الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۸/۰۵/۰۷ چاپ
 

ما هو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟(المحاضرة14)

الخطوة الرابعة للاقتناع بترك المعصية هي القبول بالنظام المسيطر على العالم/ إذا لم يرَ الإنسان نفسه تحت سلطة نظام عالمي طغى!/ الالتفات إلى "الزمان" عنصر جوهري في تنشئة الجيل الشاب

  • المكان: طهران، مسجد الإمام الصادق(ع)
  • الزمان: 19/أيار/2019 ـ 13/رمضان/1440
  • الموضوع: ماهو الذنب؟.. كيف تكون التوبة؟

علينا، خلال العملية التربوية لأبنائنا، أن نبيّن لهم أن العالمَ الذي نعيش فيه عالمُ فعلٍ وردّة فعل وأن تبعات الفوضى التي نخلقها فيه إنما تنعكس علينا نحن. النظام المسيطر على العالم نظام مهيب حقّاً ولا يتلاءم وأطباعنا نحن معاشر البشر، لذا يحاول الكثيرون تجاهله ليرتاحوا، ذلك أن الإنسان يحب أن يفعل ما يلَذّ له دون أن يتحكم فيه نظامٌ ما!

المشكلة الأساسية تكمن في التديّن، لا في الإيمان!

  • النهج المتعارف في أصول العقائد يكفي في العادة لإيمان الناس واعتقادهم بالله عز وجل. نعم، ربما هناك مناهج أفضل، غير أن موضوعنا الآن ليس الإيمان، بل التديّن!
  • التدين ربما يَصعُب حتى على المؤمنين! بل إن عدم إيمان الكثيرين بالله إنما يعود إلى كون التدين شاقاً عليهم، ولو كان سهلاً يسيراً عليهم لتحدثوا عن الإيمان بكل سهولة. المشكلة الأساسية إذن تكمن في التدين، لا في الإيمان!

التدين حُلو ويجعل العيش حلواً أيضاً

  • يتوهّم البعض إذ يتصوّر أن التديّن صعب. فعملية التدين تضم مراحل تربوية إذا اجتازها المرء غدَت حياتُه الدنيا حلوة بكل معنى الكلمة؛ أي ليس التدين حلواً بذاته فحسب، بل إنه يجعل عيش صاحبه حلواً أيضاً، أو فلنقل: إنه يُعِين على تحمّل مرارات الحياة. فالحياة الدنيا بحد ذاتها تنطوي على الكثير من المرارات والآلام التي إنْ لم يلتفت إليها البشر فإنهم يخدعون أنفسهم في واقع الأمر.
  • إذا أصبح التديّن مهمّاً لشخصٍ ما صارت "الذنوب" همّه الأساسي وقويَت علاقته بالله على خلفية المعاصي والاستغفار، وهذا تحديداً ما نشاهده في سيرة أولياء الله؛ فكأن أولياء الله يطيب لهم أن يتحدثوا إلى الله باستمرار حول معاصيهم (أي حول التوبة والاستغفار). على أنهم يراقبون أنفسهم في حياتهم اليومية أيضاً لئلا يقترفوا الخطيئة.
  • ماذا ينبغي أن نصنع ليصبح "الكف عن المعصية" همَّنا الأول ولتشكّل التوبة من الخطايا والاستغفار موضوع حوارنا مع الله جل وعلا؟

لا بد أن تتوفر فينا بعض الميزات لنقتنع بالتدين/ علينا أن نكون "أصحاب مَنهجَة في الحياة" "ونفعيين"

  • للاقتناع بالتدين وترك المعصية ثمة بضع خصوصيات أولية على الإنسان أن يمتلكها. فقبل أن يدخل حضيرة التدين عليه أن يدرك ويتقبل حقيقة "أنني لا أستطيع العيش دون أن أُمَنهج حياتي". فالقبول بمنهجة الحياة هو بحد ذاته مرحلة من مراحل التربية ولا بد أن يبدأ من مطلع السابعة من العمر، ولا يُؤجَّل ولو عاماً واحداً! وكل مَن تأخّرت عمليته التربوية في هذا المجال عليه أن يجتهد لتدارك الموقف.
  • النقطة الثانية هي أن على الإنسان أن يكون نفعياً وأن يطلب أقصى منافعه.. علينا أن نحرص على منافعنا كلها. بل إن الدين لا يعني التنازل عن منافعك! حتى الذي يبذل روحه في سبيل الله تعالى فإنه، في الحقيقة، يتاجر مع ربه! فما من عمل تُنجزه في سبيل الله إلا ويعطيك الله ربحه، حتى وإن ذرفتَ الدموع على الإمام الحسين(ع) غراماً به! أي حتى وإن ترفّعتَ عن نفسك ونسيتها في ذروة لحظات العشق والغرام فسيسجّلها الله لك أيضاً ويُنيلك أجرها.
  • مشكلتنا نحن معاشر البشر هي أننا – في الأعم الأغلب – لسنا نفعيين بمعنى الكلمة أبداً! أي إننا من المتنازلين عن أنفسهم عبثاً.. ممن «خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَة» (الحج/11)! فالله عز وجل يُقسِم في كتابه العزيز قائلاً: «وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ» (العصر/1-2)؛ أي إنه يخسر باستمرار! والمعنى هو: أيها الإنسان، حاذر أن تخسر!
  • على الإنسان أن يكون نفعياً ويطالب بمنافعه جميعاً؛ الروحية منها، والمادية، والاجتماعية، والاعتبارية، ..الخ، لا أن يطالب بجزء من منافعه ويقنع به ويعيش في حالة من الكآبة المزمنة المستفحلة مفتقراً للكثير من منافعه يائساً من نيلها!

الخطوة الثالثة للاقتناع بالكف عن المعاصي هي أن نكون من "أهل السباق"

  • المرحلة الثالثة للتدين والكف عن المعاصي هي أن يكون المرء من أهل السباق! فيا ترى إلى أي شيء في الإنسان نظرت الملائكة عندما خلقه الله فاعترضَت على خَلقه؟ لقد نظرت إلى "ما ينشب بين الناس من عداوات وخصومات" فكانت هذه أهم ميزة سلبية رأتها الملائكة في الإنسان!
  • الإنسان مخلوق محتاج إلى باقي البشر. فإن أخضَعَ احتياجَه إلى الآخرين هذا "لبرنامج الدين" تحول إلى تنافس في الخيرات؛ «فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ» (البقرة/148) أي إنه سيحاول سبق الآخرين. ومن السباق هذا ينبثق التعاون والإيثار أيضاً! إذن الإيثار هو أيضاً أحد نتائج السباق هذا؛ فهو ينصحك بأن "تعطي ما تملك وما أنت بحاجة إليه إلى الآخر كي تسبقه!"

ما الذي يجعل الناس تتجه نحو التنابذ بدل التنافس؟

  • الناس بحاجة إلى بعضهم البعض. فإن كانوا ضمن إطار الدين سُمّي احتياجهم هذا تنافساً وتسابقاً في الخيرات، أما إذا كانوا خارج نطاق الدين فسيندرج احتياجهم في خانة العداوة، وهي تبدأ بالحسد. والحسد ينشأ عند الأطفال منذ سن الثالثة! وهو أول صفة سيئة تظهر في الإنسان بعد حُب الراحة.
  • ينجم الحسد عن تلك العلاقة القائمة بين الناس والتي يعمل الله تعالى على تحويلها إلى تنافس وتسابق. واللافت أن الناس يشعرون بالحساسية تجاه بعضهم البعض، لكنهم حينما يأتون إلى مسألة التدين لا يكون لأحدهم شأن بالآخر عادة؛ أي لا يودّون التنافس فيما بينهم وسبق بعضهم البعض في مضمار التدين، وهذا أمر سيئ. انظر كم صفحة من القرآن الكريم قرأ صديقُك اليوم؟ ألا تود أن تتقدم عليه؟! ألا يخامرك إحساسٌ ما بسبب سَبقِ صديقك لك؟! ألا تغبطه لذلك؟!
  • الناس بحاجة إلى بعضهم البعض، فماذا نصنع ليكون هذا الاحتياج وهذا الارتباط فيما بينهم إيجابياً وبنّاءً؟ الحل هو أن نقحمهم في تنافس إيجابي. على أنّ للتنافس الإيجابي آدابه أيضاً؛ وهذه الآداب مندرجة ضمن منهاج يزوّدنا به الدين. البعض، إذ يشاهد الآثار السلبية للتنافس، تراه ينكر التنافس والتسابق من الأساس بحجة أنه "يخلق اضطراباً!" وهذه رؤية خاطئة.

ماذا يصنع المعلم التربوي لاجتثاث الحسد من نفوس الأطفال؟

  • إذا أراد المعلم التربوي في مدرسة ما السموَّ بتلاميذه ليصبحوا متدينين وولائيين فيما بعد، فما الذي عليه صنعه؟ عليه أن يمحو صفة الحسد في نفوسهم؛ كأن يشجّعهم دوماً على تقبّل امتيازات زملائهم والحديث عنها.
  • لا يجوز تقريع تلميذ بامتيازات تلميذ آخر! لا تقولوا له: "انظر إلى زميلك كيف هو مستواه الدراسي؟!" فقد تكون قابلية الأخير على الدراسة عالية، ثم قد لا يُعَدّ مستواه الدراسي الجيد امتيازاً كبيراً له!
  • لا ينبغي لإمام المسجد إذا نظر إلى المؤتَمّين به أن يقول: "لاحظوا هؤلاء الذين يحضرون الجماعة بانتظام، إنهم في منتهى الإيمان!" فلا يجوز تقريع مُصَلّين على خلفية انتظام غيرهم! إذ لربما كان هؤلاء المنَظّمون منَظّمين في كل شيء عموماً فلا يُعد انتظامهم (بالصلاة) امتيازاً خاصاً لهم. ولعل هذا الذي لا يصلي في وقتها إلا أحياناً أشد تقوى من أولئك!
  • إحدى الأمور التربوية المهمة هي أن يُقرّ أفراد الجماعة "بالنظام التسخيري"؛ أي أن يقرّوا بأنه لكل فرد من الناس امتياز، ولكل واحد منهم نقطة ضعف.. أن يقرّوا الاثنين معاً. علينا أن نفهّم التلميذ المُجِد وذاك الضعيف في الصف معاً بأنه "لا أنت بأدنى من الباقين، ولا ذاك بأعلى منهم!" فلا ينبغي أن يتهيّبَ فردٌ فرداً، وليعترف كلّ فرد بالآخر؛ كأن يقول طالب عن الطالب المحاذي له: "ذاكرته في منتهى القوة"، ويقول الثاني في الأول: "هو بارع جداً في حل المسائل". فلا نحطّمَنّ الأشخاص بسبب امتلاكهم صفة أو افتقارهم لها، بل لنرى لكل فرد امتيازاً خاصاً به.
  • لا ينبغي أن نعمل – مخافة التصادم والاشتباك –على أن لا يتصل الناس مع بعضهم، ولا يقيسوا بعضهم ببعض، ولا يتسابقوا فيما بينهم! فتصرّف كهذا هو تصرف غير صحيح وهو ركونٌ إلى الدعَة، فلسنا في صدد تربية مجموعة من الخراف!
  • يجب أن نُقحم الناس في حلبة تنافس وسباق، لكن علينا أن ننهاهم عن التحاسد والتفاضل فيما بينهم. لكن عليهم جميعاً – في الوقت ذاته –أن يتسابقوا مع بعضهم. تسابَق يا أخي لكن لا توبّخ الآخر.. تسابَق ولا ترَ لنفسك فضلاً.. تسابَق ولا تحسد.. تسابَق لكن لا تفرح بسقوط أحد.

الخصوصية الرابعة الضرورية للاقتناع بالتدين هي "أن يعلم الإنسان أنه يعيش في عالم منظّم"

  • لا بد للإنسان من امتلاك بضع خصوصيات تؤهله لتقبل الدين وتقنعه بالإقلاع عن المعاصي. فناهيك عن كون المرء نفعياً، وذا منهج، وأهل تسابق – وهو ما ذكرناه في المحاضرات الفائتة – فإن الخصوصية أو العامل الرابع الضروري للاقتناع بالتدين هو أن يقتنع المرء بأنه: أيُّ عالم منَظَّم ومدروس هذا العالم الذي يعيش فيه! عليه أن يدرك أن هذا العالم هو عالم فعل وردة فعل، وأن هناك ردة فعل لكل فعل تفعلُه. نعم، إذا أخطأت فثمة فوق رأسك "ربٌّ يتدارك أخطاءك ويدعمك".
  • إن للعالم نظاماً صارماً في غاية الاستحكام.. إن نظام هذا العالم مهيب حقّاً، وهو لا يتلاءم وطباعنا نحن معاشر البشر! والناس في العادة يغفلون عن هذا النظام، ويحاولون تناسيه سعياً منهم لمُجاراته. فالإنسان يحب أن يفعل ما يحلو له دون أن يحكمه نظام ما، حتى أن الله تعالى قد خلق الجنة وأخبرنا أنك في الجنة تفعل ما يطيب لك، فليس هناك أيّ نظام يحكمك! «وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ» (الزخرف/71).

لا بد أن يفهم الأطفال أثناء العملية التربوية كيف أن النظام المسيطر على العالم يقهر الإنسان

  • هذه الخصوصية الرابعة هي في الحقيقة بمثابة معرفة تجاه هذا العالم. إن علينا أن نخبر الأطفال في عمليتنا التربوية كم أن هذا العالم عالم مُنظَّم! وأنه عالم فعل وردة فعل، وأن الفوضى التي نخلقها فيه إنما تنعكس نتائجها علينا نحن وتُلحق بنا ضرراً.
  • والإنسان خاضع لسلطة هذا النظام المهيمن على العالم. نعم قد يستطيع الإنسان التغلب على قوانين العالم الصارمة؛ كتغلبه على ظاهرتي البرودة والحرارة، لكن ثمة ظاهرة مثل "الزمن" ليس من ميسور الإنسان التفوق عليها؛ فالزمن يمر بكل قسوة قاهراً الإنسان، قائلاً له: "كن مَن تكون، فقد انتهى زمنك!"

الالتفات إلى مرور "الزمان" هو عنصر جوهري في تنشئة الجيل الشاب

  • يُعدّ الالتفات إلى "الزمان"، كأحد عناصر النظام المهيمن على العالم، النظام الذي يحيا الإنسان مقهوراً له - يُعدّ عنصراً جوهرياً وركيزة تربوية في تنشئة الجيل الشاب. فعن أمير المؤمنين(ع)، وهو معلم الأمة الإسلامية بعد رسول الله(ص) والذي يسعى لتعليم الجيل الشاب الدين، أنه يخاطب الشاب في الكتاب المرقم 31 من نهج البلاغة: «مِنَ اَلْوَالِدِ اَلْفَانِ اَلْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ»، والمُقِرّ لعُنف هذا الزمان، ولقاهريّته! «...اَلْمُسْتَسْلِمِ لِلدُّنْيَا» وللدهر! أي: إنني لم أستطع التسلط على هذا الدهر، بل هو الذي تسلط عليَّ؛ وما الدهر إلا هذا التقلب للأيام وهذه الطبيعة العصية على التغيُّر والتبدل!
  • على الإنسان أن يدرك هذا النظام المسيطر على الحياة، ومن المسائل الهامة لإدراكه الالتفات إلى مُضي الزمان بلا هوادة؛ فلا بد للإنسان – على سبيل المثال – أن يقر "بالموت" كواقع يفرضه عليه تقلّب الأيام. لكن ألا ينخفض منسوب نشاطنا في الحياة إذا أدركنا هذا النظام المهيب وأقررنا به؟! بلى، سينخفض، لكن علينا أن نتزوّد بالنشاط من منبعه الحقيقي، لا أن نسعى وراء النشاط غافلين عن النظام الذي يسود العالم، قائلين مثلاً: "لا تفكر بالموت، وعش أيامك القلائل في الدنيا بسعادة!"

إن الإنسان ليطغى إذا لم يرَ نفسه مقهوراً لنظام العالم!

  • يقول تعالى في كتابه العزيز: «إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ» (العلق/6)؛ أي: يا للناس! ما إن يروا أنفسهم مستغنين حتى يطغون! وهذه من أوائل الآيات التي نزلت على نبينا الكريم(ص)، فهي إذن تشير إلى مدى أهمية "طغيان الإنسان".
  • ما هي الخطوة الأولى لتبديد حالة الاستغناء هذه التي تراود ابن آدم؟ إنها الطبيعة! فقبل أن تجعل هذا الإنسان يستسلم لله عز وجل اجعله يستسلم للطبيعة ولهذا النظام الذي يسود العالم. فلا بد للإنسان أن يلمس ضعفه تجاه الطبيعة ونظام العالم.. فهو إن لم يرَ نفسه خاضعاً لسلطة الكون ونظام العالم هذا فإنه سيطغى.
  • حتى في المواطن التي يتغلب فيها الإنسان على الطبيعة فإنه - في الحقيقة - يجاري القوانين المهيمنة عليها، لا أنه يُبطل هذه القوانين! فعندما يتغلب – مثلاً - على الجاذبية الأرضية ويطير في السماء فإنه يستعين بقوانين الطبيعة ذاتها، وإلا فإن قانون الجاذبية يستحيل محوه!

إذا تأهّلتَ للعيش في هذه الدنيا تفتّحَت أبواب العالم الآخر أمام ناظريك!

  • إنك إن شاهَدتَ هذا العالم المنظّم، وكنتَ – مضافاً إلى هذا – "نفعياً، ومُمَنهجاً، وأهل تنافس وتسابق" فستكون أهلاً للعيش في هذه الدنيا، وستتفتح أبواب العالم الآخر أمام ناظريك. فحينما تكون إنساناً قد ذاق طعم هذه الحياة وصار أهلاً للعيش في هذا العالم فستُكشف أمامك مشاهد العالم الآخر وستكون حياتك قد شرعَت للتو!
  • ما الذي يوجد في العالم الآخر ذاك؟ إنه عالم خالد.. خالد إلى الأبد! وقد تحدث الله عز وجل في كتابه العزيز عن هذا الموضوع زهاء الثمانين مرة. لكن ما فرق ذلك العالم عن هذا؟ في هذا العالم كل شيء - تقريباً - مفروض فرضاً. ولا نريد بالطبع أن نسلك مسلك الجبرية، فإن للإنسان اختياراته على أية حال، غير أن اختياراته هي ضمن دائرة ما رسمه الله له. أما في ذلك العالم فسيكون كل شيء – من الصفر حتى المائة - باختيارك!
  • في هذا العالم هل أنت الذي قرّرتَ من يكون أبويك؟! وهل أنت الذي حدّدتَ الموهبة التي تُعطاها؟ والصورة التي تُجعَل عليها؟ وفي أي مستوى من المدينة ستعيش؟ ومَن يكون جيرانك؟ وعندما تتزوج فهل أنت حقاً مَن يختار زوجك؟ فأنت في النهاية تصطفي خياراً من بين بضع خيارات، لكن مَن الذي وضع هذه الخيارات القليلة أمامك؟
  • على أن لدينا بعض الصلاحيات، وبهذه الصلاحيات القليلة التي في حوزتنا سنعمل على تنظيم عالمنا الآخر إلى الأبد.. إنك ستختار (في ذلك العالم) بيتك لبنة لبنة، وتحدد مساحته، وتختار زوجك، وتصطفي جيرانك، وكل شيء، وهي أمور ستبقى ثابتة لك إلى الأبد! ففي هذا العالم أنت في طورِ اختيارِ "حياتك في العالم الآخر" وهي حياة ستبقى لك إلى أبد الآبدين، فأنت لن تستطيع العودة إلى هذه الدنيا لإعادة بلورة حياتك هناك، كما أنه ليس هناك مجال للتغيير!

تعليق