الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام

جديدنا

۹۳/۱۲/۰۲ چاپ
 

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني (الجلسة السادسة عشر)

إليك ملخّص الجلسة السادسة عشر من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» حيث ألقاها في ليالي شهر رمضان المبارك عام 1434هـ. في مسجد الإمام الصادق(ع) في مدينة طهران.

الأهداف الدنيوية والأخروية لجهاد النفس

  • لقد درسنا في الأبحاث السابقة لحد الآن ضرورة جهاد النفس وآثاره. وفي تكملة البحث نحن بصدد الحديث عن هدفين رئيسين لجهاد النفس؛ أحدهما الهدف الدنيوي والآخر الهدف الأخروي لجهاد النفس.

جهاد النفس من أجل الحصول على الأهداف الدنيوية أمر ضروري لجميع المجتمعات البشريّة

  • لقد ذكرنا في الجلسة السابقة أحد الأهداف الرئيسة والمهمّة لجهاد النفس وجرى الحديث حوله باختصار. وكان الهدف عبارة عن أننا إذا سيطرنا على هوى نفسنا واستطعنا أن نسيطر على بعض رغباتنا الدانية، سوف نحظى بشخصيّة أقوى تمكّننا من نيل أهدافنا الدنيوية بشكل أفضل. وإن جهاد النفس هذا من أجل الحصول على الأهداف الدنيوية أمر ضروري لمجتمعنا وجميع المجتمعات البشريّة.
  • إذا كان أهل العالم يمارسون المعاصي وينخدعون بمكائد إبليس، فذلك بسبب أن قد كُذِب عليهم بأن سوف يتمتعون بمزيد من اللذات في هذه الدنيا عبر المعاصي والذنوب، مع أن الواقع هو أن ترك جهاد النفس، يؤدي إلى قلة التذاذ الإنسان في هذه الدنيا فضلا عن الآخرة. إنّ استقبال المصاعب وإيجاد النظم والانضباط في الحياة وتكوين شخصية أقوى عبر جهاد النفس، هي من العوامل التي تقوّي الإنسان على الاستمتاع بلذائذ الحياة الدنيا.

اتباع الهوى مدعاة لذلّ الإنسان وهوانه، وبالتالي عجزه عن إعمار دنياه

  • إن ترك اللذة تمهّد الإنسان للالتذاذ، إذن أحد أهداف جهاد النّفس المهمّة هو إعمار حياة الدنيا، إذ أنها تزيد الإنسان قوّة وقدرة على التركيز، في حين أن اتباع الهوى مدعاة لذلّ الإنسان وضعفه وهوانه وبالتالي عجزه عن إعمار دنياه.
  • كما يمكن مشاهدة آثار جهاد النفس في مجال الصحة وسلامة النفس أيضا. فعلى سبيل المثال الإنسان الذي يجاهد نفسه ولا يكذب، يحظى باطمئنان ولا يتشوّش باله ولا شكّ في أن الحياة الأفضل بحاجة إلى هذا الاطمئنان.

الهدف الرئيس من جهاد النفس هو لقاء الله

  • وإن كان أحد أهداف جهاد النفس المؤكدة هو الحصول على حياة أفضل في الدنيا، ولكنّه هدف فرعي، إذ سرعان ما ينتهي أمد الحياة الدنيا. وأيّ إنسان سليم يقنع بعمران دنياه فقط، مع أنه سرعان ما تمرّ وينتهي شوطها؟ فمثل هذا الهدف ليس بهدف سام وقيّم بأن نهدف إلى حياة أفضل في هذه الدنيا عبر جهاد النفس، فلا ينبغي أن نعتبر الحياة الدنيوية الأفضل هدفا رئيسا لجهاد النفس، بل ينبغي أن نعتبرها هدفا فرعيا وأحد فوائد جهاد النفس.
  • بعض الأحيان عندما يشاهد الإنسان بعض هذه البرامج في القنوات والفضائيات والتي تستضيف شخصية موفقة وناجحة مثلا، يشعر بالمهانة من شدّة الأهداف النازلة التي تروج لها هذه البرامج. فتراهم يستضيفون الضيف الناجح والموفّق في الحياة ويصفق له الجمهور وهو يطرب لصوت التصفيق، وإذا به لم يصل إلّا إلى هدف بسيط جدا ومحدود بأيام قليلة من هذه الدنيا. وفي الواقع إنجازه هو أن يصفق له جمهور البرنامج ولا غير! ولا يسأل أحد عن مدى حفاظه على اطمئنانه وعقله وفطرته وصفا باطنه.
  • ويودّ بعض الناس أن يدّنسوا ساحة السياسة بهذا الانحطاط، بحيث يحدّدوا نطاق النجاح السياسي ونجاح الناشط السياسي بإنجاز الأهداف المحدودة بهذه الدنيا. فتعسا لمثل هذا الفكر العار على البشر. لقد اجتاز البشر من هذه المرحلة. متى صارت الأهداف السياسية محدودة بإعمار الدنيا؟! فإنّ هذا الفكر هو عين الوثنية وعين الحماقة والجهل والسفاهة، ولابدّ من إيجاد ثورة على مثل هذه الرؤى المنحطّة، وإلا فلا تخلو أوساطنا السياسية من أناس منحطّين بحيث يقلّلون أهداف الإنسان السامية في شعاراتهم السياسية إلى مستوى هذه الدنيا الدنيّة.
  • طبعا لا يقتصر هذا الكلام بموضوع السياسة، بل يجب أن تكون أهداف جميع النشاطات الاجتماعية والإنسانية أسمى من هذه الدنيا، وكذلك إن واجهنا أيّ مفهوم مرتبط بالنجاح والتوفيق، من قبيل مؤشرات الإنسان الموفّق، أو الأسرة الناجحة أو المجتمع السالم والمتطوّر، أو النظام السياسي الناجح، أو النظام الاقتصادي الناجح، لابدّ أن لا نحدّد التوفيق والنجاح في هذه الأصعدة المختلفة بالنجاح الدنيوي، وإلّا فيكون تعريفنا عن النجاح والتوفيق أقلّ من شأن الإنسان.     
  • لماذا نريد أن نجاهد أنفسنا؟ قسم صغير من آثار جهاد النفس هو تحسين الحياة الدنيا، ولابد من تحسين الدنيا لتحلو حياة المؤمنين وتزداد صفاء ولذّة وقوّة وتكون أفضل من حياة غير المؤمنين ونحن لا نغضّ الطرف عن هذا الجانب، ولكننا لا ننظر إلى هذا الجانب كهدف أصلا، بل ننظر إليه كواحدة من فوائد جهاد النفس. كما أنك عندما تريد أن تذهب إلى مشهد، لابدّ لك أن تمرّ بمدينة نيشابور، ولكن ليست نيشابور بهدف في سفرك، بل هي إحدى فوائد الذهاب إلى مشهد. فليس من الصحيح أن تقول أنا بصدد الذهاب إلى مشهد وكذلك الذهاب إلى نيشابور! إذ عندما تلاحظ الهدف الأقصى، عند ذلك تتحقق الفائدة ويُنجز الهدف المتوسط والداني بطبيعة الحال.
  • لا ينبغي أن نحدّد الهدف من جهاد النفس باعتباره الطريق الوحيد، بتحسين الدنيا وإعمارها وتكوين حياة أيسر. فنحن بصدد جهاد النفس في سبيل تحقيق هدف مهمّ جدا. فما هو ذلك الهدف المهم الذي قدّر الله أن يكون الطريق إليه يمرّ من جهاد النفس؟ وما هو ذلك الحدث المهم الذي يجب أن نجاهد أنفسنا في سبيل تحقيقه، ونستمر بجهاد النفس حتى تعمّر آخرتنا فضلا عن دنيانا؟ لقد تمّ تحديد هذا الهدف السامي من قبل الله، ولكن يجب علينا معرفته فقط.
  • صحيح أن بعض الناس قد لا يرتاح عندما يرى أنه لا دور له في تحديد الهدف الرئيس من حياته، ولكن لا مفرّ من ذلك، إذ يجب أن نسأل خالق الإنسان أن لأيّ غاية خلقنا؟ فإنك إن عرفت هذا الهدف جيّدا، تستطيع أن تعشقه. أمّا من كان باردا لا حافز له ولم يحمل القوّة والطاقة اللازمة لسلوك هذا الطريق الوحيد، فهو لم يتعلق بهذا الهدف بعد. إن جاذبية هذا الهدف أقوى من جاذبيّة الأرض التي تسحب الأشياء إليها وكذلك أقوى من جاذبية القمر الذي يسبب مدّ البحر. فهل لله جاذبية أيضا؟!
  • نعم ومن المؤكد أن الله جذّاب. وقد خلقنا لنصل إلى الله ونلتذّ بالقرب منه. (إنّا لله وإنا إليه راجعون) و (و إليه المصير). إن يوم القيامة بمثابة الشارع الذي يجب أن نجتازه في سبيل الوصول إلى حيّنا وهي الجنة، وهناك يحدث الحدث الرائع الذي لا يوصف وهو لقاء الله سبحانه. لقد خُلِقت في سبيل لقاء الله وقد صنعت من أجله. إن خالقك هو الذي حدّد هدفك ولم يسمح لك بتحديد هدفك الرئيس.
  • إلهي! لماذا خلقتني؟! فإن سألته يجبك: لقد جئت إلى هذه الدنيا لتستمتع بالراحة واللذة. لقد خُلِقت من أجل اللذة ولكنك تطلب اللذة الحقيقية، وأمّا اللذّات الفانية فتؤذيك وتضرّك. لقد صنعتك من أجل لذّة عظيمة جدا، وهي لذّة لقائي. فقد خلق الإنسان في سبيل لقاء الله. كلّ لذة تفنى وتنفد ما عدا لذة لقاء الله فإنها غير متناهية.  

جميع الناس ـ شاءوا أم أبوا ـ سائرون في سبيل لقاء الله

·         يقول الله سبحانه في القرآن: (یا أَیُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ کادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ کَدْحاً فَمُلاقیه)[الانشقاق/7] وكما تلاحظون لم يأت خطاب الآية بصيغة «یا أيها الذين آمنوا»، بل قد خاطب جميع الناس، يعني جميع الناس ـ شاءوا أم أبوا ـ سائرون في سبيل لقاء الله، ولكن بإمكان الإنسان أن يدير محنه ومصاعبه بحيث يحظى بلقاء أمتع وأجمل مع الله، وكذلك يستطيع أن يتجرّع المصاعب والمتاعب بلا هدف وبرمجة، وبلا أن تترك أثرا إيجابيا على لقائه مع الله.

هيجان لقاء الله هيجان غير متناهٍ

·         إن لقاء الله ممتع جدّا، وإنما أصحاب القلوب السوداء فقط لا يستطيعون أن يفكّرون بهذا اللقاء. فمن كان يحظى بشيء قليل من صفاء القلب قادر على إحساس حلاوة لقاء الله. طبعا إن حلاوة لقاء الله تختلف عن باقي اللذّات كلها، إذ أن الله هو الخلّاق. قد يصدف أن نرى إنسانا غير جميل يرسم لوحة جميلة جدّا، ولكن الله سبحانه ليس هكذا، إنه خالق الجمال ولا شك في أنه أجمل من كل جمالٍ خلقه. إن هيجان لقاء الله هيجان غير متناهٍ، بحيث يواجه المؤمن لذّة جديدة في أيّ لقاء، فينسى بها اللذّات السابقة. إن الله موجود غير محدود، وكذلك لا حدّ للذّة لقائه. قد يسأل سائل: ألا نضجر من الجنّة؟! كلا! لأننا سوف نتمتع في الجنة بلقاء الله ولن يصبح هذا اللقاء أمرا مكرّرا رتيبا، و نحن قد خلقنا من أجل الاستمتاع بلقاء الله نفسه.

·         أسأل الله سبحانه وتعالى أن يذيقك ـ أخي العزيز ـ شيئا قليلا من لذّة لقائه في الصلاة، فبعد ذلك تقطّع نفسك وترضى بكلّ شيء في سبيل أن تزداد حظّا من هذه اللذّة اللا نهائية. وبعد ذلك تبقى خجلا من الله سبحانه لشدّة منّه عليك ولا تزال تشعر بالبهجة والسرور بذلك اللقاء، وتقضي باقي أيام حياتك باشتياق هذا اللقاء وانتظار تجربة أخرى من ذلك اللقاء، وتبكي شوقا لساعة اللقاء وما أجملها من ساعة. ثم تُكرَه على البقاء في هذه الدنيا ولو كان الأمر بيدك لغادرتها شوقا إلى لقاء الله. وأساسا تتغير ماهية حياتك في هذه الدنيا بعد تجربة لقاء الله في الصلاة.

·         أنا لا أدري ما الذي تريدون أن تفعلوه في سبيل نيل شيء من لقاء الله في هذه الدنيا، هل تريدون أن تذكروا الله كثيرا، أو تدمنون على دعاء جوشن الكبير مثلا، أو تريدون أن تصلّوا بكل أدب وخضوع، أو عزمتم على ترك بعض اللذات في سبيل إدراك تلك اللذة العظيمة، أو تريدون أن تقطّعوا أنفسكم إربا إربا... لا أدري ماذا سوف تفعلون، ولكن اسألوا الله أن يذيقكم طعم لقائه، وادعوا لي أنا المسكين الذي أكثر منكم حرمانا وخيبة.

·         طبعا كل الناس جميعا يلاقون الله سبحانه، ولكن بعضهم سوف يلاقونه في أحسن الحال، وبعضهم يلاقونها في أسوأ الحال. ولقاء كل فرد بالله يختلف عن لقاء الفرد الآخر، فإذا أردنا أن نجسّد تلك الحقيقة الرائعة بألفاظنا الصغيرة نقول: إن البعض لا يجد في لقاء الله سوى ابتسامة ربّه في وجهه، وبعض يضمّه الله إليه، وبعض يباهي به الله وهذه هي ألذّ لذّات العالم. فيا أيها الإنسان الذي تطرب وتنتعش بتصفيق قاعة مليئة بالناس لك، فما تفعل إن صفّق الله لك؟ عند ذلك سوف لا تشتري أهل العالم بفلس أحمر، لشدّة غناك عنهم وشدّة لذّة لقاء الله.

·         سوف يأتي اليوم الذي ندرك فيه كل هذه الحقائق وذلك يوم القيامة. في ذلك اليوم إذا امتنع الله من أن يكلّم أحدا، يكون أشدّ عليه من عذاب جهنّم. سوف ندرك في ذلك اليوم مدى لذة لقاء الله، فإذا امتنع الله من النظر إلى أحد سيكون أشدّ عليه من عذاب نار جهنّم.   

من أجل الوصول إلى لقاء الله لابدّ أن نزداد سعة والطريق إلى ذلك هو جهاد النفس

·         ليس لنا سوى طريق واحد للوصول إلى لقاء الله وهو جهاد النفس. فبعد أن التفتنا إلى هذا الهدف لابد أن نغض الطرف عن بعض الملذّات والرغائب.

·         من أجل الوصول إلى لقاء الله لابدّ أن نزيد سعتنا، ولكن كيف يتمّ ذلك؟ طريق ذلك هو أن نتطهّر من الأنانيّات ونترك الرغائب حسب البرنامج الإلهي. فإذا أراد أحد أن ينظم برنامجا لجهاد النفس على أساس رأيه وقراراته الشخصيّة، يخاطبه عقله قائلا: «هل تريد أن تبرمج لنفسك بنفسك؟ فعندئذ تبقى أنانيتك على حالها. فإذا أردت «أنت» أن تترك بعض مشتهياتك، تبقى «إنيتك» على حالها وهذا نقض للغرض.

طريق زوال «الأنا» هو استلام الأوامر من الله

·         لا ينبغي أن يبقى أثر لإنيتك في مقابل الله سبحانه، ولا يسمح الله لأحد أن يتشرّف بلقاء الله إلا بعد أن زالت أنانيته ورغباته أمام الله ومشيئته. لقد خطّط الله برنامجه بحيث تسيطر على شهواتك بأمره وتغض النظر عن بعض لذائذك ولابدّ أن يكون ذلك بأمر الله لا بأمرك، إذ أن طريق زوال «الأنا» هو استلام الأوامر من الله سبحانه. «الحافز» الرئيس في هذا الطريق الوحيد هو «لقاء الله»، ولا يحقّ لك أن تضع برنامجا في هذا الطريق، فإنك لو فعلت ذلك تتكبّر نفسك مرّة أخرى. ليس تكبّر النفس بشيء جيّد، إذ أن الله هو المتكبر ولا غير، فإنّك إن تكبّرت بمقدار ذرّة، لن تجد رائحة الجنة كما في الرواية. فقد قال رسول الله (ص): «یَا أَبَاذَرٍّ، مَنْ مَاتَ وَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ کِبْرٍ، لَمْ یَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ یَتُوبَ قَبْلَ ذَلِك‏» [أمالي الطوسي/538] وكذلك قال الإمام الصادق(ع): «لَا یَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِی قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ کِبْر» الكافي/2/310]

·         لابدّ أن يطاع الله بنفس برنامجه الذي حدّده؛ لا البرنامج الذي نحدّده نحن. فقد روي عن الإمام الصادق(ع) أن الله قد قال لإبليس: «إِنَّمَا أُرِیدُ أَنْ أُعْبَدَ مِنْ حَیْثُ أُرِیدُ لَا مِنْ حَیْثُ تُرِیدُ» [تفسیر القمي/1/42] فقد برمج الله المقرّرات والمقدّرات وأعلن عن الضوابط المتمثلة بالأحكام الإلهية في الدين.

يقضي الله على أنانية الإنسان عبر التقادير والتكاليف

·         علينا أن نجاهد هوى نفسنا لأن لا يبقى أثر من «الأنا» وهذا هو معنى العشق الذي ما أجمله وما أمتعه وما أكثر الذين طبّلوا وزمّروا باسمه ولم يدركوا شيئا من حقيقته. لا ينبغي أن يبقى أثر من «الأنا» في مقابل المعشوق، وهذا هو الله الذي يسلب أنانية الإنسان عبر تقديراته وتكاليفه. إعطاء البرنامج من شؤون الله والأمر والنهي هما من صميم جهاد النفس. ومن شؤون العبد أن يكون منتظرا لاستلام الأمر متأهّبا لتنفيذه.

«جهاد النفس» يعني الالتزام بالأوامر الإلهيّة

·         إذن «جهاد النفس» هو عبارة أخرى للالتزام بالأوامر الإلهية والذي يعبّر عنه القرآن بـ «التقوى». تأكيد القرآن على التقوى هو في الواقع تأكيد على الالتزام بالأوامر الإلهية. وركن التقوى هو جهاد النفس عبر الالتزام بأوامر الله لا العمل على أساس أميال النفس. فإنك إن جاهدت نفسك على أساس الأوامر الإلهية فقد عملت بالتقوى. كما قال أمير المؤمنين(ع): «إنَّما هي نَفسي أروضُها بِالتّقوی»[نهج ‌البلاغة/ الكتاب45] فإذا جاءك الأمر من المقام الأعلى فإنّه ذو أثر آخر، ولا يموت هوى نفس الإنسان إلا باستلام الأمر من المقام الأعلى.

·         يبدو من وجوهكم وأعماركم أنكم لم تكونوا حاضرين في الجبهة. فكم كان لهذا الحديث من طلّاب وشرّاء في جبهات الجهاد. كان بعض المجاهدين عشّاقا للشهادة ومتحمّسين للذهاب إلى الخطّ الأمامي، أما إذا أمرهم القائد أن لا يذهبون إلى الأمام ويبقون في مكانهم، يطيعون ويمتثلون. كنّا نرى هذه الظاهرة في كتيبتنا. وأحيانا كنا نجد بعض المجاهدين الذين كلّ ما يأمره قائد الكتيبة بالبقاء في الخلف، لا يمتثل ولا يطيع. وأكثر هؤلاء المتمرّدين لم ينالوا الشهادة بل قد انحرف بعضهم.

·         كان أحد المجاهدين فنّانا يخطّ ويرسم لوحات ثقافية وشارات. فکان القسم الثقافي في الفيلق يطلب منه أن يبقى في الخلف ليخطّ اللوحات والشارات المطلوبة. فكان يبقى في الخلف دون أن يصرّ على الذهاب إلى الأمام، وكان يضحك ويقول: «متى ما حان الوقت يأتي صاحب البيت ويأخذنا إليه، ولا علينا سوى أن نعمل بالتكليف». في إحدى الحملات جاءوا إليه من الأمام وقالوا له: قد اشتبكت الطرق في الخط الأمامي، فأسرع إلى هناك لكتابة الشارات. فضحك وقال: ألم أقل لكم متى ما حان الوقت يأتون ويأخذوننا. وفعلا ذهب واستشهد في المرّة الأولى.

·         أحد العلماء الكبار والمجتهدين، كان قد ذهب إلى الجبهة، فاغتبط به المجاهدون وطلبوا منه أن يأمّهم في الصلاة. ولكنّه امتنع وقال: أنا لا أتقدم على المجاهدين. فكل ما أصرّوا عليه وقالوا له: أنت شيخ كبير وعالم فقيه وفي هذا العمر قد جئت إلى الجبهة فمن أفضل منك الآن، رفض أن يتقدّم في الصلاة. إلى أن قال: في حال واحد أقبل وهو أن يأمرني قائد الكتيبة بإقامة الصلاة، فعند ذلك يجب عليّ امتثال أمره، إذ أن أمره في امتداد أمر قائد الفيلق وقائد القوّات المسلّحة وبالتالي الإمام الحجة(عج)، فإذا أمرني، يجب عليّ الامتثال شرعا.  

علاقة التقوى مع جهاد النفس في الروايات

·         يقول أمير المؤمنين: «رأسُ التُّقی مخالِفَة الهَوى»[عيون الحكم/263] وكذلك قال(ع): «من جاهد نَفسه أکملَ التّقی»[غرر الحكم/ الحديث4940] وقال(ع) في حديث آخر: «لَا یُفْسِدُ التَّقْوَى إِلَّا غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ»[غرر الحكم/ الحديث6003] وكذلك قال(ع): «طُوبَى لِمَنْ عَصَى فِرْعَوْنَ هَوَاهُ وَ أَطَاعَ مُوسَى تَقْوَاه‏»[عيون الحكم/5493].

·         لقد كتب أمير المؤمنين(ع) كتابا إلى معاوية فجاء فيه: «تذْکُرُ التَّقْوَى وَ أَنْتَ عَلَى ضِدِّهَا؛ قَدِ اتَّبَعْتَ هَوَاكَ»[كنز الفوائد/ج2/ص43] وهذا ما يدلّ على تضادّ هوى النفس مع التقوى.

·         وكذلك جاء في حديث طويل عن الإمام الرضا(ع): «لکنَّ الرَّجُل کلُّ الرَّجل، نِعمَ الرَّجل هو الذّی جَعَلَ هَواه تبعاً لِأمر الله» [مجموعة ورّام/ ج2/ص100]. فمن خلال هذه الروايات يمكن فهم الترابط الموجود بين الأمر الإلهي وبين التقوى وجهاد النفس.

صلى الله عليك يا أبا عبد الله

·         أحيانا تقتضي التقوى أن تضحّي بأعزّ أعزّائك، وليس شأنك سوى أن تترقّب الأوامر فقط. فلا يكن هدفك أن تصبح إنسانا صالحا، فتفسد بهذا الطريق، بل يجب أن تنفّذ الأوامر. وأحيانا يقتضي امتثال الأمر الإلهي أن تغضّ الطرف عن كثير من القيم والأعمال الصالحة في سبيل أمر أهمّ وأسمى.

·         أنتم تعلمون أيّها الإخوة أن أهل الإنسان وزوجته وأطفاله من أعزّ الناس عليه، كما أن لهم احترامهم وشأنهم ويجب على الإنسان أن يحافظ عليهم ويحميهم من الأخطار. ولذلك أشاروا على الحسين(ع) أن سلّمنا بأنك عازم على الجهاد ومواجهة الظالمين، ولكن لماذا تذهب بأهلك ونسائك وأخواتك وأطفالك وبناتك إلى الحرب. ولم يكن جواب الحسين(ع) إلا أن قال: لقد أمرني رسول الله(ص) بأمر أنا ماض له.

·         نحن لو كنّا في زمن الإمام الحسين(ع) لعلّنا كنّا نقول له: إذهب جعلنا الله فداك وامض إلى امتثال أمر الله عسى أن تختم هذه القصّة بخير كما ختمت قصّة إبراهيم الخليل بخير ولم يسمح له الله بذبح ابنه. اذهب فلعلّ الملائكة تهبط وسط الطريق وتقول: لقد تقبّل الله جهادك وقد نجحت في هذا الامتحان فأرجع زينب، ولكن جاء يوم العاشر ومرّت الساعات ولم يأت خبر من السماء...

ألا لعنة الله على القوم الظالمين

 

    تعليق