيّة الفقيه. فإن كنت لا تتّصف بالحكمة وكنت ترى جميع الفضائل وجميع الرذائل على حدّ سواء ولم تميّز بين الفضائل ولا بين الرذائل من حيث الشدّة والضعف، فهذه المصيبة الكبرى.

ذات مرّة حدث لي حادث اصطدام، فكانت يدي دامية وأنفي كذلك، وكتفي قد كسر! فكان يؤلمني كتفي كثيرا وكنت أشعر بوجع شديد. فقلت للطبيب في المستشفى: عالج كتفي فقد أنهكني وجعه. فقال: إن موضوع الكتف غير مهمّ فلا بد أن أعرف هل حدث لك إصابة دماغية أم لا؟! فقلت له: لم يحدث لي ذلك. فقال: كلامك ليس بحجّة فلابد أن أتأكّد من ذلك بالفحص! فكلّما ألححت على هذا الطبيب الحكيم، لم يستجب. وكان يقول: إن الرأس أهمّ! فبعد إكمال الفحص قال الطبيب: لقد اطمأننت الآن أن لم تحدث لك إصابة دماغيّة، فالآن يمكن معالجة يدك وكتفك ببال مطمئنّ. هذا هو الحكيم! فلابدّ أن يشخّص الأولويّات ويعرف من أين يبدأ في العلاج.

إن كنّا لا نتّصف بالحكمة سنعترض حتى على أميرالمؤمنين(ع)! والعجيب هو أن الناس في مجتمعنا لا يبحثون عن الحكمة!

لعلّ نظامنا التعليمي القائم على «الدرجات» لا يؤدّي إلى التزكية والتطهير، بل يسبّب تلوّث النفس!

إن نظامنا التعليمي في التربية والتعليم يعلّم الكتاب، فللّه الحمد والمنة. وكذلك عندنا برنامج تلاوة القرآن إلى نسبة ما. فللّه الحمد والمنة. ولكن هل أن هذا المنهج التعليمي والتربوي يؤدّي إلى تزكية النفوس؟ فلعلّ النظام التعليمي القائم على «الدرجات» لا يؤدّي إلى التزكية، بل يسبّب تلوّث النفس! أوهل يتعلّم طلّابنا الحكمة في المدارس أم لا؟

إن فقدت الحكمة والبصيرة تحدث كربلاء

أيّها الإخوة! إن فقدت الحكمة والبصيرة تحدث كربلاء! هل تعلمون لماذا أحرقت مصيبة الإمام الحسين(ع) قلوبكم بهذه الشدّة؟ أحد أسباب ذلك هو أن المصلّين قد حاصروا الإمام الحسين(ع)! فلأذكر لكم نموذجا من جهل هؤلاء: بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) مباشرة، ثار أربعة آلاف استنكارا لجريمة قتل الحسين(ع) وأسفا على ترك الحسين(ع) بلا ناصر. فلابدّ أن نسألهم: «أين كنتم قبل عشرة أيّام؟ يبدو أنكم كنتم تحبّون الإمام الحسين(ع) فأين كنتم يوم عاشوراء؟ فلو كان قد التحق بركب الإمام الحسين(ع) ألف نفر من جمعكم ونصره، لتغيّر مجرى كربلاء! ولأصبح قائدكم أبا الفضل العبّاس(ع)!» وقد استشهد هؤلاء الأربعة آلاف جميعا. طبعا أنا أحترمهم ولا نريد أن نتهجّم عليهم بكلام قاسٍ، ولكن هذه الحكمة لشيء عجيب!

إن قصّة سليمان بن صرد، نموذج للإنسان الجيّد الفاقد للحكمة

لقد فضح التاريخ أحد الشخصيّات ليكون عبرة لنا. طبعا كان إنسانا جيّدا جدّا. كان سليمان بن صرد أحد أصحاب أميرالمؤمنين(ع). فعندما بدأ يستعدّ أميرالمؤمنين(ع) لحرب الجمل أرسل عليه ودعاه لنصرته، ولكنّه تخلّف. لقد كانت الحرب داخليّة جدّا وتعلمون أن النخب والشخصيّات لا يتدخّلون كثيرا في النزاعات الداخليّة! بل يحاولون أن يحافظوا على سمعتهم وماء وجههم! لا أعرف السبب بالتحديد، ولكن هذه الحوافز موجودة بشكل عام.

فلم يأت سليمان بن صرد. بعد ذلك رجع أمير المؤمنين(ع) إلى الكوفة وزاره سليمان بن صرد إذ كان من أصحاب أميرالمؤمنين(ع)، «فَعَاتَبَهُ وَ عَذَلَهُ وَ قَالَ لَهُ «ارْتَبْتَ وَ تَرَبَّصْتَ وَ رَاوَغْتَ وَ قَدْ كُنْتَ مِنْ أَوْثَقِ النَّاسِ فِي نَفْسِي وَ أَسْرَعِهِمْ فِيمَا أَظُنُّ إِلَى نُصْرَتِي فَمَا قَعَدَ بِكَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ وَ مَا زَهَدَكَ فِي نَصْرِهِمْ» فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرُدَّنَّ الْأُمُورَ عَلَى أَعْقَابِهَا وَ لَا تُؤَنِّبْنِي بِمَا مَضَى مِنْهَا وَ اسْتَبْقِ مَوَدَّتِي يَخْلُصْ لَكَ نَصِيحَتِي وَ قَدْ بَقِيَتْ أُمُورٌ تَعْرِفُ فِيهَا وَلِيَّكَ مِنْ عَدُوِّكَ. فَسَكَتَ عَنْهُ وَ جَلَسَ سُلَيْمَانُ قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضَ فَخَرَجَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَ هُوَ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَ لَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا لَقِيت‏ مِنْهُ مِنَ التَّبْكِيتِ وَ التَّوْبِيخِ؟ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ «إِنَّمَا يُعَاتَبُ مَنْ تُرْجَى مَوَدَّتُهُ وَ نَصِيحَتُهُ» فَقَالَ إِنَّهُ بَقِيَتْ أُمُورٌ سَيُسْتَوْسَقُ فِيهَا الْقَنَا وَ يُنْتَضَى فِيهَا السُّيُوفُ (أي أمامنا حروب) وَ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى أَشْبَاهِي فَلَا تَسْتَغِشُّوا عَتْبي وَ لَا تَتَّهِمُوا نَصِيحَتِي فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: «رَحِمَكَ اللّه مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِالظَّنِينِ»» [وقعة صفين/ص6]

بعد ذلك كان سليمان بن صرد حاضرا في جميع الحروب بين يدي أميرالمؤمنين(ع). ثمّ لمّا قرّر الإمام الحسن(ع) أن يصالح معاوية، كان سليمان بن صرد أحد الأشخاص الذين جاء إلى الإمام الحسن(ع) وقال له: «يا مذلّ المؤمنين!» يا سليمان! لا ينبغي للإنسان أن يخاطب إمامه بهذا الأسلوب. ثم جاء سليمان إلى الإمام الحسين(ع) وطالبه بالقيام! فأجابه الإمام أن: لا فرق بين الأشخاص وإنما المهمّ هو أصل الإمامة. والمصلحة الآن هي ما قرّره أخي الإمام الحسن(ع). [الإمامة والسياسة/ج1/ص185]. فلمّا استشهد الإمام الحسن(ع) جاء إلى الإمام الحسين(ع) وقال: انهض الآن. فقال الإمام: لقد تغيّر الإمام، ولكن لم تتغير الظروف! فإن هذه السياسات غير متعلّقه بشخص الأئمّة! إن لنا معاهدة مع معاوية نلتزم بها وإن كان قد خالفها معاوية؛ «إني لأرجو أن يكون رأي أخي» [أنساب الأشراف/ج3/ص152]

بعد ما جاء دور يزيد، كان سليمان من أوائل الأشخاص الذين أرسلوا كتابا إلى الإمام الحسين(ع) واستنهضوه. فقال: يا أباعبداللّه! لقد حان ذلك الزمان الذي كنت بانتظاره، فانهض وأقدم؛ «...اجْتَمَعُوا فِي دَارِ سُلَیْمَانَ بْنِ صُرَد» [مناقب ابن شهرآشوب/4/ 89] ولكن بعد ما حوصر الإمام الحسين(ع) في كربلاء، كان سليمان بن صرد لا يزال يدرس الموضوع أن كيف يذهب، ومتى يذهب، وأساسا هل يذهب أم لا؟! فلمّا عزم على الالتحاق بعد اللتي واللتيا رأى رأس الإمام الحسين(ع) محمولا على الرماح وقد جاءوا به إلى الكوفة! [الطبقات الكبرى/ج6/ص102] لقد استشهدت يا سليمان بن صرد، ولكن لا في كربلاء. كلّ من كان يستشهد في كربلاء، كان الإمام الحسين(ع) يضع رأسه في حجره.

حكمة العقيلة زينب وبصيرتها السياسية: لتعلم الأجيال القادمة أن الحسين(ع) قتله رجل كنا نتوقع منه النّصرة

بودّي أن أقرأ عليكم مصائب العقيلة زينب ممّا تحكي عن بصيرتها. كانت العقيلة زينب(س) واقفة على التلّ الزينبي. وقد حاصر الأعداء الحسينَ(ع) من كلّ جانب. إن زينب(س) عقيلة بني هاشم وهي مشهورة بين نساء بني هاشم بعلمها وحكمتها.

يقول أرباب المقاتل: «فکأنّي بزینب أخته و هو على تلك الحال، قد خرجت‏ و هي تقول: لیت السماء انطبقت على الأرض» [تجارب الأمم/2 /80] في هذه الأثناء كان عمر بن سعد يقترب إلى حفرة مقتل الإمام(ع) فالتفتت إلى عمر بن سعد وقالت له: أَ یُقْتَلُ أَبُو عَبْدِ اللّه وَ أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَیْهِ؟! [الإرشاد للشيخ المفيد/2/112]

لماذا قالت زينب هذا الكلام؟ ألم تعلم زينب(س) أن عمر بن سعد قائد جيش قتلة الحسين(ع)؟ إنها كانت تعلم ذلك، إذن لماذا خاطبته بهذه الكلمات؟ إنها خاطبتكم أيها الباكون! أرادت أن توصل هذه الرسالة لكم أن: «أيها الباكون على الحسين(ع)! لقد قتل الحسينَ(ع) رجل كنّا نتوقّع منه النصرة!»

أيها الصالحون في مجتمعنا! نحن قد رأينا كربلاء/ حتى عمر بن سعد قد بكى على الحسين(ع)!

ثم تذكر المقاتل: «کأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسیل على خدّیه ولحیته» [وقعة الطّف/252] إذن فكان يحمل عمر بن سعد شيئا من العاطفة وكان رجلا صالحا! أيّ أناس قتلوا الحسين ابن فاطمة(ع)؟ فلو لم يتقدّم هؤلاء لقتل الحسين(ع) لما اجتمع ثلاثون ألف بسيوفهم على قتل ابن رسول اللّه(ص)! أيّها الصالحون في مجتمعنا، نحن قد رأينا كربلاء! أفهل أنقل لكم عن محاسن عمر بن سعد؟ أين ما تذهبون في مجالس مصائب الحسين(ع) يتحدّثون عن جرائمه، ولكن اسمحوا لي أن أذكر شيئا من محاسنه، لكي تستقرّ الحكمة السياسيّة والبصيرة في روحكم.

وجه الشبه بين أهل الفتنة وعمر بن سعد: بعد ما صنعوا الفتنة يأتي الأراذل والأوباش ويسحبون البساط من تحت أقدامهم/ كان يقول عمر بن سعد: لا تنهبوا الخيام...

جاء عمر بن سعد ورأى القوم ينهبون خيام بنات رسول اللّه(ص). فصاح لا تنهبوا الخيام! «لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ بُيُوتَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَة...» [الإرشاد للشيخ المفيد/ج2/ص133] يا سلام! يبدو أنك رجل حنون عاطفيّ يا عمر بن سعد! هل أنت قتلت الحسين(ع) حقّا؟! ثم هل امتثل أمره أحدٌ؟ لا واللّه! هذا هو حال أهل الفتنة الحمقى. فإنهم يصنعون الفتنة، ثم يأتي الأراذل والأوباش فيسحبون البساط من تحت أقدامهم، ثمّ بعد ذلك يبكون أسفا على ما حدث! في حين أنت الذي حركت كل هذه الأحداث المؤلمة!

نهبوا الخيام وكلّ ما صاح عمر بن سعد على أصحابه: «مَنْ أَخَذَ مِنْ مَتَاعِهِنَّ شَيْئاً فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِنَّ فَوَ اللّه مَا رَدَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئا» [الإرشاد للشيخ المفيد/ج2/ص133] ماذا نهبوا منهم وماذا جرى على الأطفال؟ لا أدري! ولكن عندما جاءوا بالسبايا إلى أبواب الكوفة، أشرفت عليهم امرأة من سطح دارها فسألتهم: من أيّ بلد وأيّ أمّة أنتم؟ فأجبنها: نحن بنات رسول اللّه(ص)! فما إن أجبنها بهذا الجواب أنا لا أدري كيف كان حال الأطفال والنساء، بحيث نزلت المرأة من سطحها وبدأت تطرق أبواب الجيران تجمع لهن إزارا ومقانع؛ «فَأَشْرَفَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكُوفِيَّاتِ فَقَالَتْ مِنْ أَيِّ الْأُسَارَى أَنْتُنَّ فَقُلْنَ نَحْنُ أُسَارَى آلِ مُحَمَّدٍ ص فَنَزَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ سَطْحِهَا فَجَمَعَتْ‏ لَهُنَّ مُلَاءً وَ أُزُراً وَ مَقَانِعَ وَ أَعْطَتْهُنَّ فَتَغَطَّيْنَ» [اللّهوف على قتلى الطفوف/145]

ألا لعنة اللّه على القوم الظالمين

 

تعليق