الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
14/12/31 چاپ
 

الطریق الوحید والاستراتیجیة الرئیسة فی النظام التربوی الدینی (الجلسة الثانیة)

ملخص الجلسة الثانیة من سلسلة محاضرات سماحة الشیخ بناهیان فی موضوع «الطریق الوحید والاستراتیجیة الرئیسة فی النظام التربوی الدینی» ألقاها فی لیالی شهر رمضان المبارک عام 1434هـ. فی مسجد الإمام الصادق(ع) فی مدینة طهران + ترجمة صوتیة

المدت: 24 دقیقة | تنزیل (22MB)

غربة مفهوم «الجهاد الأکبر» فی معرفة الإنسان/ لا فائدة لمعرفة الإنسان واختیاره بدون «الجهاد الأکبر»

فی مقام الإجابة عن سؤال «ما الفرق بین الإنسان والحیوان؟» عادة ما تسلّط الأضواء على کون الإنسان یشتمل على العقل والمعرفة والإرادة والاخیار دون الحیوان. أما السؤال الأهم هو أنّ ما الفائدة من هذه الخصائص کالإرادة والاختیار والمعرفة التی تمیّز بها الإنسان عن «الحیوان» و «المَلَک» وتفضّل علیهما؟ ولماذا حظینا بالمعرفة والإرادة والاختیار؟

إن «المعرفة» و«الإرادة» من المفاهیم المشهورة جدا فی حیاة الإنسان. ولکن هناک مفهوم آخر مهمّش وغریب، ولولاه لم تبق فائدة للمعرفة والاختیار وهو «الجهاد الأکبر»

إن الجهاد الأکبر مفهوم غریب وعادة ما یهمّش فی معرفة الإنسان وتعریفه. فیا ترى لماذا حظینا بالإرادة والاختیار وما ینبغی أن نختار بها؟ فهل أن موقعنا سواء بالنسبة إلى مختلف الخیارات؟ ولماذا یحظى اختیار الإنسان بقیمة وثمن؟ وهل عملیة اختیار الإنسان أمر تابع للصدفة؟

إن قیمة اختیار الإنسان تابعة لاختیاره ما یکره، وإلا فلا یفرق حینئذ عن اختیار الحیوان

إن لم تؤخذ نزعات الإنسان بعین الاعتبار، یصبح «حریة اختیار» الإنسان مفهوما مضحکا لا معنى له. فإن نزعات الإنسان ورغباته هی التی تحدد نسبة الإنسان تجاه مختلف خیاراته، ولن یکون اختیار الإنسان قیّما إلا إذا اختار ما یکره وما لا یحبّ، وإلا فلا فرق حینئذ بین اختیاره وبین اختیار الحیوان.

الإنسان موجود خلق من أجل مجاهدة أهوائه

الإنسان موجود خلق من أجل مجاهدة أهوائه، وإلا فتبقى مواهب الإنسان کاختیاره وحریته ومعرفته مواهب بلا فائدة. إن هویة الإنسان وذاته والأساس فی تعریفه هو أن یجاهد رغباته وأهواءه. وأنا لا أدری لماذا لا یؤخذ جهاد النفس فی مقام تعریف الإنسان وبیان أحد مقوّمات ذات الإنسان.

إنّ مصداقیة معرفة الإنسان واختیاره لا تکون إلا بعد أن کان الإنسان یمیل إلى کلا الطرفین من خیاراته

لو لم یکن لدى الإنسان میل إلى أیّ مفردة من الخیارات الممکنة، لما بقت مصداقیة لاختیاره وحریّته. فهو عندئذ کالخروف إذا خیّرته بین مفهومی السعادة والشقاء لا یمیل إلى أی واحد من خیاراته. ولو کان الإنسان یمیل إلى أحد أطراف الخیارات، دون الخیار المقابل، لجرى نفس الکلام أیضا فی انتفاء الاختیار عن الإنسان. وسوف یکون شأنه کشأن الخروف أیضا فإنک أن خیّرته بین أکل العشب أو أکل الحدید لن یختار الحدید أبدا بل یختار العشب دون أی تردید. فلا تکون مصداقیّة لمعرفة الإنسان واختیاره إلا بعد أن کان الإنسان یمیل إلى کلا الطرفین من خیاراته. وفی مثل هذا الاختیار تتبلور کرامة الإنسان. ففی الواقع إن الإنسان عادة ما یختار خیاره المفضّل من بین مجموعة من الرغائب والمطلوبات.

السؤال الآخر هو أن کیف یجب أن تکون نسبة هذه الأمیال والرغائب مع بعض لکی یتحقق الاختیار ویکون ذا قیمة؟ فإذا کانت هذه الرغائب والأمیال المختلفة تستهوینا وتجرّنا إلى نفسها بشکل مساوٍ بلا أن یکون أحدهم أقوى جذابیة من غیره، تبقى المشکلة على حالها ولم یتحقق الاختیار ویبقى الإنسان بلا فارق یفرقه عن الحیوان. کما إذا کان میلنا إلى أحد أطراف الرغائب أکثر من غیره، سنختاره دائما بطبیعة الحال وسینتفی الاختیار کذلک.

إن أطروحة الله سبحانه و تعالى لتحقق اختیار الإنسان هو جعل «الرغائب القیّمة الخفیّة» فی مقابل «الرغائب غیر القیّمة الظّاهرة»

لقد أعدّ الله سبحانه وتعالى نظاما لطیفا جدا لتحقق اختیار الإنسان، وهو أن قد جعل للإنسان نوعین من الرغائب، قسم منها أعمق وأمتن وأقوى وأکثر قیمة ولکنها أخفى، وقسم آخر سطحیّة وأقل قیمة وأخفّ وأقلّ لذة ولکنّها أجلى وأوضح. وهنا یتبلور الاختیار وهو أن تمرّ مرور الکرام من رغباتک الجلیّة السطحیة وتشتغل برغباتک  العمیقة والقیّمة الکامنة. وهذه هی نقطة انطلاق الإنسان فی حرکته الإنسانیّة وهنا تتبلور هویته الإنسانیة وأساسا هذه هی فلسفة وجود الإنسان.

«هوى النّفس» هی رغبات الإنسان السطحیة والدانیة

لا یتحقق الاختیار إلا فی هذه الحالة وهی أن یغضّ الإنسان طرفه عن إحدى رغباته الدانیة والمجرّبة والملموسة والسطحیّة، ثم یرکن إلى إحدى رغباته العمیقة. فإن هذه الرغائب الدانیة والسطحیة هی ما یسمّى بهوى النفس.

إن فلسفة خلقک کإنسان هی أن تختار من بین هاتین الرغبتین. إن هاتین الرغبتین لیست سواء وإلا لبقیتَ متحیرا بینهما. ثم إنها رغبتان ولیست رغبة واحدة، وإلا لما کان للاختیار قیمة وثمن. ثم إن إحداهما أثقل وألصق بالفؤاد، فهی تأمّن عشقک وما تهواه، وتبعث فی قلبک هیجانا وحماسا، ثم تمتعک بلذة أمتع، وتنفعک بمصلحة أکبر، کما أنها تهدیک إلى رشدک وتشعر بالسعادة فی أجوائها، ولکنها خفیّة کامنة، بل تهلک حتى تکشف هذه العلائق الکامنة. وفی مقابل هذه الرغبة هناک رغبة لا قیمة لها وسطحیة، تجدها فی نفسک بسرعة وتستطیع أن تجربها أو تعیشها بأسرع ما یکون.

لقد خلق الإنسان لهذا الأمر وحسب. ومن أجله أعطی المعرفة ومن أجله منح الاختیار ومن أجله حظی بالإرادة ومن أجله أعطی الحریّة. هذا هو معنى الإنسان الذی یشتمل على نوعین من الرغبات؛ الرغبات الدانیة وهی «هوى النفس»، والرغبات العالیة وهی «النزعات الفطریة».

لقد قال الإمام الخمینی(ره) فی خصوص التجافی عن العلائق السطحیّة والرکون إلى العلائق العمیقة: «کل شیء منّا وراجع إلینا وهو رد فعل لنا. لابد أن ننتبه جمیعا إلى أن آفة الإنسان هی هوى نفسه، وهی موجودة فی الجمیع ومستقاة من فطرة التوحید، حیث إن الفطرة هی فطرة التوحید وفطرة المیل إلى الکمال. فإن الإنسان یطلب الکمال المطلق وهو لا یدری. یزعم أنه یطلب الجاه ولکن بعد أن وصل إلیه یشعر بأنه لیس ذاک الأمر الذی یطلبه. فلو جمعوا العالم بأسره وأعطوه للإنسان لن یقنع. تلاحظون أن القوى التی تحظى بقوة عالیة هم أکثر طلبا لها، وأکثر سعیا لتنمیة قدرتهم. فإنهم لو سیطروا على الفضاء والبحار والأرض والسماء لن یقنعوا. فإن لم یسیطر الإنسان على نفسه، سوف یقضی علیه جموحه الذی لا حدّ له. لابدّ من صدّ هذا الجموح والسیطرة على النفس... والأهواء النفسانیة التی هی مصدر کل أنواع هذا الفساد». [صحیفه امام/ج19/ص376]

ناجو ربکم ـ أعزائی ـ فی جوف اللیل ولتکن مناجاتکم بتفکّر؛(یَتَفَکَّرُونَ فی‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْض). إن بعض المؤمنین لیسوا من أهل التفکر، بل قد اکتفوا بالتمتع بمناجاة ربّهم وهذه لیست بحالة جیدة أبدا. أنا لا أرید أن أتکلم بکلمة جارحة لبعض الإخوة المتدینین الذین قد یعیشون أجواء روحانیة ومعنویة فی عباداتهم ولکنهم لم یتعودوا على التفکّر.

قد یتبادر فی ذهن بعض الإخوة أن أین تناسب هذه الأبحاث النظریة الفکریة مع لیالی شهر رمضان ولا سیما أول لیلة جمعة من شهر رمضان ونحن جئنا لنستمع ما یعیننا على تجربة أجواء معنویة وروحیة مع الله، فما هذه الأبحاث؟! فأقول لهم: حاولوا أن تبکوا وتسکبوا الدموع بهذه الأبحاث. فإن «أولی الألباب» الذین تتحدث عنهم الآیة، هم(یَتَفَکَّرُونَ فی‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْض) ثم یخرجون بنتیجة رائعة بعد تفکّرهم هذا فیقولون: (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلا سُبحانَک) فإنك لم تخلق العالم باطلا ولم تخلقنا عبثا، بل خلقتنا لنجاهد هوانا ومن أجل هذا الجهاد قد أعطیتنا الاختیار والمعرفة وکرامة الإنسانیة. ولولا ذلک لکنّا کالبهائم، أو کنا کالملائکة لا نجاهد أنفسنا. ثم یقولون: (سُبْحانَکَ فَقِنا عَذابَ النَّار) [آل عمران/191] فیا له من طریق رائع یسلکونه بتفکرهم فی جوف اللیل!

لقد خلق الإنسان لکي یتجافى عن رغباته السطحیة

لقد خلق الإنسان لکی یتجافى عن رغباته السطحیة. لابد أن نضع هذه الرغبات السطحیة على جانب. فإن وراء هذه الرغبات السطحیة شیء آخر لابدّ من کشفه. فعلى سبیل المثال قد تکون حاجتک السطحیّة هی أن تملک بیتا، بید أن الحاجة العمیقة التی وراءها هی لقاء الله. فلابد من کشف تلک الرغبات الکامنة. إن إنسانیة الإنسان بمجاهدة هذه العلائق السطحیة، ولکن لابد أن تکون هذه المجاهدة ضمن برنامج صحیح. فإن أراد الإنسان برنامجا لجهاد النفس، ندعوه إلى الإسلام فقد أعطى الإسلام هذا البرنامج.

التقیت ذات یوم فی بیتی بأحد أساتذة الجامعة الفرنسیین الذی کان أصله من الجزائر وکان مدیرا متقاعدا فی الیونسکو، فدار بیننا حدیث إلى أن قال لی: هل تعلم متى یدخل الفرنسیون فی دین الإسلام، وما هو موسم إسلامهم هناک؟ فقلت له: لا أدری. فقال: فی شهر رمضان! ثم ذکر السبب قائلا: لأن فی شهر رمضان یشاهدون المسلمین لا یشربون ولا یأکلون بالرغم من عطشهم وجوعهم، فیستحسنون هذا الدین ویمیلون إلیه. فکأنهم یقولون بلسان حالهم: نرید أن ندخل فی هذا الدین کی لا نأکل کما  تعتلف البهائم. فإذا أکلنا وشربنا ما طاب لنا کل حین، نشعر کأنما أصبحنا کالحیوانات. ونشعر بأنک أیها المسلم إنسان لأنک لا تأکل وتشرب کل ما طاب لک واشتهیتَه. فإن هذا الجهاد بحد ذاته هو من اللقطات الجمیلة والرائعة فی العالم ولهذا استهوت الکثیر من الفرنسیین غیر المسلمین ودعتهم إلى الإسلام.

 الأسالیب المتعارفة فی کتابة القصص والروایات غیر إنسانیة

ولکن فی مقابل هذه الحقیقة الجمیلة، تجد أن قالب القصص والروایات والأسلوب المتعارف فی کتابتها قائم على أساس مشتهیات بطل القصّة، ثم تکتب أحداث القصّة ومنعطفاتها لیرى المشاهد أو القارئ متى یصل بطل القصّة إلى أمنیته ومراده، فهل سینال ما رامه أم سیرجع خائبا. فإن مثل هذه القصّة تعیسة وغیر إنسانیة من أصلها، فکیف ترید أن تجعلها قصة إسلامیة؟! هل یمکن لهذه القصّة التی قامت أرکانها على أهواء بطلها ومثابرته من أجل ما یهواه أن تصبح قصّة إسلامیة إنسانیّة بمجرد تطعیمها ببعض المظاهر أو الأفعال الإسلامیّة؟! وهل تصبح هذه القصّة إسلامیة إذا صحبناها بصوت أذان أو قبّة مسجد؟!

إذا تجافینا عن الرغبات الواضحة ورکنّا إلى العلائق الخفیة فقد تحقق بهذا «الجهاد الأکبر»

إنما یتحقق الاختیار عندما تکون بین خیارین، أحدهما أثمن وأکثر قیمة ولکنه أخفى من نظیره، والآخر أقل قیمة ولکنه أجلى وأوضح من نظیره. فإنک إن مررت مرور الکرام عن الرغبة الواضحة وصولا إلى الرغبة الخفیّة فقد حققت الجهاد الأکبر وجهاد النفس الذی هو خیط سبحة جمیع الفضائل والمکارمیقول أمیر المؤمنین(ع): «نِظَامُ‏ الدِّینِ‏ مُخَالَفَةُ الْهَوَى»(غررالحکم/حدیث32) وقال فی مجال آخر: «رَأْسُ الدِّینِ مُخَالَفَةُ الْهَوَى‏» (غررالحکم/حدیث35)

وقد قال النبی الأعظم(ص) حول أبواب جهنم«...وَ عَلَى الْبَابِ الْخَامِسِ مَکْتُوب: لَا تَتَّبِعِ‏ الْهَوَى‏ فَالْهَوَى‏ مُجَانِبُ الْإِیمَان»(الروضة فی فضائل أمیرالمؤمنین(ع)/ص177)

إن جهاد النفس أمر عسیر

طبعا إن جهاد النفس أمر عسیر. فقد جاء فی الحدیث القدسی«یَمُوتُ النَّاسُ مَرَّةً وَ یَمُوتُ‏ أَحَدُهُمْ‏ فِی‏ کُلِ‏ یَوْمٍ‏ سَبْعِینَ مَرَّةً مِنْ مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُم» (میزان الحکمة/الحدیث 2916)‏.

کم مرة متّ الیوم؟! فإن قلت: کانت الأوضاع ماشیة، فلم تمش الأوضاع على مرامک، بل کنت أنت تمشی على ما تهواه نفسک. أو لعلک کنت منسابا مع الدنیا وتیّاراتها. ولعلک تقول: لم أعثر الیوم على مواطن جهاد النفس، مع أنی لم أرتکب ذنبا ولم أترک واجبا... وهذا یعنی أنک لم تستطع أن تجد مواطن جهاد النفس من شدّة استئناسک بنفسک وأهوائک. فلابدّ أن تفتش عنها وتنقب بین دفائن وجودک لتجدها، إذ لم تُظهر نفسُک الأمارة نفسَها دائما، فلابدّ من التنقیب عنها وکشفها. فهل زعمت أن أرباب جهاد النفس الذین یموتون فی الیوم الواحد سبعین مرّة، هم أناس ملوثون إلى هذا الحدّ حیث یشتهون الفجور والذنوب سبعین مرة فی الیوم؟! کلا! بل إنهم یبحثون عن خفایا أهوائهم ویحاربونها؛ تلک الأهواء التی استأنسنا بها نحن واعتدنا علیها وألفناها. بید أنه یذهب مفتشا عنها غیر منفکّ عن محاربتها.

خطة الله سبحانه فی تسهیل عملیة جهاد النفس

ماذا یمکن أن یقوم به الله سبحانه لتسهیل عملیة جهاد النفس علینا؟ لا بأس أن تتأملوا فی هذا الموضوع وسوف أطرح فی الجلسات القادمة بعض الأسالیب التی یستخدمها الله تعالى لتعبید طریق جهاد النفس لسالکیه.

ولکن أروع الطرق وأکثرها تأثیرا وکفاءة وألصقها بالفؤاد هو أن یُظهر لنا واحدة من تلک الرغبات الفطریّة الخفیّة ویفعّلها ثم یقول لنا: تنحّ عن رغباتک الدانیة والرخیصة بحبّ هذا الحبیب الغالی الذی کان حبّه کامنا فی زمرة سائر رغباتک الفطریة الخفیّة. فلا سبیل فی هذا العالم إلا حبّ أولیاء الله. ومع أن حبّ أولیاء الله حبّ مشهود وظاهر، وتجد فی نفسک هذا الحبّ بکلّ وضوح، حیث تشعر بحرارتها فی حرم الإمام الرضا(ع) وعندما تزور الحسین(ع) لا ترید أن تخرج ویضیق صدرک شوقا عندما ترجع من کربلاء الحسین(ع).

سیدی یا أبا عبد الله! انظر إلى هوانا هذا حین نهواک، فإنه الحبّ والهوى الوحید الذی فی غایة الحسن والروعة بالرغم من ظهورة. إن الله سبحانه قد أظهر لنا بعض النزعات الفطریة لیأخذ بأیدینا ویهدینا بحافزها وطاقتها، ولکن من أروعها هو حبّ أهل البیت(ع). فما أن تتردد على حرم الحسین(ع) برجلک أو بقلبک تتعلق به وتعجز عن وصف مدى حبک للحسین(ع). ثم تحضر مجالس الوعظ والذکر منتظرا نعی الخطیب على الحسین(ع). ولعلک تبتهج بحلول شهر رمضان لکونه یعطیک الفرصة الکافیة لاستماع مصائب الحسین(ع) لمدة ثلاثین لیلة متتالیة. ولعل هذه الفرصة الرائعة هی إحدى علامات رحمة هذا الشهر المبارک للناس، إذ أن الحسین(ع) هو رحمة الله الواسعة.

إن هذه اللیلة هی أول لیلة جمعة من شهر رمضان فیا لیتنا کنا نقضیها فی کربلاء؛ فی ذاک الحرم العظیم وبجوار تلک الأجساد المرملة بالدماء وتلک الأجساد المقطعة التی لا تزال مدماة بدم عبیط. عندما یتوجه جمع من الموالین إلى حرم سید الشهداء، کأنه یعبق المکان بعطر حرم الحسین(ع)، ویزدهر المکان بنور الحسین(ع).

ماذا تفعل یا موالی إن ضاق صدرک لهفة إلى سید الشهداء(ع)؟ فلعلک تذهب إلى مجلس من مجالس الحسین(ع) لتستمع مصائبه وتبکی علیه، أما العقیلة زینب فکلما کانت تشتاق إلى أخیها الحسین(ع) کانت تنحّی قلیلا من ستار المحمل، لترى قمرها المنیر فی لیالیها الظلماء. عندما یکون البدر فی لیلة تمامه لا تُرى النجوم حوله، أما إذا کان هلالا فبإمکانک أن ترى النجوم حول الهلال، ولهذا کانت ترى زینب نجوما حول هلالها، من رأس أخیها العباس وابن أخیها علی الأکبر والقاسم وغیرهم من نجوم بنی هاشم.

ما هذه المصائب التی کانت تجرعها زینب؟ کأن هذه القصة کلها هی قصة زینب وهی الرمیّة لجمیع سهام بلایا کربلاء. کأن العالم بأسره مشاهد ومتفرج لیُظهر الله أمته زینب ویباهی بعشقها وصبرها فی هذا الدرب... إن واقعة کربلاء هی قصة زینب فی الواقع ونحن مشاهدون.

ألا لعنة الله على القوم الظالمین...

تعليق