الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
14/12/31 چاپ
 

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني (الجلسة السابعة)

ملخص الجلسة السابعة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» ألقاها في ليالي شهر رمضان المبارك عام 1434هـ. في مسجد الإمام الصادق(ع) في مدينة طهران

إن كثيرا ممّا يصعب عليهم الدين، لم يقتنعوا بالدين عن عمق       

  • أحيانا لا ينبغي أن نكتفي باقتناعنا ولا سيما إن كانت القناعة سطحية. فلابدّ أن نبني كياننا الفكري من جديد، إذ قد تكون ثغرات في هذا النظام ولعلّنا قد اقتنعنا ببعض العقائد عبر أدلة غير كافية وغير صحيحة، وقد يكون هناك خلل في مقدمات عقائدنا وقد خفي عن أنظارنا، أو لعلّنا رتبنا مقدمات عقائدنا واقتنعنا بها بغير دقّة. فإن لم يطو الإنسان مراحل اقتناعه واعتقاده بالدين بشكل دقيق ومحكم، سيواجه مشكلة في محلّ ما.

  • وقد تظهر هذه المشكلة في الاستخفاف بالصلاة وفي التساهل في السير والسلوك إلى الله وفي التقصير في الإطاعة وغيرها. إنّ هؤلاء الذين يزعمون أنّهم قد آمنوا بكل شيء واقتنعوا بكلّ شيء ولا مشكلة فيهم سوى أن يصعب عليهم العمل ببعض أجزاء الدين ولا مهجة لهم في بعض الأحيان أو أنهم يفقدون تلك القابليّة العالية للتقوى أو ليس لهم توفيق أولياء الله، فهولاء الذين يتحدثون بمثل هذا الكلام وهكذا ينظرون إلى قصورهم وتقصيرهم في الدين، لا يقولوا بأننا نعتقد بكل شيء ولا يسطّروا محفوظاتهم في العقائد الدينيّة، إذ أنا لا أعتقد بأنهم يعتقدون بكل شيء وليس هناك خلل في عقائدهم وقناعاتهم.

  • بالتأكيد أنهم مؤمنون ولا أقول أنهم غير مؤمنين! ولكن لي نقاش في اقتناعهم، فإن الكثير من الناس لم يقتنعوا بتعاليم الدين عن عمق. فقد قبلوا بها واعتقدوا بها كالطالب الذي يحترم أستاذه، ولكن بدلا من أن يستدل له الأستاذ على مدّعاه، يرفع له صوته ويؤكد في لحن قوله، فيقتنع الطالب ويرضى بالجواب الضعيف الذي أعطاه أستاذه. فهذا ليس بطريق صائب ولابدّ أن نقتنع عن عمق.

  • باعتقادي أن كثيرا ممن يصعب عليهم الالتزام بالدين، لم يقتنعوا به عن عمق، بل قد قبلوا ببعض التعاليم وبمجمل الدين بشكل سطحي. فهم لا يستطيعون أن يرفضوا وجود الله سبحانه ولا يقدرون على إنكار نبي الله(ص) وليس بإمكانهم أن يكفروا بيوم القيامة والجنة والنار، فآمنوا بكل هذه العقائد وهم مؤمنون.

  • ولكن لا تزال أسئلة باقية في أعماق قلوبهم عن بعض الأسباب والغايات والأهداف. إن بعضهم لا يسألون عما يختلج في قلوبهم احتراما لله، فيشعرون بالإساءة إن طرحوا استفسارا عن أصل الدين، ويقولون مع نفسهم: ليس من الأدب أن نسأل هذه الأسئلة، إذ أن الله يعلم الصواب جيدا، ولابد أن هذا الدين لصالحنا ولهذا أوجبه علينا، فمن الأولى أن لا نتدخل في شؤونه ونلتزم بدينه بلا سؤال ونقاش!

  • إن هذا الكلام كلام صحيح ولكنك لا تستطيع أن تلتزم بالدين بهذا الأسلوب، إذ أحيانا تفرّ من أحكام الله وأحيانا تصعب عليك هذه الأحكام، فليس لك بدّ سوى أن تقتنع بالدين عن عمق. فلا داعي لأن تكتم سؤالك من أجل أن تحترم الله، بل اطرح سؤالك حتى تقتنع بالقضية بكل وجودك.

  • طبعا أنا أؤمن أنّ بعض الأسئلة غلط من أساسها، وإن بعض الأسئلة إن لم تكن غلط فهي تحكي عن مرض في قلب الإنسان، كما يقول القرآن: (بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَه‏ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَة)[القيامة/5ـ6]، ولكن السؤال الجيد يشفي قلب الإنسان وينقذه فلا ينبغي أن نتركه. إن السؤال الجيد والنظرة إلى مختلف القضايا من زاوية صحيحة وتحليل القضايا بشكل صحيح، كلها من مقتضيات حياة الإنسان.

إن منطلقنا في هذه الأبحاث هو مشاهدة الواقع في الدنيا وفي حياة الإنسان

  • من أين انطلقنا في هذه الأبحاث أيها الإخوة؟ إنّنا لم ننطلق من الإيمان. اسمحوا لي أيها الإخوة أن أشرح لكم الأسلوب والمنهج الذي اتخذناه في هذه الأبحاث. نحن لم نبدأ من الإيمان بالله سبحانه في هذه الأبحاث، فمن أين بدأنا؟ بدأنا من دراسة الواقع، فحاولوا أن تشاهدوا الواقع بشكل صحيح. وهذا هو الأسلوب الذي اتخذه أمير المؤمنين(ع) في الكتاب الواحد والثلاثين من نهج البلاغة الذي كتبه إلى ولده الإمام الحسن(ع)، وهذا هو الأسلوب الذي تستطيعون أن تشاهدونه في القرآن بأنحاء مختلفة.

  • نحن قد انطلقنا من دراسة الواقع، ولا من ذكر الواجبات والمحرمات وأحكام الدين، ولا من الأمور الغيبية التي على رأسها هو غيب الغيوب رب العالمين. فلم نبدأ حديثنا من هذه المواضيع، بل بدأناه بدراسة الواقع. وسوف نصل إن شاء الله إلى الإيمان.

لماذا بدأنا من الواقع؟

  • لماذا بدأنا من الواقع؟ أريد أن أجعلكم على بصيرة من مسار البحث كما بودّي أن أطلعكم على خلفية هذا الفيلم وهذه السيناريو التي بدأنا بكتابتها معا في هذه الليالي.

  • إن ما نرمي إليه في هذه الأبحاث هو أن نتعطّش إلى الإيمان بالله قبل أن نصل إليه في بحثنا، ونشعر بالحاجة إلى أحكام الله قبل أن نواجهها، ونريد أن نشعر بالألم والحاجة إلى الطبيب قبل أن يخاطبنا الأنبياء. فإذا جاءني طبيب وسألني عن صحتي وأنا لم أشعر بأي ألم في جسمي، لعلي أستهزء بالطبيب وأجيبه بتكبر واستعلاء إذ لا أشعر بالحاجة إليه، وهذا ما حدث تجاه الأنبياء على مرّ التاريخ (مَا یَأتِیهِم مِن رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُن)[يس/30].

  • فلابدّ للإنسان أن ينقدح في قلبه السؤال ويشعر بالعطش، فإذا دلّوه على عين الدين الصافية، عند ذلك يعرف قدرها ويلتذّ ويرتوي بها، كما يصبح قلبه عند ذلك عينا جارية بالحكمة والمعارف الحقّة.

  • أما إن أعطيت الدين من لا يشعر بالعطش والحاجة والفقر. يقول مستنكفا: لماذا يجب علي أن ألتزم بهذه القيود؟! أفهل يمكن أن تجيب مثل هذا الإنسان عن هذا السؤال؟! إن هذا السؤال ليس بلا جواب ويمكن أن يجيب عنه الإنسان ولكن باعتباره لا يصدر من قلب سليم، فحتى لو أعطيته الجواب الصحيح لا ينفعه.

  • إن الإنسان لجوج لا ينصاع للأوامر والنواهي بسهولة، وليس علاجه سوى أن يدرك الواقع بعمق. فإن قلت له: صلّ، يقل: لماذا يجب أن أصلي! ولعلّه يتفلسف ويقول: هل يحتاج الله إلى صلاتي؟ إلى غيرها من الأسئلة... وكلما تحاول على إقناعه لا تقدر على ذلك. لأنك قد أخطأت في اختيار التكتيك وابتدأت معه بذكر الحكم، فأقفل قلبه عليك ولم يفتحه مهما أعطيته من أدلة وبراهين.

  • فحاول أن يشعر بألم وحزن، ليأتيك ويقول لك: ماذا أفعل بهذا الألم الذي أشعر به في قلبي؟ عند ذلك قدّم له الصلاة كدواء للداء الذي يشعر به ويعاني منه. فيأخذ الصلاة متلهفا لأنها جاءت دواء لألم شعر به في قلبه وماء صافيا يزيل به عطشه.

  • إن هذا الأسلوب والمنهج يقول: عرّف الناس في بداية الأمر على واقعهم وواقع حياتهم وعرفهم على مرارة هذا الواقع. فإن شاهدوا هذه المرارة وشعروا بها جيدا يبحثوا عن الحلاوة. وهنا تسنح الفرصة لتحلّي حياتهم بحلاوة الدين. هذا هو الأسلوب المعقول والطبيعي لتبليغ الدين.

  • أنا لا أقول إن باقي الأساليب غلط ولا ينبغي أن يتخذها أحد، ولكن بودي أن تروا هذا الأسلوب وتقفوا عنده. طبعا إذا أردنا أن نتحدث عن هذا المنهج بشكل عام وندافع عنه ونتحدث عن أبعاده نحتاج إلى عشر محاضرات مستقلة، ليس مجالها الآن.

النقطة المقابلة لهذا المنهج هو أسلوب الشيطان

  • ما هي النقطة المقابلة لهذا المنهج؟ النقطة المقابلة لهذا المنهج، هو أسلوب الشيطان، إذ أول ما يقوم به الشيطان هو أن يزيّن لك الدنيا ويحليها في مذاقك. فيتحدث معك عن الدنيا ولذاتها وحلاوتها وجمالها بالنحو الذي تشعر أن قد سبقك غيرك كثيرا في التمتع بهذه الدنيا والالتذاذ بها.

  • وبطبيعة الحال إن أصبح انطباع الإنسان عن هذه الدنيا هو أن يستطيع أن يرتع فيها ويتمتع ويأكل ويشرب ويلعب مهما شاء، لا يستطيع عندئذ أن يقيّد نفسه بالدين. وإن قلت له: إن الدين لا يسمح لك بهذا النوع من اللذة، لا يقبل، وقد يتهجم عليك بشدّة. هذا هو أسلوب الشيطان إذ قال الله تعالى عن إبليس: (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ)[الحجر/39]

  • أما نحن فقد عملنا ضدّ الشيطان تماما، إذ قلنا إن الدنيا خربة وهي محل بلاء وعناء وتعب وألم. فقد تعلمنا هذا الأسلوب من أمير المؤمنين(ع) إذ عمل عكس الشيطان وأسقط الدنيا من عيننا.

مقارنة بين الأسلوب الصحيح وأسلوب الشيطان

  • عندما تعتبرون الدنيا مرّة، تبحثون عن الحلا، ولكن إن اعتبرتم الدنيا حلوة، سوف تجدون الدين مرّا. هذه معادلة واضحة أرجو أن تنتبهوا إليها. نحن بدأنا في أبحاثنا من مشاهدة الواقع ورأيناه مرّا. وكذلك إبليس يبدأ معنا من الدنيا ولكنه يكذب علينا ويزيّن الدنيا ويحليها في عيننا. فإذا استطاع أن يخدعك ويصور الدنيا حلوة، عند ذلك تجد الدين مرّا. بيد أنك إن وجدت الدنيا مرّة سوف تجد الدين حلوا، وشتان بين هذه الرؤيتين.

  • ما هو دور الغزو الثقافي؟ دوره هو تزيين الدنيا. وما هو الفيلم الذي يفسّد الإنسان؟ هو ذاك الفيلم الذي يصوّر الدنيا أحلى من واقعها، وهو ذاك الفيلم الذي ينظر إلى مشاكل الدنيا ومرارتها كمشكلة طارئة استثنائية في الحياة، فيعالجون المشكلة في القصة وتنتهي آلامهم ومشاكلهم تماما وينتهي الفيلم بعاشوا عيشة سعيدة. ثم المشاهد المسكين ينتظر عشرات السنين حتى يصل في حياته إلى «العیشة السعيدة» ولكنه مهما يحاول لايصل إلى شيء. فلماذا نخدع الناس بهذه الأفلام؟

  • لم تكن نقطة عزيمتنا الإيمان، ولم نبدأ بالدين، بل قد انطلقنا من الدنيا ومن الإنسان، لا من الله سبحانه. وهذا هو الطريق الصحيح. ثم قد بدأنا بمرارة الدنيا لا بحلاوتها. ولم نأت نسوّد الدنيا ونشوّهها ليحلو الدين، كلا، بل هذا هو واقع الدنيا والإنسان يشاهد هذا الواقع إن لم يكن أعمى العين.

  • نعم! هناك من يحاول أن يغض الطرف عن مرارة الدنيا، فهذه مشكلتهم، ولكن الواقع هو أن الدنيا مليئة بالمرارة والمحن. (وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ)[يس/68] إن الله ينسب هذا الفعل إلى نفسه ويقول نحن نفعل ذلك. وكذلك قال: (لَقَد خَلَقْنَا الإِنْسَانَ في كَبَدٍ)[البلد/4]. هذا هو فعل الله وهذا هو البرنامج الإلهي، إذ أراد أن يروّضك ويقوي عضلاتك في هذه الدنيا.

مرور على ما سبق     

  • مما يؤيد هذا الأسلوب هو الروايات التي تدعو لمعرفة النفس، من قبيل ما روي عن أمير المؤمنين(ع) حیث قال: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه»[غرر الحكم/ص588]. و قد كانت بعض أبحاثنا الماضية مرتبطة بمعرفة النفس. فقلنا: إن الإنسان ينطوي على رغبات مختلفة، فعندما يريد أن يختار شيئا من رغباته، لابدّ أن يذبح بعضها من أجل بعض أخر، ومن هنا يبدأ جهاد النفس.

  • وقلنا: إن الرغبات الأقل قيمة وثمنا ظاهرة واضحة، والرغبات القيّمة خفيّة وكامنة في عمق روح الإنسان. فلابدّ لك أن تعفّ وتغض الطرف عن رغائبك السطحية لتصل إلى رغائبك العميقة.

  • إن جهاد النفس جزء لا ينفك عن حياة الإنسان. فقد خلقت من أجل جهاد النفس وإلا لكنت حيوانا أو كنت ملكا. لابدّ لك أيها الإنسان أن تنتج قيمة مضافة، يعني أن تنتج الحسن لا مجرد أن تكون حَسَنا. فليس من الفنّ أن تكون حَسَنا، إذ هذا هو شأن الملائكة، بل لابدّ أن تصير حسنا. ولابدّ أن يكون هناك مانع في طريق صلاحك، والمانع هو أن تكون تكره بعض الصالحات وتحبّ بعض السيئات. إذن خُلقت حتى تصير صالحا لا تكون صالحا كالملائكة.

  • لقد خلقت إنسانا وأصبحت إنسانا من أجل أن تحزّ رأس نفسك ومن اجل التضحية ومن أجل محاربة نفسك ومن أجل سحق رغائبك وأهوائك. ويعينك الله في حركتك هذه، إذ قد صمّم الدنيا على أن لا تجري رياحها بما تشتهيه سفينتك. فأنت تخالف هواك من جانب والله يخالفها من جانب آخر. فإن أردت أن تستقيل عن مهمّتك وتلبّي رغبات نفسك، سوف يتكفل الله بدلا عنك بمخالفة هواك فتزداد حياتك مرارة وصعوبة؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكَا)[طه/124]. هذه هي خصيصة الإنسان وقد خلق في مثل هذه الأجواء ونحن لم نتحدث عن الدين بعد، بل إن خلقة الإنسان تفرض عليه هذا العناء في الحياة الدنيا. فإن حاولت قليلا وبعت فنّا تستطيع أن تثبت هذه الحقائق لنفسك عبر التجربة الميدانية أو بطريقة فلسفية أو من الناحية الفطرية.

لابدّ للآباء والأمهات أن يلقنوا أولادهم حقيقة مرارة الدنيا

  • كان ينبغي لأمّنا أن تصارحنا منذ طفولتنا بهذه الحقائق حتى نعيها ونوقن بها. مثلا تقول: أي بنيّ! ويا حبيبي وعزيزي وحياتي! سوف تكبر وتتنازع مع بعض ويحصل لك سوء تفاهم وسوء هاضمة وسوء فهم وقد يسيء الظنّ بك أحد فسوف يحصل لك كل هذا. فإن انزعجنا من كلامها وقلنا لها: لا نريد أن تحدث لنا هذه المشاكل! تقول: لا عزيزي، فقد خلقك الله وأعطاك القدرة لتخوض بها صراعات ونزاعات مع نفسك وأهوائك ومشاكلك.

  • هكذا تعاملوا مع أولادكم، فإن رجع ولدك من المدرسة باكيا بسبب أن ضربه أحد الأولاد، فلا تغضب كثيرا بل ابتسم وقل له: هذه هي المشكلة الأولى التي واجهتها في المدرسة، فسوف تكبر وترى مشاكل أكبر.

  • لابدّ للطفل أن يواجه مشاكل في حياته، ويا حبذا لو تدربوه على تحمل المشاكل والمعاناة منذ أن يدخل في السابعة من عمره. فعلى سبيل المثال قولوا له: إن عشاءنا هذه الليلة خبز يابس! وفي مرة أخرى قولوا له: في هذه الليلة عليك أن تغسل جواريبك بنفسك، بالرغم من وجود الغسّالة. فبهذا الأسلوب يعني الشدة المطعّمة بالراحة والمحبة والحنان والعطف ينضج هذا الولد وتقوى البنت وسوف لا يضجر الأولاد من كل شيء ولأي نفص ومشكلة في حياتهم.

نظرة من جديد إلى قواعد حياة الإنسان

  • أقترح للإخوة الناشطين في هذه الجلسة أن يأخذوا منّي روايات أمير المؤمنين(ع) التي جمعتها في هذا الحاسوب، حيث تتحدث عن الدنيا ومحنها وشدائدها، ويستنسخونها ثم ينصبونها في مدخل المسجد، لتقرأوها وتخافوا جيّدا ولا تتصوروا أنّ عدد الروايات بهذا القدر التي قرأتها عليكم، بل هي أكثر من ذلك بكثير. هذه هي الدينا. فادرسوها جيدا واعرفوا في أي مكان تعيشون.

  • نحن بدأنا في هذه الأبحاث من الواقع لنصل إلى نقطة منقذة باسم الإيمان وباسم الله سبحانه وباسم الدين. إلى هنا كنا بصدد تعريف منهجنا وأسلوبنا في البحث. وقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أن لابدّ لنا في بادئ الأمر أن نشاهد الحقائق المُرّة في حياة الإنسان ووجود الإنسان.

  • إن هذه الحقائق تخاطب الإنسان وتقول له: أيها الإنسان! إنك ومن أجل أن تستمرّ في الحياة مجبور على جهاد نفسك، ولا سبيل لأي إنسان أن يصل إلى كل رغباته وأهوائه. فهو مضطرّ إلى أن يضحي ببعض أهوائه ليستمر في حياته. فكلما كان اختيارك أفضل وتضحيتك أصوب، ستحظى بمزيد من الحيوية والروحية العالية.

  • أرجو أن نصير هكذا ونحمل هذه الرؤية إلى آخر شهر رمضان؛ يعني عندما نصبح نفتش عما نضحي به وعندما نعدّ برنامجنا اليومي، ننظر إلى ما يجب أن نضحي به والأهواء التي لابدّ أن نتركها في ذلك اليوم. ونسأل الله أن يعيننا على ترك ما حددناه من أهواء. هكذا يجب أن ننظر إلى الحياة. فإن كانت هذه رؤيتكم وعشتم بهذا الأسلوب، سوف ينظر الله إليكم بعين الرحمة، وسوف تجدون حلاوة رحمته ولطفه.

  • هذا هو شأنك وحالك أيها الإنسان، فإنّ إنسانيتك مرهونة بجهاد نفسك، فإن لم تجاهد نفسك بالشكل المطلوب، سوف تجاهدها فيما لا يعود لك فيه نفع ولا أجر ولا حاصل سوى الضرر والخسران. كما أن دنياك أيضا لا تنسجم مع رغباتك وأهوائك.

  • اعلموا أيها الإخوة فإننا نكسب من الله في أوائل عمرنا، ثم نرجعها إلى الله في المرحلة التالية من عمرنا، فما يعطيه الله لنا في مقتبل العمر، يعود ليستوفيه منّا في الجزء الآخر. فكل ما منحك الله إياه، يسلبه منك. فإنه يذيقك لذائذ الدنيا ثم يحرمك منها حسب القواعد الكونية التي أسسها الله بنفسه. يقول لي بعض الإخوة: لماذا تتكلم بهذا الأسلوب المرّ؟ أقول لهم: لأن لا يجوز أن نكذب على بعض. إن طبيعة الإنسان هي أن تسقط أسنانه في الشيخوخة، فلم يعد يقدر على أكل الكثير من الطعام. ثم سوف يضعف جسمك وتعجز عن القيام بكثير من الأعمال. فأنت ذاهب إلى الشيخوخة شئت أم أبيت. فهل هذا الكلام كذب؟ وهل نريد أن ننظر إلى العالم كما ينظر البهائم حتى نغض الطرف عن هذه الحقائق الواضحة؟

  • هناك رواية عن رسول الله(ص) تقول: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشِبُ‏ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَ الْأَمَل»[تحف العقول/ص56]، فما يشيب ويهرم هو الجسم وحسب، أما نفسك فتبقى في شبابها، ولكن عجز الجسم عن خدمتها وتلبية رغائبها. فإنك في أيام الكبر لا تزال تشتهي وترغب ولكن لا تستطيع على نيل ما تشتهيه. فماذا تريد أن تصنع في زمن هرمك وبحبّ من تريد أن تعيش تلك الأيام؟ فهل تريد أن تعيش في تلك الأيام خائبا حزينا مغموما ثم تدفن كل مشاعرك وتبتسم رغما على حزنك وقلبك الكئيب؟! وهل تريد أن تعيش حياة بلا حب وعشق وفارغة من الهيجان والحيوية؟ مع أن نفسك سوف تبقى شابة وسوف تطمع بكل هذا أكيدا. إذن فلنشاهد الواقع فإن منغصات العيش كثيرة فأرجو أن تحصوها.

  • كان لنا في أيام المراهقة درس في الأخلاق، وكان الدرس يشبه ورشة عمل، فكنا نجلس في حلقة ونتحدث معا عن مسائل أخلاقية، ولعلّ نصفهم قد استشهدوا في جبهة الدفاع المقدس. كانت تنعقد جلساتنا كل مساء الخميس في مسجد صاحب الزمان في تقاطع عباسي، وأغلب الشهداء الذين استشهد بقصصهم وذكرياتهم دائما، هم شهداء تلك الجلسة.

  • وكانت في زاوية المسجد غرفة يسكنها شيخ كبير جدا. لم يكن هذا الرجل الكبير خادم المسجد ولكنه كان ساكنا في تلك الغرفة منذ سنين. كان عندما يخرج من غرفته ويعبر من غرفتنا، نسمع صوت حذائه الذي كان ينجرّ على الأرض من شدة عجزه وشيخوخته. فأتذكر أن قلت لأصدقائي في تلك الجلسة: فلننظر إلى مستقبلنا. وأتذكر أن قال بعض الأصدقاء في تلك الجلسة لقد سقط التلّهي بالشهوات من أعيننا، فكانوا قد نظروا نظرة إمعان وتأمل إلى مستقبلهم وتصوروا عجزهم وضعفهم عن المشي. فكان هذا الرجل الكبير مغنما لنا إذ كل ما كان يخرج من غرفته ويمرّ من غرفتنا، ننصت لصوت مشيه، ونحدث أنفسنا أن انظري وشاهدي فسوف تنتهي أيام شبابك ولذتك وهذا هو مستقبلك.

خير شبابكم من تشبه بالشيوخ

  • لقد روي عن النبي الأعظم(ص) حیث قال:«خَيْرُ شَبَابِكُمْ‏ مَنْ تَشَبَّهَ بِالشُّيُوخِ، وَ شَرُّ شُيُوخِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِالشَّبَاب»[نزهة الناظر وتنبيه الخاطر/ص32]‏. لا تقرأوا هذه الرواية على المدلّلين في هذه الدينا، فإنهم يستهزؤون بها ويقولون: هل تريد أن نصبح شيوخا ونعجز عن كل شيء؟! فلا يستحق هؤلاء أن يكلمهم الإنسان، إذ لا أثر للفكر والوعي والفهم في سلوكهم، فلا يعرفون أن الإنسان إذا استطاع أن ينظر إلى فترة هرمه ومشيبه في أيام شبابه، عند ذلك سوف يترك اللعب والتفاهة في أيام الشباب، ويعيش عيشة تحافظ على شبابه إلى فترة مشيبه وشيخوخته. إنهم لا يعرفون ذلك ولا يمكن أن تكلمهم بمثل هذا الكلام.

  • وفي المقابل «شر الكهول من تشبه بالشباب» فكان لابدّ لك أيها الشيخ الكبير أن ترى أيام عجزك ومشيبك منذ أيام شبابك وتوقن بهذه المرارة لتدع اللهو واللعب والتفاهة من أيام الشباب، ولكنك لم تدع حياة اللهو واللعب حتى بعد مضيّ عمرك وتنكّسك في الخلق.

هل التغافل عن مرارة الحياة هو الأسلوب الصحيح؟

  • كيف تحلو هذه المرارات؟ طيّب، هنا قد دخلنا في المرحلة الثانية من الموضوع. عندما ينظر الإنسان إلى المنغصات الكامنة في وجوده وإلى مرارة مصيره ودنياه، عند ذلك يكاد أن لا يطيق هذه الدنيا. طبعا لا يخلو النظر إلى مرارة الحياة من فائدة، فمثل هذا الإنسان سوف يتحمل الصعاب والمحن أسهل من غيره، ولكن سوف تفقد الحياة روحها ونورها ونشاطها وحيويتها في مثل هذه الأجواء. وهنا لابدّ أن نتحدث مع الإنسان وننقذه عن الطرق التي قد يسلكها في سبيل التخفيف من مرارة حياته.

  • فنقول له: لا تغفل عن هذه المرارات ولا تزعم أنك تندق إن لم تتغافل عنها. ولا تنس الموت أيها الإنسان. فلعلك تقول: إن أجعل الموت نصب عيني دائما، يصفرّ وجهي وأفقد أملي وأكن كالميت بين الأحياء، ولكنك مخطئ في حساباتك. فليكن بعلمك أيها الإنسان أن المفرّ من هذه المرارات ليس بالتغافل عنها.

  • إن الغفلة عن المرارات تهدم كيانك وتقضي عليك. فلابدّ أن تبني رؤيتك عن الحياة على أساس هذه المحن والمشاكل، وهذا ما يدل عليه الكتاب الحادي والثلاثون من نهج البلاغة الذي خاطب به ابنه الإمام الحسن(ع)، حيث افتتح كلامه فيه بذكر مصائب الدنيا ومراراتها.

ما هو الطريق الأفضل في التعامل مع محن الدنيا؟

  • ماذا يحدث إن لم تغفل عن مرارات الدنيا؟ إن روحك تصبو إلى ما هو حلو وتطلب اللذة، وتهشّ إلى التحرّر، وكذلك إنك تحظى بروح تحب العشق والغرام. فهي لا تطيق ظروف الدنيا ومعاناتها، ولكن دع يضيق صدرك من هذه الظروف التي تعيشها ومن هذه الدنيا التي حبست فيها. لتصل شيئا فشيئا إلى نقطة ومرحلة بودي أن أجسدها لكم قليلا في هذه الليلة. وسوف استعرض لكم في الليالي القادمة خط السير من نقطة الانطلاق إلى نقطة الهدف بشكل كامل.

  • أخي العزيز! لا تغفل عن مرارات الدنيا، إذ ليس طريق مواجهة هذه المرارات هو التغافل عنها بل الطريق هو ذكرها على الدوام. إذا أردت أن تتغلب على هذه المرارات فاسعَ لتحصل على عشق بحيث ترغب أن تعاني وتذوق مرارات الحياة في سبيل من عشقته وأحبته وتلتذ بالمعاناة التي تعيشها في سبيله. لابدّ لك أن تصل إلى هذا المستوى وليس لك بدّ آخر وإلا فتُشقي نفسَك. إنك لا تستطيع أن تفرّ من المحن، فلا تنكرها وإلا تصبح أحمقا. ولا تستطيع أن تزيل المحن من حياتك، فإذا أردت أن تتعامل مع محنك بأحسن وجه، فابحث عن عشق سام وعال في حياتك لترغب في تحمل كل هذه المعاناة في سبيل حبيبك. وشتان ما بين من يرغب في تحمل المعاناة في سبيل حبّه، وبين من اقتنع بضرورة المعاناة فقال: لا بأس بمجيئ بعض المحن والمعاناة!

  • متى يزدهر الإنسان؟ عندما يبلغ درجة حبّ المعاناة وتحمل الآلام في سبيل حبيبه، لا أن يصبر على المحن في سبيل الحبيب وحسب. لقد خلق الإنسان لهذه الحياة، وقد خلقكم الله وركّب روحكم وخلايا وجودكم ومشاعركم وكل الكائنات على أساس هذا النمط من الحياة. والإنسان الحقيقي هو من يرغب أن يعاني ويذوق المحن في سبيل الله. ولهذا عندما رأى إبراهيم أن لا يستطيع ذبح ابنه في سبيل ربّه، حزن وضاق صدره.

  • ينبغي لك في هذه المرحلة أن ترغب في تلقّي المصائب والمظالم في سبيل الله وأن تعاني من الجوع في سبيله وأن تحزن في سبيله. ولا بأس أن تسأم الجوع وتشتهي الطعام فتناجي ربك وتسأله أن يرزقك طعاما لتشبع به من جوع، ولكن بعد أن شبعت أياما متتالية، سرعان ما يضيق صدرك ويحنّ فؤادك إلى أيام الجوع. إلى هنا يصل الإنسان. أمّا كيف يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فهذا ما يحتاج إلى بحث طويل، فأرجو أن لا يستعجل الإخوة.

  • ما هو الطريق الأفضل الذي أودعه الله في فطرة الإنسان وحياته لمواجهة المشاكل والآلام؟ إن الطريق الأفضل لا هو الإنكار ولا هو الفرار، بل هو أن يرغب الإنسان في تحمل الآلام في سبيل الله.

  • إن استطاع الإنسان أن يعشق الله، عند ذلك يحب المعاناة في سبيل الله بمختلف أنواعها، كالصوم وقلة الأكل وقلة النوم وقلة الكلام وقلة الراحة واستماع استهزاء الآخرين وغيرها. هذا شعور خاص لا أدري كيف أشرحه وأوضحه، ولكن من لم يجد في نفسه هذا الحب وهذا الشعور فهو لم يعرف نفسه ولم يعرف ربه ولم يعرف العلاقة بينه وبين ربه ولم يعرف شيئا قط.

حوار افتراضي بين الله وبين عبده العاشق

  • إنه حبّ نابع من أعماق قلب الإنسان وقد لا يقدر صاحبه على تعبير ما يجري في قلبه. لقد صحت فطرة هذا الإنسان فلا تناقشه ولا تسأله عن دليل، إذ إنه قد عشق الله وقد عشق المعاناة في سبيل الله. وهل تعلمون ما سوف يكون مصير هذا الإنسان؟ سوف يحتضنه الله ويقول له: «وأنا أحبك أيضا وأرزقك المحن والبلايا كما أحبت. لقد اخترتك لنفسي، وقدّرت لك البأساء والضرّاء، وأنت تعاني من أجلي، فما تريد عبدي بعد أن أصبحت حياتك كما تحبّ؟ أنت الآن تعاني من بعض المشاكل والآلام في حياتك، وهذا ما رغبت فيه أنت وأحبته أنت فعانِ إذن وتجرع البلاء. وأنا في المقابل أقدر لك المحن والبلايا على الدوام ولم أقصّر في ذلك. وأنت تتقرّب إليّ يوما بعد يوم بصبرك الجميل على هذه المحن والمشاكل، إذن ليس لك مشكلة بعد وعش سعيدا إلى آخر عمرك». ولكن بعد كل هذا لا يزال العبد حزينا خائفا. فإن سأله الله عن السبب، أجاب وقال: إلهي لا طاقة لي بحر نارك فماذا أفعل إن أدخلتني النار؟ فلا يزال هذا العبد يبكي ويبكي خوفا من نار جهنّم التي سعّرها جبّار السماوات والأرض. وهذا الخوف والبكاء أيضا من هواياته فدعه يبكي.

  • أنا لا أفهم حقيقة هذا النوع من الحب والغرام، فهل تفهمونه أنتم؟! الشيء الوحيد الذي أدركه من هذا العشق أنه يختلف عن العشق الدنيوي الذي ناجم من الأنانية وحبّ الذات، بيد هذا الإنسان يحب أن يعاني ويتجرع البلاء في سبيل حبيبه. فمهما تحمل من عناء وبأساء وضراء لا يشعر بأنه قد وفّى حق حبيبه، فيبكي خوفا من نار جهنّم! فكيف تفسرون بكاء أمير المؤمنين(ع) الشديد من جهنّم؟! لقد روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «الْقَلْبُ الْمُحِبُّ لِلَّهِ يُحِبُّ كَثِيراً النَّصَبَ لِلَّهِ وَ الْقَلْبُ اللَّاهِي‏ عَنِ‏ اللَّهِ‏ يُحِبُّ الرَّاحَةَ فَلَا تَظُنَّ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّكَ تُدْرِكُ رِفْعَةَ الْبِرِّ بِغَيْرِ مَشَقَّة»[مجموعة ورام/ج2/ص87].

إن الله هو صاحب القرار في تعيين نوعية المعاناة التي نعيشها من أجله

  • بعد أن عشق الإنسان ربّه ورغب في تحمل البلاء من أجله، لم يعطَ حق اختيار البلاء بل الله هو صاحب القرار في تعيين نوعية المعاناة التي لابدّ أن يعيشها من أجله. ولا شك في أن هذا القانون عامّ يشمل جميع الناس ولا العشاق فقط.

  • أيّها السادة! هل تريدون أن تتصدقوا؟ أجيبوني بنعم. إن كنتم تريدون أن تتصدقوا فاسمحوا لي أن آتي بيوتكم وأختار بنفسي البضاعة لتتصدقوا بها، فهل توافقون على ذلك؟! من المؤكّد أنّكم لا توافقون على ذلك إذ تريدون أن تتصدقوا بما تشاءون لا بما يختاره غيركم. ولكن الله سبحانه يمتحنكم ويقدر لكم المشاكل كيف ما يشاء، وهو يعرف جيدا كيف يبتليكم ويفرض عليكم المحن والمشاكل، إنه يعرف ثغرات حياتكم ويعرف نقاط ضعفكم، وأحيانا يأخذ إسماعيلكم أضحيةً.

  • طبعا إن الله أرحم الراحمين وهو يراعي قابليتنا وإيماننا، فلا يخف منكم أحد، إذ نحن غير مؤهلين لمثل هذه الامتحانات الصعبة، فلا تقلقوا على مستقبلكم وما سوف يفعله الله بكم. وقد سبق أن قرأت عليكم تلك الرواية التي تقول: «لَوْ لَا إِلْحَاحُ هَذِهِ الشِّيعَةِ عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ لَنَقَلَهُمْ مِنَ الْحَالِ الَّتِي هُمْ فِيهَا إِلَى‏ مَا هُوَ أَضْيَقُ‏ مِنْهَا»[الكافي/ج2/ص264]

  • إن الله قد سمح لشخص واحد أن يتجرع البلاء إلى آخره، وهو الحسين(ع)، ولم يعط هذه الفرصة لأحد آخر أبدا. لم يسمح لإبراهيم الخليل(ع) أن يتجرع البلاء بشكل مباشر ولم يسمح لشخص آخر أبدا ولكنه قد سمح للحسين(ع). فأنت الذي تعشق الحسين(ع) وبودك أن تفدي بروحك من أجل الحسين(ع) هل تعلم لماذا أخذ الحسين(ع) من قلبك هذا المأخذ؟ وهل تعرف سبب حبك الشديد هذا للحسين(ع)؟ لأن فطرتك وذاتك تتلهف للحسين(ع) إذ أن الحسين قدوة إنسانيتك وقد جسد الإنسانية بأروع صورها، وهي ليست إلا حب تجرع البلاء من أجل الله، وأنت مفطور على هذا الحبّ، فلابدّ أن تحبّ الحسين(ع).

كيف نصل إلى هذا المقام؟

  • هناك طريقان:

  • الطريق الأول هو هذا الكلام الذي تحدثنا به في جلساتنا الماضية. اعترف بمرارة الدنيا لتقدر على التجافي عنها ولئلا تصرف كل همك بإصلاحها. طبعا لا بأس أن يقوم الإنسان بإصلاح دنياه بمقتضى تكليفه، ولكن لا تصرف وجودك في هذه الدنيا البالية. دعها فإنها لا تصلح بشكل كامل. ارفع همتك عن مستوى هذه الدنيا وطهّر قلبك عن التعلق بها وصدّق بمرارتها ولا تصادق من أهلها أحدا ولا تأنس بأحد من أهلها، دعها ولا تفتش عن راحتك وقرارك فيها. هذا هو الطريق الأوّل.

  • أما الطريق الثاني فهو عقد القلب بالله سبحانه، فدرّب نفسك شيئا فشيئا على عشق الله. وقد جعل الله سبحانه المعصومين الأربعة عشر تسهيلا لحبّه. فإن صعب عليك حبّ الله وعشقه، فاعشق الحسين(ع) لتصل عن طريق عشقه إلى عشق الله. واللطم على الصدور في هذا المسار يمثل سلوكا عرفانيا رائعا. فهو شعار ورمز لمن أحبّ أن يتحمل البلاء في سبيل الحبيب.

  • إني آسف عليكم جدا إذ لم تدركوا أيام الجبهة والدفاع المقدّس. فلأنقل لكم بعض المشاهد التي عشتها هناك بصفة إنسان شاهد وحسب. كنا نعيش ساعات وأياما تحت قصف القنابل والرصاص، ومن كثرة الشضايا والقنابل والرصاص كنّا نشعر بأنا تحت المطر وكان مطرا من نور. فعندما تنتهي تلك الأيام ونشعر بالأمان ينقبض قلبنا ونشعر بأنه قد اسودّ لقلة البلاء. وقد سمعتم كثيرا أن الشباب المجاهدين عندما كانوا يرجعون إلى مدنهم كان يضيق صدرهم. إذ أن فطرة الإنسان تتلهف للبلاء والشدّة في سبيل الحبيب والمعشوق.

ما هو الأسلوب الأفضل في التعامل مع نعم الله؟

  • إن هذا الإنسان الذي يلتذّ في البلاء، إذا أنعم الله عليه وخفف عنه البلاء يمتلئ نورا ويصل إلى أوج اللذة وينغمر في حالة الشكر لله. أتذكر أحد المجاهدين في أيام الجبهة كان لا يستطيع أن يأكل شيئا بعد انتهاء الحملة ورجوع القوات إلى الوراء. فسألته عن السبب، فقال: «إني كنت أحصي ديوني لله تحت قصف القنابل في المعركة وكنت أشعر بالخجل والدين لله، فكيف بي الآن وأنا في حالة الأمان الذي أشعر فيه بتصاعد ديوني لله سبحانه؟ وقال: ما زال صدري ضائقا من كثرة ديوني لله فهل أكثّرها؟» كان بودّه أن يضحي من أجل الله ويتقطع قطعة قطعة في سبيل الله، لا أن يأكل ويتنعّم ويتمتّع. فقلت له: أما تسمّي باسم الله قبل الطعام؟ قال: بلى. فقلت: إذن كلْ الطعام إذ لا يتشدّد الله بهذه الدرجة، والله يحب أن يتمتع عبده بنعمه. بعد ذلك كان يجلس على مائدة الطعام ويناجي ربه قليلا ويبكي قليلا ثم يأكل جيدا. فكان يأكل إرضاء لربّه كالولد الذي يأكل ما طبخت له أمه لتفرح أمّه. إن مثل هؤلاء يستطيعون أن يأكلوا من أجل الله فقط، أما الباقي فيأكلون مثل البهائم. لا يستطيع أحد أن يأكل من أجل الله، بل الكل يأكلون تلبية لنفسهم. وإنما الإنسان الذي يتحبب إلى الله في خضمّ البلاء، هو الذي يعرف كيف يتمتع بنعم الله.

صلى الله عليك يا أبا عبد الله

  • إن عشّاق الله يودّون أن يتلقّوا البلاء في سبيل الله، ولكنّ الله لم يسمح لأحد أن يتجرع كأس البلاء إلى آخره إلا الحسين(ع)، فقد أعطاه الحرية الكاملة لتحمل البلاء وكانت تأتي البلايا على الحسين(ع) واحدا بعد الآخر في يوم عاشوراء. هناك قاعدة تقول: كلما ازداد الإنسان نورا ومقاما وقربا من الله، ازداد حظا من هذا النوع من البلاء. فبما أن الحسين(ع) كان يزداد نورا ومقاما كلما كان يقترب من ظهور عاشوراء وعصر عاشوراء كان يزداد بلاؤه وتشتدّ مصائبه.

  • لقد استشهد أصحاب الحسين(ع) جميعا وبقي وحيدا، فأخذ يودّع أهله وعياله في الخيام وينزل إلى الميدان. في هذه اللحظات إذا كان ينزل بلاء على الحسين(ع) يفترض أن يكون أصعب من جميع المصائب التي تلقّاها من الصبح لحدّ ذاك الوقت. أنتم أيها الشباب قد لا تستطيعون أن تفهموا شدّة هذا البلاء باعتباركم لم تصبحوا آباءً، ولكن الآباء ولا سيما أولئك الذين لهم بنات صغار، وخاصة إذا كانت بنتهم في التاسعة أو العاشرة من عمرها يدركون شدّة هذه المصيبة نوعا ما. بعد أن ودّع الحسين(ع) النساء جميعا وأراد أن ينطلق إلى الميدان جاءته بنته سكينة وقالت له: «ردّنا إلى حرم جدّنا» إن هذه الكلمة بوحدها تكاد أن تقطع فؤاد الأب الغيور الذي لا سبيل له إلا أن يترك بناته بين قوم سفلة مجرمين.

ألا لعنة الله على القوم الظالمين

تعليق